احتفاءً بقصي الشيخ عسكر

الخميس 16 نيسان/أبريل 2020
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

حسين سرمك حسن: البطلُ البريء فوضى مهمة “قتل الأب” الحضارية بين الأجيال العراقية- تحليل رواية “قصّة عائلة” للروائي قصي الشيخ عسكر
فصل من كتاب “البطل البريء” للناقد حسين سرمك حسن عن الروائي د. قصي الشيخ عسكر صدر ضمن منشورات مؤسسة المثقف الغراء.
الإهــــــــــداء
إلى عائلة “آل نجم” وعذاباتها .. نموذجاً لعائلة ماتزال مُعذّبة اسمها: العراق .
وإلى الروائي “قصي الشيخ عسكر” الذي كانت معالجته الروائية الباهرة لقصة تلك العائلة الدور الأبرز في استثارة الرؤى النقدية والنفساجتماعية التي طفحت بها هذه الدراسة.

(… أنا تائهٌ حقّاً ..
فعذرا
كيفَ السبيلُ إلى العراقْ؟
: خُذْ أيّ تاريخٍ مُضاعْ
خُذْ أيّ خيط دمٍ مُراقْ
تجد العراقْ …)

الشاعر العراقي الراحل
خليل الأسدي

(اقتربتُ من الجثة وطلبتُ من بعض الجنود أن يقلبوا العقيد على ظهره.. فبدا لي وجهه وسط ضباب النور موشّحا بالكدمات والبقع الزرقاء.. عيناه جحظتا كأنهما تحملقان فيَّ .. كلّ ملابسه ممزقة .. بدلته تلطخت بالقذارة فاختلط الدم بالوحل.. هذا الوجه الوسيم والشعر الخفيف ينبيء عن صورة مرعبة.. تلك الدقائق رأيت في وجهه الملطخ بالدماء مستقبلي الغامض. حياتي الجديدة… كأنّ الجنود التابعين لي قتلوني معه.. قتلوا مستقبلي.. بينه وبين رتبة الزعيم التي أصبح يحلم بها كل ضابط مرتبة واحدة..)

“هاني”
رواية “قصّة عائلة” للروائي قصي الشيخ عسكر

(بغداد التي ألفناها بدت غريبة عنا… تلك المدينة التي شهدت ولادتي وطفولتي أدركتها في حال بؤس وسورة دم.. حزنٌ وصخب.. داميةً تنظر إلينا باستغراب.. كأنّ الدم الذي لحقنا إلى البصرة وانفجر من العقيد المغدور مازال يلاحقنا نحن الأبرياء.. بالأمس حدثت جريمة، فساح دم الملك وعائلته، ووجدنا الأمر يحدث في البصرة التي طردتنا.. نحن الآن في الشارع.. لامأوى لنا)

“هشام”
رواية “قصّة عائلة” للروائي قصي الشيخ عسكر

(وإذا أخذنا بعين الاعتبار تضخّم الثقة بالنفس لدى الجماهير واطمئنانها الى عدم المحاسبة والمعاقبة كلّما كان عدد الجمهور أكبر، فهمنا لماذا تقتدر الجماهير المحتشدة على الإتيان بأعمال لا يأتيها الفرد في العادة. ففي الجمهور، وبسبب انعدام حسّ المسؤولية وانتفاء الخوف من العقاب، يتحرّر الأبله والجاهل والحسود من الاحساس بدونيتهم وعدم كفاءتهم، ويصبحون معبّأين بقوّة عنيفة وعابرة ولكن هائلة، وفي الغالب شريرة. وهذا ما يُفسّر قابلية الجماهير لارتكاب أبشع الأعمال وأكثرها تطرفاً وهمجية. ولكن هذا أيضاً ما يفسّر قدرة الجماهير، إذا ما وُجد الزعيم الصالح حقاً، على اجتراح أفعال بطولية، وعلى التفاني من أجل قضية نبيلة، على نحو يتجاوز بكثير قدرة الانسان المعزول على ذلك).

غوستاف لوبون
علم نفس الجماهير – 1895

تمهـــيد: رواية ورسالة
وصلتني هذه الرواية “قصّة عائلة – رواية توثيقية”، مخطوطة، من الروائي “قصي الشيخ عسكر” بواسطة البريد الإلكتروني ومعها هذه الرسالة التعريفية التمهيدية عن ظروف كتابة الرواية ومصادر وقائعها . قال قصي في رسالته:
(العزيز حسين
في عام ١٩٦٠ كما أظن عندنا في البصرة قام الجنود المحسوبون على اليسار والشيوعيين بقتل عقيد في الجيش في الشعيبة اسمه العقيد جلال، وهو قومي ناصري. مرّ الحادث وعندما أصبحتُ في الصف الخامس الثانوي سمعتُ في المدرسة من قبل أستاذ اللغة العربية عرضا عن حادث قتل العقيد جلال. وقبل سنوات عندما زرتُ الاْردن واستقبلني د. هشام نجم في عمّان وكان قد اطلع على رواية قصيرة لي عنوانها ” الثامنة والنصف مساء” (..) أخبرني بحادثة قتل العقيد جلال بتفاصيلها وبعث لي ببعض مذكراته لأنّ أخاه الملازم الأوّل هاني نجم اتُهم بذلك، وطلب مني أن أُبقي على الأسماء كما هي. وفعلا، فعلتُ وقضيتُ تقريبا اكثر من ثلاث سنوات في الكتابة وجاءت الرواية بمائة صفحة او اكثر بقليل.
وقد قرأ الرواية د هشام نجم الذي كان أحد ابطال أحداثها والذي ضمّنت من مذكراته بعض الفصول لكي أُدخل اسلوبا جديدا على الرواية الواقعية هو الاقتباس من المذكرات ووضعه بين أقواس لاسيّما ان مذكرات د هشام مفعمة بالأسلوب الأدبي الرفيع) (انتهت رسالة الروائي قصي الشيخ عسكر).
ما الذي يهمنا ويهم القارىء – بالتالي – من رسالة الروائي؟

بين الذاتي والموضوعي
قبل أن نجيب على هذا السؤال الحيوي الذي ستمضي دلالات إجاباته معنا حتى النهاية سوف أعالج مسألة مُهمة انطوى عليها عمل الروائي التجديدي كما وصفه ضمناً من خلال محاولته تقديم طريقة جديدة في الكتابة الروائية يقتبس فيها الكاتب جانباً من المذكرات الواقعية التي اعتمدها في كتابة نصّه الروائي مازجاً إيّاها بتقنيات الرواية التاريخية. هذه الطريقة أو التقنية سمّاها قصي “رواية توثيقية” لم يعتمد فيها على أي “وثيقة” غير مذكرات الدكتور هشام نجم. وفوق أنّ هذا المسعى المبتكر يحيلنا إلى فارق بين ما هو توثيقي ووثائقي، فإنه – ومن خلال الاعتماد على المذكرات المرتبطة بمرحلة عاصفة عاشها الروائي وكاتب المذكرات وحتى الناقد والقارىء من ذلك الجيل – يثير أيضاً معضلة العلاقة بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي في تناول الكاتب – أي كاتب في المجال الإبداعي خاصة والإنساني عامة – لوقائع تاريخية “موضوعية” فعلية .

في معنى “الوثيقة”
الوثيقة اسم مشتق من الجذر الثلاثي “وَثِقَ”. ومعنى وَثِقَ معجميّاً بفلان ـِ (يَثِقُ) ثِقَةً، ومَوْثِقاً، ووُثُوقاً، ووَثاقَةً: ائتمنه. فهو واثق به، وهي واثقة. والمفعول موثوق به، وهي موثوق بها. وهم موثوق بهم. (وَثُقَ) الشيءُ ـُ (يَوْثُقُ) وَثاقة: قوي وثبت وصار مُحْكَماً. وفلان: أخذ بالوثيقة في أمره: بالثِّقة. فهو وثيق. (ج) وِثاق. وهي وثيقة. (ج) وِثاق.(أَوْثَقَ) فلاناً إيثاقاً: جعله وثيقاً. والأسير ونحوه في الوَثَاق: شدّه فيه. والعهد: أحكمه.(وَاثَقَ) فلاناً: عاهده. تقول: واثقته بالله لأفعلنّ كذا.(وَثَّقَ) فلاناً: قال فيه إنَّه ثقة. والأمر: أحكمه. والعَقد ونحوه: سجّله بالطريق الرسميّ، فكان موضع ثقة. (مو).(تَوَاثَقَ) القوم على الأمر: تعاهدوا وتحالفوا.(تَوَثَّقَ) في الأمر، ومن الأمر: أخذ فيه بالوثيقة أو بالثِّقة. والعقدة: تأرَّبَت، أي تأبَّت وتشدّدت. (اسْتَوْثَقَ) من فلان: أخذ منه الوثيقة. ومن الأمر: أخذ فيه بالوَثاقة. (الثِّقَةُ): مصدر. وقد يوصف به.(المَوْثِقُ): العهد. (ج) مَواثِق. (المُوثِقُ) من الشَّجر: الذي يعوِّل الناس عليه إذا انقطع الكلأ والشجر. وكلأ مُوثِق: كثير موثوق به أن يَكْفِيَ أهله عامهم. وماء مُوثِق: كذلك.(المُوَثِّقُ): مَن يوثِّق العقود ونحوها بالطريق الرسميّ. (المِيثَاقُ): العَهد. (ج) مواثيق، ومَياثيق، ومياثِق.(الوَثَاقُ): اسم من الإيثاق. وما يُشَدّ به، كالحبل وغيره.(الوِثَاقُ): ما يُشَدّ به، كالحبل وغيره. (ج) وُثُق.(الوَثِيقَةُ): مؤنَّث الوثيق. وما يُحكَم به الأمر. وفي الأمر: إحكامه. يقال: أخذ بالوثيقة في أمره: بالثِّقة. وأرض وثيقة: كثيرة العشب. موثوق بها. والصَّكّ بالدّين أو البراءة منه. والمستند وما جرى هذا المجرى. (ج) وَثَائِق . (1)
ومن هنا نجد أن المشترك في هذه المعاني للجذر “وثِق” هو الإحكام والمصداقية والأمانة والكفاية . أي أنّ المعلومة يجب أن تكون مؤتمنة ومُحكّمة وبعيدة عن النوازع والرغبات الفردية وكافية في إثبات حقيقة أمرٍ ما.
ومن الناحية الرسمية فإنّ الوثيقة تُعرّف بأنها كل ما يُعتمد عليه، ويُرجع إليه لإحكام أمر وتثبيته وإعطائه صفة التحقق والتأكد من جهة، أو ما يؤتمن على وديعة فكرية أو تاريخية تساعده في البحث العلمي، أو تكشف عن جوهر واقع ما، أو تصف عقاراً أو تؤكد على مبلغ، أو عقد بين اثنين أو أكثر، ويمكن تحديد عناصر الوثيقة بالتالي بما يلي: 1. أن تكون مصدراً للمعرفة: أي أنها تحتوي على معلومات تمكّن المستفيد من الاعتماد عليها في إثبات حجة أو دفع شبهة أو رد على رأي أو الحصول على معلومة جديدة تفيد في البحث العلمي. 2. أن تمتلك قوة الإثبات: نحو أن تحتوي بيانات للمسؤولية أو أن تكون مسجلة في الدوائر المختصة أو أن تكون قد حُققت سابقاً. 3. أن تكون قابلة للانتفاع حيث تقدّم معلومات هي موضع حاجة لدى الباحث مهما كانت صفته. (2)

متى تصبح المذكرات وثيقة؟
وعليه متى تصبح “المذكرات” وثيقة؟
إذا توفّرت فيها صفة “التحقّق” من أطراف ثانية، وتأكّدت فيها المصداقية من خلال المطابقة على الوقائع الفعلية، وتميّزت بالقابلية على الانتفاع بها تاريخيا . وهذه الصفات لا تتوفّر في المذكرات الشخصية . فلم نجد عبر التاريخ اتفاقاً كاملا على أيّ مذكرات صدرت من أيّ شخص مهما كان حين تخرج من دائرة الأمور الشخصية إلى دائرة الشؤون الاجتماعية والسياسية والتاريخية العامة.
وحتى في المذكرات السيرية الشخصية البحتة فإنها تتعرّض للكثير من المآخذ والاعتراضات وحتى التحسّب من جانب كاتبها حين تتناول شأناً يدخل فيه “الآخر” الذي تترتب له أدوار ورغبات وحسابات و”حقوق” من ناحية أو شؤوناً عامّة (سياسية أو تاريخية أو اجتماعية) لـ “الآخرين” فيها آراء ومواقف قد تختلف بل تناقض جذرياً آراء الطرف الآخر؛ صاحب المذكرات أو السيرة، من ناحية أخرى؟ فكيف بمذكرات الدكتور هشام نجم التي تتناول “آخرين” و”حوادث” تاريخية وسياسية واجتماعية عامة في واحدة من أعقد المراحل التي مرّ بها العراق وأكثرها تمزّقاً والتهاباً والتي مازالت عواصف الفرقة والاختلاف حولها تدور رحاها حتى اليوم وهي الحوادث التي ارتبطت بثورة 14 تموز عام 1958 والتي مايزال كثيرون – ومنهم شاعر العرب الأكبر والأعظم محمد مهدي الجواهري الذي كان شاهداً عليها على سبيل المثال – يرى فيها انقلاباً دمويّاً لا ثورة أصيلة؟
لقد حاول الروائي البارع قصي الشيخ عسكر تقديم رواية “توثيقية” كما قال لا رواية “وثائقية” إذا جاز الوصف؛ بمعنى الرواية التي تعمل على تثبيت الوقائع “الحقيقية” التي جاءت في مذكرات الدكتور هشام نجم ، وتلك الحوادث التي سطّرها الدكتور هشام والكيفية التي عالجها بها الروائي الدكتور قصي لابُدّ أن تكون – وهذا ما يفرضه المنطق العلمي – قد تعرّضت لتأثيرات “العامل الذاتي” لدى الطرفين، وهو عامل مهم ومؤثر بل خطير حين يتعلق الأمر بالشؤون الإنسانية علوماً وفنوناً .

المعرفة الإبداعية واقعة فرديّة يقوم بها العقل وقوى النفس الإنفعالية
فعلاقة الذاتي بالموضوعي في شؤون الإبداع خصوصاً والشؤون الإنسانية عموماً هي علاقة خطيرة تختلف جذرياً عنها في حقل العلوم الطبيعية. فالظواهر الطبيعة غريبة عنّا لذلك فان ادراكها يتم عن طريق المعرفة العلمية بأسسها “الرياضية” المعروفة، في حين أنّ الأمور الأنسانية والظواهر الاجتماعية هي أمور ذاتية تُدرك من الباطن. وفي الباطن حسب أطروحات التحليل النفسي يكمن مشغل أو مرجل اللاشعور الذي لا يهدأ في عمله الدائب في تشكيل الأفكار والعقائد والمواقف وفق دوافعه وصراعاته. والمعرفة في العلوم الأنسانية تقوم على الفهم الذاتي، ولذا فهي واقعة فردية، في حين أنّ المعرفة في العلوم الطبيعية تقوم على التفسير الذي تعتمد فيه على الأسباب والتصوّرات المُجرّدة. وبذلك تكون مهمة المبدع – وفق هذا التصوّر – متمثلة في البحث عن المعاني والصور الكلية للفعل والثقافة وفهمهما. وعليه فإن النشاط الإبداعي؛ مذكراتٍ أو فناً سردياً، يقوم على الفهم لا التفسير، في حين أنّ المعرفة في العلوم الطبيعية تقوم على التفسير لا على الفهم. فعناصر الموضوع في العلوم الطبيعية تأتينا من الخارج عن طريق الحواس، وبذلك يكون نهج المعرفة الذي يناسب العلوم الطبيعية هو التجريد والتحليل. ولهذا يتم التفسير في العلوم الطبيعية بالاعتماد على الأسباب والتصوّرات المُجرّدة. وهذا هو الشكل الذي تأخذه الموضوعية في العلوم الطبيعية، في حين أن النشاط الإبداعي هو نشاط إنساني فكري – نفسي، يُدرك موضوعه ويُفهم فوراً قبل أن تتهيأ لنا معرفته العلمية . وهذا الفهم لا يتم عن طريق العقل والذكاء وحده، ولكنّه – وهنا بيت القصيد – يتم من خلال جميع قوى النفس الأنفعالية أيضاً. وبذلك يكون الفهم مقترناً بميل أو نفور، حب أو بغض (3)
لقد تناول الدكتور هشام نجم حوادث حاسمة ومريرة تتعلق بعائلته التي لا يمكن أن تجرّده أي قوّة “موضوعية” من قدرٍ من ارتباطاته العاطفية بأفرادها ولا من مواقفه تجاه طرفي المثلث الإنساني في أي علاقة وهم الأب والأم (والإبن). وهذا الأمر لا يقرّره هو، بل يكشفه المحلّل النفسي أو هو نفسه إذا قام بعملية تحليل نفسي ذاتي متجرّدة ستكون مُحمّلة بالمشاق لأنهّا ستكون هدف إسقاطات وأواليات دفاعية ذاتية تتلاعب بها شكلاّ ومضموناً.

الذات هي التي تعطي معنى للعالم
وحتى حين تتم المزاوجة بين الذاتية والموضوعية والتي مثلتها بأحسن صورة الفلسفة الظاهراتية كما صاغها” هوسيرل” والوجودية كما جاءت لدى “مارتن هيدجر” و”كارل ياسبرز” ينتصب العامل الذاتي من جديد فاعلاً ومؤثراً حيث يعترف ياسبرز بموضوعية العالم وبقيامه قياماً سابقاً لمعرفتنا لكنه يذهب الى أنّ مدخل الظاهرات (الفينو مينولوجيا) لا يمكن أن يُفهم إلّا على أساس ردّ العالم الى الذات. فهذا الردّ عنده هو الذي يعطي للعالم معنى (عن طريق فعل الشعور)، فلا يكفي عنده أن يدرك الشعورُ العالمَ ماثلاً أمامه، بل لابُدّ من أن يحاول إعطاءه معنى، ولن يتسنى له هذا إلا بردّ العالم إليه (4). وهذا يعني أنّ المعنى الذي أعطاه الدكتور هشام ثم الروائي قصي هو معنى “ذاتي” يجب أن نتعامل معه – ولغرض فهمه “موضوعيّاً” – باحتراس ودقّة.

بين الطرح والطرح المُضاد
إنّ العلاقة بين المبدع (أو كاتب المذكّرات وخصوصاً حين يكتبها بأسلوب أدبي رفيع كما قال الروائي يتدخل فيه لاوعيه من خلال المجاز المُغيَّب) ومادة بحثه – الإنسان – تتضمن (إسقاطات) ذاتية متبادلة تشبه علاقة الطرح – transferanc والطرح المضاد – counter- transferance التي تتأسس في الرابطة النفسية التحليليّة بين المحلِّل والمُحلَّل . ففي الطرح يقوم المريض باسقاط مشاعره المُختزنة تجاه أحد أبويه – سلباً أو ايجاباً – على الطبيب النفسي المعالج. والأخير يقوم، بدوره باسقاط مشاعره الخاصّة المُختزنه في اللاشعور على المريض الذي فتح له أبواب المكبوت على مصاريعها . ولعلّ فهما سريعاً لحالة المريضة “أنّا أو” التي سمّى فرويد ابنته الكبرى باسمها تيمّناً بها كحالة كلاسيكية في التحليل النفسي عن الطرح والطرح المضاد، وكيف أربكت حياة معالجها الدكتور “جوزيف بويير” وأهارته يساعدنا على إدراك أوسع لدور العامل الذاتي في المعالجات الإبداعية والإنسانية (5). (يمكن للسادة القرّاء أن يطّلعوا على عرض وافٍ لهذه الحالة وأبعادها المعرفية في كتابنا “محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي”)(6).
واعتماداً على أطروحات “جاك لاكان” فهذه التجربة؛ تجربة العلاقة الطرحية بين المُحلِّل والمُحلَّل، كانت ولا تزال فريدة من نوعها. فخلافاً لما كان يتصّور بأنّ العلاقة بين شخصين ثنائية، يتبين لنا في الواقع بأنّ هناك طرفاً ثالثاُ على الأقل يسيّر الحوار. وعدم اكتشاف وجود هذا الطرف الثالث كان من نتيجته تقويض العلاقة بين الطرفين؛ برويير وأنّا ـ في تلك الحادثة الفريدة. فالمقاومة كما يقول “لاكان” هي مقاومة المُحلّلِين أنفسهم: فالمحلّل لا يسمع ما لم يكشف النقاب عنه في نفسه (7).

اللاشعور هو الطرف الثالث بين الكاتب ونصّه
فالطرف الثالث – اللّاشعور هو الذي يلعب دوره في تحديد شكل وطريقة العلاقة الطرحّية السابقة نفسها لتوجيه وتصميم اختيارات وأحكام المبدع (أو كاتب المذكّرات) أو كل مشتغل في كتابة وبحث الشؤون الإنسانية حيث يتمرأى بفعله النهائي والمؤثّر في صياغة العلاقة بين الكاتب ونصّه . وهذا ما عبّر عنه “جان بول سارتر” بطريقة أخرى حين قال:
(ان الحقيقةَ حقيقةُ مواقفٍ تقوم على الالتحام المباشر بين المُفكّر والوجود. إنّ كلّ ما يوجد بالنسبة إليّ لا يمكن أن يستمد معناه الوجودي إلّا منّي أنا وفي نطاق ضميري).
والصيغة الصحيحة لعبارة سارتر هذه من وجهة نظري هي أن كل شىء يستمد معناه من دلالاته الرمزية بالنسبة إلى تجارب لاشعورنا المكبوتة وليس إلى نطاق ضميرنا – وهو لاشعوري أيضاً – فحسب .
إنّ علينا أن نفرّق بين الكتابة الإبداعية مهما كان شكلها، كتابة رواية أو مذكّرات، والكتابة عن الظواهر الطبيعية من خلال درجة تأثّر الانسان بطبيعة الظاهرة التي يتناولها. فالأولى تتناول الظواهر التي يكون الأنسان فيها المؤثِّر والمتأثّر. وهنا يتجلى صارخاً الفرق بينها وبين الظواهر الفيزولوجية التي يكون الأنسان فيها متأثراً فقط، والظواهر الفيزيائية التي يكون فيها الأنسان مشاهداً وملاحظاً لها فقط. لا بدّ من التفريق بين الظاهرة الانسانية والفعل الانساني، فالفعل متصل بحرّيتي وهو عبارة عن تدخّلي في العالم وتأثيري فيه. أمّا الظاهرة فهي فعل وقع وظهر وانفصل عني. وبذلك يصبح الفعل ظاهرة بحدوثه وانفصاله عني، وظهوره في الواقع. وتصبح الظاهرة “فعل” بادراكي لها واطلاعي عليها، ولو لم أكن سبباً في إحداثها. ومن ثم فأنّ الظاهرة والفعل يتعلقان بموقفي الفكري، حيث أنظر الى الماضي فأجد الظاهرة، وأشعر بالحاضر وأحياه فأقوم بالافعال، فالظاهرة توجد في العالم المادي مستقلة عن الفعل، وبذلك فأنّ الحياة جميعها عبارة عن انتقال من الفعل الى الظاهرة، ومن الظاهرة الى الفعل، وعليه فإن الكتابة العلمية سوف تعتمد على ظواهر المادة ومن ثم تكون فكرة الظاهرة فيها أساسية وسيتناول الباحث فيها أحكام الوجود المادي، لا أحكام القيم . في حين أنّ الكتابة الإبداعية تقوم على قضايا إنسانية، تستند في مصادرها إلى أفعال، لا الى ظواهر، ولذلك فهي تعتمد على أحكام القيمة أكثر من اعتمادها على أحكام الوجود. إلّا ان كل فعل نقوم به له معنى يتصل بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا أي بشخصيتنا. فإذا جرّدنا قضايانا الانسانية من معانيها وغاياتها التي تضمّنت وحدتها وتماسكها، نكون بذلك قد عرّيناها من حياتها النابضة وتناولناها كجثة هامدة لا حراك فيها ولا تفصح عن ماهيتها الحقيقيّة. (8) .

حوار الذات والموضوع محور العملية الإبداعية خلقاً ونقداً وتلقّياً
ويمكننا أن نختم هذه المداخلة المفتاحية الضرورية ليس لفهم المذكرات (مذكرات الدكتور هشام نجم) والرواية التي تأسّست عليها (رواية قصّة عائلة للروائي قصي الشيخ عسكر) فحسب، بل – وأيضاً – للإدراك العميق لمنطلقات التحليل الذي سيطرحه الناقد بعد قليل أوّلاً، ومجموعة الظواهر الإنسانية بأبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية التي تضجّ بها المذكرات والرواية والواقع الاجتماعي في تلك المرحلة ثانياً، وتأثّرات عملية التلقّي والقراءة ثالثاً، بهذا المثال:
لو افترضنا، على سبيل المثال، أننا كلفنا طبيباً مختصاً بالتحليلات المختبرية بأن يحسب لنا عدد كريات الدم البيض لمريض ما على شريحة موضوعة تحت عدسة الميكرسكوب، فإنّه سيؤدّي هذا الواجب بصورة “علميّة” مجرّدة ويقدّم لنا النتيجة . ولكن لو افترضنا أنّ هذه الشريحة هي لابنه الصغير المُصاب بسرطان الدم أو اللوكيميا المميتة (زيادة عدد الكريات البيض المُعطّلة بدرجة هائلة). من المؤكّد أنّه سيؤدّي مهمته بصعوبة أو يعتذر عنها. ولذلك لا يُستحسن أن يُجري الطبيب الجرّاح عملية لابنه أو يقوم الطبيب النفسي بمعالجة أحد أفراد عائلته. فكيف بالدكتور هشام وهو يلاحق تحت مجهر ذاكرته عذابات أفراد عائلته (خصوصاً أخاه هاني) وانفعالاتهم ومعاناتهم الجسيمة في واحدة من أخطر مراحل الحياة العراقية؟ ثم كيف بالروائي وهو “يعيش” تلك التجربة من جديد عبر صياغة سرديّة أهم ما يتوخّى فيها أن تكون “مُجسّدة” لتلك العذابات بصدق وحرارة من ناحية و”مؤثّرة” في المتلقي عبر هذا التجسيد الصادق من ناحية أخرى؟
في عمليتي إعادة الصياغة والخلق هاتين بالنسبة إلى كاتب المذكرات وإلى كاتب الرواية سوف يجري “حوار” بين الكاتب (ذاته) والحدث الذي يعالجه (موضوعه) لا يحصل في الكتابة العلمية وذلك بالطريقة الجميلة التي يعبّر عنها العشّاق عادة بالقول: “قلبك .. يوجعني”، وسوف تشتغل – شئنا أم أبينا وبهذا القدر أو ذاك – مقاوماتنا وإسقاطاتنا وعلاقاتنا الطرحية (بين الكاتب وشخوص نصّه في ما أسمّيه “لاوعي النصّ” كما سنرى قريباً في مجريات الدراسة) وأوالياتنا الدفاعية التي سوف تتدخّل في إعادة تشكيل المضمون (خصوصا في محتواه الإنفعالي) وتصميم شكله الذي يجسّد هذا المضمون ليضمن أفضل وأقوى درجة من التأثّير في عملية التحام ديناميكية خلّاقة بين شكل العملية الإبداعية ومضمونها لا يمكن فصلها أبداً فنحن لا نرى الابتسامة “أمام” الوجه ولا “خلفه”، بل “فيه”.
سبعة عوامل مهمة في رسالة الروائي
أعود الآن إلى سؤالنا المهم السابق:
ما الذي يهمنا ويهم القارىء – بالتالي – من رسالة الروائي؟
يهمنا – أوّلاً – التعرّف على “الأصل” الواقعي للحدث المركزي الذي قام قصي بمعالجته فنّيا من الناحية السردية ليحوّله إلى رواية. فقد علمنا الآن أن الحدث الواقعي لم يكن تنقصه الحبكة والتوتر الدرامي أبداً. فهو حدث صادم وفاجع ومشوّق وذلك بأن يُتّهم شخص بجريمة قتل شخص آخر وهو برىء تماما منها . وهي ثيمة اعتمدتها روايات وأعمال فنية سينمائية وتلفازية كثيرة لعل “الهارب” مسلسلاً في الستينات وفيلماً (من بطولة هاريسون فورد) في التسعينات عالميا، ورواية “اللص والكلاب” (كتاباً وفيلماً) للروائي الراحل نجيب محفوظ عربياً، هما أسرع ما يتبادر إلى الذهن عن “المتهم البريء”، وهناك غيرهما الكثير.
كما علمنا – ثانياً – أن الروائي قد استفاد من “الوثيقة” كما شاع في سرديات الحداثة وما بعدها ممثلة بمذكرات شقيق الضابط المتهم. واستخدام وثيقة وصفها قصي بأنها ذات أسلوب أدبي رفيع سوف يثير إشكالاتٍ أخرى تتعلّق بالمعالجة المُضافة من قبل الروائي وما الذي ابتكره ليصمّم شكلها ومضمونها النهائي مستفيدا من تلك المذكرات لتأتي معالجته السردية بهذه الصورة الرائعة.
لكن – وهذا ما يهمنا معرفته من الرسالة ثالثاً – أن جريمة القتل ذات طابع سياسي وعسكري وهنا يبرز الفارق الأكبر. فلم تكن الضحية زوجة مثلاً. هناك طبعا أعمال أدبية وسينمائية عن جرائم قتل سياسيين وعسكريين ولكنها ليست جريمة يقوم بها جنود محسوبون على حزب سياسي فلا توجد أحزاب في الجيوش الأمريكية والأوروبية ولا يُسمح بالنشاط السياسي لأي عسكري إلا إذا غادر الخدمة العسكرية. لكنها جرائم عن سوء سلوك قائد أو مجموعةٍ ما تقوم بفعل (مذبحة أو عملية سرّية لاشرعية أو تهريب) خارج السياقات العسكرية. في حدث قصيّ ضابط يُقتل شرّ قتلة بشنقه وسحله والتمثيل بجثته من قبل جنود محسوبين على الحزب الشيوعي (وستكون لنا وقفة مع تعبير “المحسوبين” هذا لاحقاً).
وما يهمنا معرفته – رابعاً عن طريق الاسترجاع الذاكراتي وربط الحادث بسياقه التاريخي الذي عشناه وما يزال يلوب في صندوق الذاكرة الأسود – وهو أمر في غاية الخطورة، هو أن هذه الجريمة كانت “مطلوبة” وليست مُستنكرة من قبل عدد لا يُستهان به من الناس في البيئة التي وقعت فيها آنذاك، وليس كما حصل في الأعمال الروائية والسينمائية السابقة حيث يهرب “المتهم” ويواجه المصاعب الكارثية ليثبت براءته. فلأول مرّة يبارك قطاع واسع من الجمهور في مجتمع “القاتل” جريمته هذه ويعدّه “بطلا” لأنه اقترفها على الرغم من أنه بريء منها بل يصرّح برفضه لها علنا كما سنرى.
ومن الأمور المهمة الأخرى – خامساً – هو أن الحدث المركزي/الجريمة وتبعاتها المهلكة اللاحقة قد جرت في عام 1960. أي أن بين الروائي – وبيننا كمتلقّين أيضا – وبين الوقائع ما يزيد على الستين عاماً. وعندما نتذكّر التجربة النفسية الشهيرة للعالم الأمريكي غوردن ألبورت Gordon Allport الذي عرض صورة لرجل أبيض يحمل موسى حادة ويتحدث إلى رجل أسود على شخص في تجربة، وطلب منه أن يهمس بمحتواها في أُذن زميله، ليقوم الأخير بهمسها في أُذن زميله المجاور له .. وهكذا .. وصلت الحادثة إلى الشخص الأخير متغيّرة تماما. وحصل هذا حول مائدة مستديرة وفي عملية نقل آني للحدث من شخص إلى آخر . فكيف بنقل حادثة وتصويرها من جديد بعد أكثر من ستين عاماً؟! (وقل لي كيف نقل الرواة العرب أخطر النصوص التي تتحكم بحياتنا وحياة شعوبنا ودوّنوها بعد أكثر من 100 سنة على رحيل أصحابها؟! .. وهذا يحيلك أيضا إلى النظر عميقا في عملية كتابة التاريخ) . أضف إلى عوامل التعرية هذه التي تتأكّل جروف الذاكرة عامل “المصلحة النفسية” الذي تحكمه عوامل شعورية عقلية واضحة وعوامل لاشعورية غامضة ومستترة وشديدة المكر وهي الأخطر على الإطلاق، وسوف نتوقف عندها بصورة عميقة أيضا. ولو عدتَ سيّدي القارىء إلى مفتتح رسالة الروائي الذي قال فيه:
(في عام ١٩٦٠، كما أظن)
وانتبهت إلى جملته (.. كما أظن) لوجدت عاملا – ولو بسيطا – يؤكّد ما قلناه عن تعرّض الذاكرة لعوامل التآكل التي تزعزع يقينها وتدفعنا إلى الاحتراس في التأمين على ما تستدعيه “تراجعياً” بعد المضي الجارف لسيل السنين والأعمار. وقد استمع الروائي قصي إلى الحكاية الواقعية من مدرّس اللغة العربية أوّلاً وهو في الصف الخامس الثانوي (وهو في ذروة مراهقته وعند العتبة التي يُعدّ فيها الفرد رسمياً وقانونيا واجتماعيا مؤهلا لتقييم الحوادث بصورة مستقلة) ثم اطلع بعد سنوات طويلة – وبعد أن اصبح روائيا بارزاً – على الحكاية نفسها من خلال طرف فاعل فيها (وتركيبة هذا الطرف النفسية وشخصيته ودوافعه – اللاشعورية خصوصا – مغايرة بالتأكيد لتركيبة قصي النفسية وشخصيته ودوافعه – اللاشعورية خصوصا – وكلاهما تختلف تركيبته ودوافعه عن “الراوي” الأوّل؛ مدرّس اللغة العربية. وسوف تتفاعل طريقتا سرد الحكاية من المدرّس (وله مصلحة لاشعورية مستترة بالتأكيد) والدكتور هشام (وله أيضا مصلحة لاشعورية مستترة بالتأكيد) وحضور كلّ راوٍ، وأسلوبه، ولغته، وصورة النموذج الأبوي التي يحملها الروائي في لاوعيه عن أبيه، وعن الإثنين، وعن السلطة المرجعية الأبوية ودورها في حياته منذ طفولته، سوف تتفاعلان مع الظرف الاجتماعي العام في المجتمع العراقي ومجتمع البصرة، والخاص بمجتمع قصي الصغير (عائلته وأقرانه .. إلخ)، والوضع النفسي لقصي كمتلقٍ آنذاك، وبينها نزوعاته وولاءاته وصراعاته الغريزية (تظافر فعل غريزتي الحياة والموت) وبنيته الفكرية، كل هذه التفاعلات سوف تنتظم في سلسلة عمليات فكرية ونفسية موادها التخييل واللغة والتصوير الفني ليتحوّل فيها قصي من “متلقي” من حكّاءَين واقعيين إلى “حكّأء” لمتلقين هم “نحن” . وفي لُبّ هذه العملية سيخلع قصي قشرة الحكّاء الواقعي ليتحوّل – شاء أم ابى، ومهما كان حرصه وأمانته على تقديم رواية “توثيقية” كما وصفها – إلى لبس أردية دور “الحكّاء/السارد/ الروائي المقتدر” المغوية الذي سوف يحوّل من خلالها تلك “الحكاية” الواقعية “الفجّة” من المصدرين إلى “فن”. ولو كان ما قدّمه قصي رواية “توثيقية” بمعنى الأمانة “الخبرية” والنزاهة “الإخبارية” في سلسلة عمليتي النقل لما كان هناك داع لكتابة رواية ولاكتفينا بالحكايتين كما صاغهما وطرحهما المدرّس والدكتور هشام نجم على الكاتب. وسنثبت ذلك تفصيليا في سياق التحليل الذي سوف نقدّمه.
وضع في ذهنك، سيّدي القارىء، أيضاً أن الروائي قصي الشيخ عسكر يُعدّ من الكتّاب العراقيين والعرب الروّاد في مجال كتابة رواية الخيال العلمي كما جاء في سيرته (9). وبخلاف ما قد يتصوّره الكثيرون عن أن فعل الخيال “الواقعي” في الرواية التوثيقية السياسية يخالف فعله في رواية الخيال العلمي فإن أسس عملهما الجوهرية اللاشعورية الدفينة واحدة كما سنرى.
ولعل الأمر المهم الآخر – سادساً – في هذه الرسالة هو قول الروائي أن الدكتور هشام نجم صاحب المذكرات التي اعتمدها في تصميم روايته وشقيق “المتهم البريء البطل” – لاحظ الوصف المأزقي ذا الخلطة العجيبة – قد طلب منه أن يُبقي على الأسماء كما هي، وقد قام قصي بذلك فعلا. وهذا ليس أمرا هيّناً وبلا تأثير في عملية الخلق الإبداعية. فاستخدام الأسماء الحقيقية لشخوص الرواية يسحب عملية التلقي إلى “أرض” الواقع أكثر فأكثر ويطوّق الميل التخيّلي للقارىء الذي يجري في عملية موازية للميول التخيّلية للروائي ويحدّ من حركته من ناحية، ويدفعه إلى مقارنة الأفعال المتصوّرة من قبل مخيال الروائي بالمرجعية الواقعية لهوّية الشخصية معبّراً عنها باسمها الذي يتعدّى – نفسيا ووجوديا – عملية التسمية إلى الحضور والفعل والكينونة بأكملها من ناحية ثانية مكمّلة. وليس عبثاً أن القدماء كانوا يقولون “من يسرق اسمك يسرق روحك”. وسنرى أهمية ذلك من خلال ملاحقة وقائع الرواية وتحليلها.
أمّا الأمر الآخر المُهم – سابعاً وأخيراً – الذي تُحيلنا إليه هذه الرسالة فهو ما ذكره الروائي عن المدّة التي أمضاها في كتابة الرواية وهي (ثلاث سنوات) ومدى تناسبها مع المنجز الروائي النهائي (طبعا لا علاقة للزمن المصروف بحجم المنجز ولكن بـ “حجم” الجهد الفني المبذول في تحويل الحكاية من مصدرها “الخام” إلى عمل فنّي روائي رفيع المستوى . وهذا يحيلنا حتما وبقوّة الاستنتاج إلى أن الكاتب سوف “يتصرّف” مهما كان حرصه على تقديم رواية “توثيقية” كما يزعم .

الرحيل يعني قليلاً من الموت
لنمضِ الآن مع الروائي قصي الشيخ عسكر في الفصل الأول من روايته الذي حدّد مكان أحداثه بمفردة “البصرة” تحت عنوان “الفصل الأول” . هذا الفصل يتكوّن من استهلال وأربعة أقسام هي:
(1). المدرسة
(2). العقيد جلال
(3). المُعتقل
(4). هاني نجم
وفي الاستهلال نقرأ ما يلي:
(عام 1996 غادر هاني إلى ألمانيا ليمنح ابنه المصاب بسرطان دم عَلِق في جسده من حرب الخليج نخاعا . فليس هناك مايطابق دم “منير” غير دم الأب . ثم اكتشف الأب أن وصوله لا يعني شيئا سواء أكان متأخرا أم لا، فقد اختطف الموت الإبن، وبذلك دشّن آل نجم أول قبر لهم في الخارج . وسوف آتي على قبور الآخرين فيما بعد . وها أنا – أخي هاني ـ وجدتني أعود إلى البصرة – حالما بدأت أنت رحلتك إلى أوروبا – أعود إلى عام 1959 لأقتنص اللحظات”) (ص 5)
مُفتتح يقطّع القلب عن “هاني” الذي – ومن خلال السطر الأول – لا نعرف عنه شيئا لأن المتلقي يقرأ الرواية من دون الملاحظات التمهيدية السبع السابقة، يواجه محنة كبرى يمكن أن تُهير أيّ إنسانٍ حين يرى المُثكل – كما يصف جدُّنا جلجامش الموتَ بدقة – وهو يلتهم – ببطء وعناد كريه – فلذة كبده في مفارقة جارحة جداً بعد أن اكتشف أن نخاع العظم الوحيد الملائم للزرع في عظام ولده “منير” المُصاب بالسرطان هو نخاعه؛ أي نخاع الأب هاني نفسه . كان الموت في حياتنا مُقدّراً من قبل قوى خارجة عن إرادتنا ثم أصبح الآن في ظل المدّ الإمبريالي الأمريكي مُصنّعاً من قبل أخينا الإنسان وبيديه. فقد عَلَق هذا السرطان المُنهي بجسد منير بسبب حرب الخليج (وأقرب الاحتمالات وأقواها هو أن يكون من نتائج استخدام القوات الأمريكية لليورانيوم المنضب الذي سيبقى في التربة العراقية – خصوصا البصرة – لمدة 4 مليارات سنة حسب الدورة العلمية لهذا العنصر . وينبهنا هذا الاستهلال – أو يحذّرنا – إلى أن قبر منير هذا هو أول قبر لعائلة نجم خارج العراق . كما يُعلن راوٍ بضمير الغائب أيضا عن أنه سوف يحدّثنا عن قبور أفراد عائلة آل نجم الآخرين في داخل العراق، لينتقل فوراً إلى صوت “الأنا” المُعلن فيظهر أنّه شقيق هاني المثكول ويخاطبه بأنه في الوقت الذي سوف يرحل فيه هاني إلى أوروبا فإنه – أي الراوي – سوف يعود إلى البصرة قافزاً مسافة زمنية شاسعة تمتد من عام 1996 وهو الزمن الذي يحكي فيه الراوي – ولنتفق ولو وقتياً على أنّه ليس الروائي قصي الشيخ عسكر – هذا الاستهلال المُحزن الذي خُتم بشمع الموت الأسود وسط موت الإبن – وهو إبن أخ الرواي – وخيبة الأب وغربته المُقبلة وهو يدشن رحيله – وليس رحلته – إلى أوروبا (والرحيل حسب الحكمة القديمة يعني قليلا من الموت) في حين سوف يدشّن الراوي المثكول أيضا “رحلة” موازية من عام 1996 إلى عام 1959.

كل الأصوات الساردة هي تمظهرات لصوت الروائي؛ المؤلف هو الحيّ الذي لا يموت
ومن المهم الإشارة إلى أن صوت الراوي – بل كل شخوص الرواية مهما كان دور صوتها وحضوره ثانوياً – هو تمظهر من تمظهرات صوت الروائي مهما حاولت مدارس الحداثة تصنيف الرواة وأصوات الحكّائين في الفن السردي: راوياً عليماً “ديكتاتورا” بكل شىء، أو لا يعلم إلا بما تعلمه الشخصيات (المشارك أو الشاهد أو المرآوي العاكس)، أو الذي يعلم أقلّ مما تعلمه الشخصيات (واحداً منها مثلا) كما يقول (جان بويون)، أو – وهذا حسب تصنيف (جيرار جينيت) – راوٍ يحلّل الأحداث من الداخل (بطل يحكي بضمير الأنا أو كاتب كلّيّ المعرفة على الرغم من أنه راوٍ غير حاضر)، أو راوٍ يرقب الأحداث من خارج (أما راوٍ مشاهد فهو حاضر ولكنه لا يتدخل، أو كاتب يروي ولا يحلل، فهو غير حاضر، ولكنه لا يُسقط المسافة بينه وبين الأحداث) . أو – وفق وجهة نظر تودوروف – راوٍ يعلم أكثر من الشخصية (الرؤية من خلف/ضمير المتكلم/بطل يروي قصته)، راوٍ يعلم بقدر ما تعلم الشخصية (الرؤية مع/ الراوي هو الروائي/ضمير الغائب)، راوٍ يعلم أقل مما تعلمه الشخصية (الرؤية من الخارج/ الراوي الشاهد الحاضر، لكنه لا يتدخل/ كالمخرج يُعرف من خلال أثاره)، أو الكاتب الذي يروي من خارج، فهو غير حاضر، ولا كلّي المعرفة (10)..
أقول برغم كل هذه التصنيفات وغيرها الكثير فإن كلّ أشكال الرواة، وكل أنواع الشخوص، هي تمظهرات – بهذا القدر أو ذاك – لصوت الكاتب من ناحية، وستعلق بها – من ناحية ثانية مكمّلة – و- حتما – متعلقات من لاشعوره، لأن كل صوت وكل شخصية وكل حركة وكل نأمة تجري من الشخوص على مسرح الرواية كانت قد دخلت في ” مشغل اللاشعور الخلّاق ” الذي لا يهدأ والذي “يتخيّر” المناسب منها من موقف أو حوار أو حركة أو فكرة ليمرّر تحت أغطيتها اللغوية والتصويرية شيئا من مكبوتاته وصراعاته ورغباته.
وفي استهلال من أقلّ من ستة أسطر تنقّل الروائي من الحكي بضمير الغائب (سرد من الخارج/ إخباري) إلى إعلان بصوت ضمير المتكلم عن هويّة السارد (شقيق الغائب!!) الذي يرسم مسار رحلتين الآن: الأولى لهاني الغائب (ولا أعلم كيف يكون “الضمير” غائباً وهو حاضر تماما بلغة السرد وعلى أرضيته!) وهي رحلة “مادّية/عملية/واقعية” نحو “المستقبل” في أوروبا إذا جاز الوصف، ورحلة للسارد/ الأنا / شقيق هاني، وهي رحلة موازية، لكنها “تخييلية” سرديّة’ نحو الماضي؛ نحو البصرة عام 1959. ولكن كل مسارات الاستهلال وما يتضمنه من حوادث وأصوات تسردها (إصابة الإبن الفاجعة بالسرطان وموته ثم دفنه في ألمانيا، وبدء رحلة هاني الأب إلى أوروبا، وبدء رحلة الراوي التراجعية السردية نحو الماضي) تجري في الحقيقة زمنيّاً في “الحاضر”، الحاضر بالنسبة للحظة الحكي السردية من جانب، وللحظة القراءة النقدية أو الاستقبالية التي نقوم بها حين نمسك الرواية للقراءة من جانب آخر. فتحت أيّ مظلّة تجري كل تلك الرحلات الثلاث الشائكة المتشابكة والمتعاكسة في الزمان (ماضي (راوي)، حاضر (روائي ومتلقي ناقدا وقارئا)، مستقبل (هاني/شخصية في الرواية)، وفي المكان (أوروبا/هاني/شخصية في الرواية) (البصرة/الراوي) (مكان التلقي ويحضر فيه دائما وأبدا وعبر عملية تفاعلية لاشعورية غير منظورة الروائي مع المتلقي وعليه لن يموت المؤلف على الإطلاق)، فأسأل: تحت أيّ مظلّة تجري كل تلك العمليات المعقّدة – ومعها عمليات لاشعورية إسقاطية وتقمّصية وغيرها مما سوف نتعرّض له بعد قليل)؟ إنّها تجري تحت مظلة الروائي/الكاتب/المُنشىء (المنشىء حسب الوصف الحداثوي الذي ابتدعه البنيويون والتفكيكيون تمهيدا لإعلان موت المؤلف) . المؤلّف في العملية الإبداعية – وهو هنا قصي الشيخ عسكر – هو الحيّ الذي لا يموت . وهذا ما سنحاول “إثباته” أو إعادته إلى الأذهان أيضا في سياق تحليل وقائع الرواية. والخطوة الأولى التي سوف نقطعها على هذا الشوط هي في القسم الأوّل: (المدرسة)، ويتعلق بـ “الوعد” الذي قاله الراوي لأخيه هاني في ختام الاستهلال بأنه سيعود إلى البصرة عام 1959 “ليقتنص اللحظات”.

اقتناص اللحظة الأولى: خطيئة اقحام الأطفال في السياسة
وأول لحظة (مشهد من الذاكرة) يقتنصه ويستدعيه من تلك المرحلة الغائرة هو المشهد الذي يقترب منه فيه الأستاذ محمد مدرس اللغة العربية في ثانوية المعقل ليخبره أن الرئيس المصري آنذاك “جمال عبد الناصر” سوف يلقي خطاباً في الساعة التاسعة مساءً، وأن عليه أن ينتبه دائما إلى اختلاف التوقيت: (بيننا والقاهرة ساعة من فرق الوقت) (ص 6).
كان الراوي أقرب الطلاب إلى نفس الأستاذ محمّد لحبّه درس اللغة العربية وعشقه الأدب والشعر. وكان يختاره أوّل طالبٍ يقرأ موضوع الإنشاء ويرشّحه للخطابة في استعراض المدرسة على الرغم من قِصَر الفترة التي أمضاها في ثانوية المعقل إذ وجد فيه هو الطالب الجديد القادم من بغداد القدرة على قراءة الشعر بصوت وإحساس يريده الأستاذ حماسةً وتمثيلاً وانفعالاً (ص 6).
ولكن حين نعلم أن الراوي كان في الصف الأول المتوسّط وعمره خمسة عشر عاما كما يقول (وهذا لا يتفق مع الشروط الرسمية لأعمار التلاميذ آنذاك كما سنرى) نستطيع القول بلا تردّد أن ما قام به الأستاذ محمّد يمثّل “خطيئة” أخلاقية ومهنية. فكيف يُقحم “تلميذاً” بهذا العمر في السياسة؟ وما علاقة تلميذ صغير – وليس ” طالباً ” كما يقول قصي – بسياسة جمهورية مصر العربية ورئيسها جمال عبد الناصر؟ وما هي مؤهلات هذا التلميذ الفكرية والسياسية كي يستمع لخطاب رئيس دولة بما سيحمله من تناول مؤكّد للاوضاع العربية والعالمية؟
هذه خطيئة كبرى – أخلاقية ومهنية – أوقعنا فيها مدرسّونا وأساتذتنا حين أقحمونا في أتون السياسة الملوّث الهائج ونحن صِبية ذوو نفوس مرهفة كان عليهم توجيهها نحو الفن والجمال حيث التسامح والحب والألفة الإنسانية.



الكلمات المفتاحية
البطل البريء الشيخ عسكر

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.