إدارة الصراع السياسي في دولة الخلافة : حكم “أبي بكر” ومعارضة “بنو هاشم” نموذجا

الخميس 06 أيار/مايو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بقلم .ذ : حـــــــاتم البـقـــــالي : باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
جامعة عبد المالك السعدي ــ طنجة ــالمغربمقــــــدمــــــــة :
أسفر اجتماع “السقيفة” الذي التئم خلسة لاختيار خليفة للرسول (ص) عن حكومة ومعارضتين، فالحكومة هي حكومة “أبي بكر” التي لعبر فيها “عمر بن الخطاب ” و”أبا عبيدة بن الجراح ” و”سعد بن بشير” الأنصاري دورا كبيرا في إخراجها إلى الوجود، أما المعارضتين فهي معارضة “سعد بن عبادة” زعيم الخزرج من جهة، و معارضة “علي ابن أبي طالب”” ممثل بنو هاشم” من جهة ثانية .
بالنسبة للمعارضة الأولى لم تكن تمتلك المقومات الرمزية والسياسية التي تمكنها من تقويض شرعية “أبي بكر”، و قد تم احتواءها بسرعة من خلال تجاهلها وتفادي الاصطدام بها، وإن كانت بعض الروايات الشيعية تزعم أن القضاء على هذه المعارضة تم من خلال اغتيال قائدها “سعد بن عبادة ” بعد رحيله من المدينة من أجل الاستقرار في الشام، وتوجه أصابع الاتهام في تدبير حادثة الاغتيال “لعمر بن الخطاب”، بسبب تخوفه من نهوض سعد لتأسيس مركز قوة سياسي مضاد “لحكم أبي بكر” بالمدينة، أما المصادر التاريخية “السنية “فجلها يعترف بحادثة اغتيال “سعد بن عبادة” لكنها تنسب ذلك للجن، يروي “ابن سعد” في “الطبقات” الكبرى : أن “سعد بن عبادة” بال قائما، فلما رجع قال لأصحابه : إني لأجد دبيبا، فمات فسمعوا الجن تقول :
قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ~ رميناه بسهمين فلم نخط فؤاده.
هذه الرواية الخرافية التي تقدمها كتب السنة تضفي المزيد من الشكوك والغموض حول جريمة قتل أحد أهم المنافسين على الخلافة.
المهم هنا أنه بعد وفاة “سعد بن عبادة ” أذعن “الأنصار” لحكم قريش ولم يصدر عنهم أي موقف معارض.
ــ أما معارضة “علي بن أبي طالب” وتخلفه عن البيعة فقد كان حدثا سياسيا مقلقا، خرم الإجماع السياسي للمسلمين، و زرع بذر الخلاف بين مجموعة من الصحابة من ذوي السابقة، وظلت السلطة قلقة بين يدي “أبي بكر” إمساكه رغم إسنادها له، “فعلي” لم يكن أيا كان، فهو ابن قبيلة “عبد مناف” التي ينتسب إليها النبي (ص)، حيث كانت منذ العصر الجاهلي وبفرعيها “الهاشمي” و”الأموي” صاحبة الزعامة والشرف، على سائر العشائر القرشية، و فضلا عن هذا الانتماء القبلي العريق، “فعلي ” رجل من رجالات الدعوة المحمدية المرصع بالبطولات و المفاخر في مسيرة بناء المشروع الإسلامي خاصة في مرحلته المدنية، وهو في نفس الوقت ابن عم النبي (ص) الشقيق وزوج ابنته “فاطمة”، وممثله أمام القبائل في الغالب، وحامل لواء المسلمين في الكثير من الغزوات، ورغم هذه المكانة الدينية والمنزلة القبلية التي لم تجتمع لأحد غيره، فقد تم التقرير في مسألة “الخلافة” دون أن يستشار “علي” ولا أي فرد آخر من بيت الرسول (ص) في مداولاتها التي تمت في “سقيفة بني ساعدة”. وذلك في تجاهل لمكانة الرجل ومنزلته في الإسلام و في مخالفة للأعراف ومعايير العصر وبيئته أنداك والذي كانت تعتبر فيه الوراثة والقرابة العائلية أحد معايير الزعامة، فكانت النتيجة رفض “علي ” الاعتراف بنتائج هذه البيعة، ولقي مساندة واسعة في هذا الموقف، سواء من قريش أو من خارجها.
ففي مقدمة العشائر “القرشية” التي تبنت موقف “علي” المعارض لبيعة “أبي بكر “، نجد “بنو عبد مناف بفرعيها الهاشمي والأموي، بالنسبة “بنو هاشم” عشيرة الرسول ص وقرابته، فقد تضامنوا جميعا مع “علي”، فكان “العباس” عم الرسول وبنوه، الفضل وعبد الله من الذين ساندوا عليا، كما نجد أيضا الصحابي المشهور بلقب حواري الرسول “الزبير بن العوام”، الذي كان يعتبر نفسه هاشميا من جهة والدته “صفية بنت عبد المطلب” عمة “علي” ، فقد انقطع الزبير مع “علي” في بيته، بل إن بعض المصادر تؤكد أنه استل سيفه عند بيت “فاطمة”، وهو يقول” لا أغمده حتى يبايع علي” فيأمر به عمر بن الخطاب” فوثب عليه “سلمة بن أسلم”، فأخذ السيف من يده، فضرب به الجدار.”
و نجد من الهاشميين أيضا “عتبة بن أبي لهب” الذي أنشد يقول :
ما كنت أحسب أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن
عن أول الناس إيمانا وسابقة وأعلم الناس بالقرآن والسنن
ومن “بني أمية” كان أبي “سفيان بن حرب” الذي لم يسلم إلا منهزما بعد فتح مكة من المعارضين للبيعة، ووصل به غضبه أن اقترح على “علي” تشكيل تحالف قبلي من أجل إجهاض بيعة “أبي بكر” لكن “علي” رفض هذا العرض.
و من خارج قبيلة قريش قبيلة “قريش” تحكي الروايات أن الأنصار كانت تفضل “علي” على سائر الصحابة، وترى أنه في حالة إسناد السلطة لشخصية من خارج دائرة الأنصار “فعلي” هو الأحق بها.
وهناك تيار آخر من خارج قبيلة “قريش” أعلن ولاءه “لعلي”، حيث أطلقت عليهم بعض الكتابات المعاصرة “بالطبقة الأولى للتشيع”، لأنهم مثلوا أول ظهور في التاريخ لأتباع “علي” الذين اعتقدوا بأفضليته وأحقيته بالخلافة نظرا لمكانته الدينية وقرابته من رسول الله (ص)، فيما تنعت بعض القراءات هذه الجماعة من الصحابة “باليسار” أو “اليسار الثوري ” لأنه كان التيار الذي يمثل المعدمين والموالي والفقراء وأغلبهم من بلاد أجنبية، فعرفوا الإسلام كثورة اجتماعية ودخلوه من هذه الباب، وكانوا البطانة الحقيقية للنبي ومن أقوى وأصلب جنود الإسلام، ومنهم “أبي ذر الغفاري” و “حذيفة بن اليمان” و”سلمان الفارسي” و”عمار بن ياسر”، المقداد بن عمرو…
ومن هنا فقد شكل استبعاد “علي” بثقله الرمزي ووزنه السياسي عن البيعة، ثغرة في التمثيلية السياسية لدولة الخلافة وثلمة في مشروعيتها السياسية . فما هي التدابير التي اتخذها “أبو بكر” لتجاوز هذه الأزمة السياسية ؟ وإلى أي حد نجح في إدارة صراعه مع المعارضة ؟ وكيف نجح في توطيد شرعيته السياسية في ظل وجود شرعية سياسية مضادة ؟
أولا ــ محاولات إكراه “بني هاشم” على البيعة:
لقد ظل الشعور بأزمة المشروعية يلازم “أبي بكر” وربما شكل له ضغطا سياسيا ونفسيا جراء رفض “بنو هاشم” الاعتراف بإمارته، حيث تحكي الروايات أن الأمر وصل “بأبي بكر” إلى حد طلبه من الصحابة إقالته من منصب الخلافة، لكن نخبة قريش التي بايعته بالسقيفة وعلى رأسهم “عمر” رفضت تنازله عن السلطة، بل و قررت المضي قدما نحو تحصين سلطتها وبناء الشرعية، من خلال اتخاذ مجموعة من التدابير والترتيبات السياسية، الرامية لتحصين شرعية الدولة، فحاولت في بداية الأمر إرغام “علي” ومعه “بنو هاشم” على البيعة بالقوة ، إذ تحكي مجموعة من المصادر التاريخية الشيعية والسنية أن “عمر” اقتحم رفقة مجموعة من الصحابة بيت “فاطمة” و”علي” لإحضار هذا الأخير وإلزامه بالبيعة تحت التهديد وفي رواية أنه هدد بإحراق بيت فاطمة
وروي أن ” أبي بكر” اعتبر بعد ذلك أن هذا الفعل، أي محاولة الإكراه على البيعة، كان منزلقا جرته إليه السياسة، وأعلن ندمه الشديد بقوله عند دنو أجله: “فليتني تركت بيت “علي”، وإن كان أعلن علي الحرب”.
من بين المصادر السنية التي تمدنا بمعطيات أكثر دقة عن الضغوطات التي تعرضت لها “بنو هاشم” في شخص “علي” من أجل إرغامها على البيعة، نجد ما نقل إلينا في “كتاب الإمامة والسياسة ” أنه بعد تأخر علي عن البيعة قام “عمر” ومعه قوم فأخرجوا “عليا” من بيته بالقوة، ومضوا به إلى “أبي بكر” فقالوا له: بايع، فقال : إن لم أفعل فمه ؟ قالوا : إذا والله الذي لا إلاه إلا هو نضرب عنقك ” وفي موضع آخر في نفس المصدر تتابع الرواية ” أن عليا كرم الله وجهه، أتي به إلى أبي بكر، فقال له عمر : إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي : أحلب حلبا لك شطره، وأشدد له اليوم أمره ويردده لك غدا” .يقصد بقوله : أن اتفاقا جرى بينكما فحواه أن تبايعه اليوم ليبايعك غدا .
وفي مسألة البيعة نجد تضارب الروايات التي نصادفها سواء عند السنة أو عند الشيعة، حيث يصعب أن نحكم على وجه الدقة، بعد هذه الضغوطات التي مارستها السلطة، هل بايع “علي” وانخرط في الإجماع، كما تزعم الرؤية السنية، حيث نجد في الرواية الأكثر شهرة ، أن “علي ” بايع “أبا بكر” بعد وفاة زوجته وبنت الرسول (ص) فاطمة، أم أنه بقي مصرا على موقفه كما تزعم جل المراجع الشيعية التي تطرقت للمسألة.
و بعيدا عن التجاذبات المذهبية، يبقى الرأي الأكثر موضوعية بالنسبة لنا في هذه الدراسة، هو الذي يمكن استنباطه من سياق الأحداث السياسية التي شهدتها الدولة في تلك الفترة، والتي يستشف منها أن “علي” اعترف في النهاية بالسلطة القائمة مضطرا، لكن ليس بسبب وفاة “فاطمة” كما نجد في رواية “البخاري”، وإنما بسبب “حروب الردة” ــ وهذا ما سنراه لاحقا ــ. لأن الروايات المتواترة تثبت أن “علي ” بقي مؤمنا بمشروعية حقه في الخلافة وإن كان قد بايع عن مضض بسبب ظروف الحرب، حيث نجده في جميع مراحل حياته يشتكي من اعتداء الخلفاء على حقه المشروع في السلطة، وهذا ثابت في المراجع السنية كما في مراجع الشيعة . و مما أورده الطبري في هذا الشأن، أن “علي” قال” لعبد الرحمان بن عوف” حين اختار عثمان للخلافة بعد عملية الشورى التي قام بها في المدينة : حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون…).
وما يزكي هذا الطرح، أن المصادر التاريخية التي تطرقت لفترة حكم “أبي بكر” تتجاهل ذكر “علي” وكأنه غير موجود البتة، حيث على عكس الفترة النبوية التي كانت تزخر بمفاخره وبطولاته، لم يسجل التاريخ “لعلي” أي دور في الفتوحات والحروب على عهد” أبي بكر”. ويستمر غيابه عن الأحداث، حتى حينما يستشير الخليفة الأول وهو في نزعه الأخير أهل السابقة من الصحابة في شأن اختيار “عمر” للخلافة، حيث لم يستدعى “علي” لهذه المشاورات ولا أي فرد من “بني هاشم”، ما يفيد أن التوتر كان لا زال يحكم علاقتهما وأن علي ظل مقاطعا لحكم “أبي بكر” رغم مبايعته اضطرارا .وعلق “عابد الجابري” على واقعة إقصاء علي من مشاورات نقل السلطة، بأن “علي” ” بلغتنا المعاصرة كان يؤدي ثمن موقفه من بيعة أبي بكر”.
ب ـ استقطاب “بني أمية”:
في إطار المحاولات الرامية لتوطيد سلطة “أبي بكر” وتعزيز شرعيته، التي كانت محل جدال بسبب معارضة ال البيت، خاصة بعد تمسك “علي” بموقفه السلبي تجاه مؤسسة الخلافة رغم الضغوط التي مورست عليه، سيفكر “أبو بكر” في اللجوء إلى أسلوب الاحتواء والاستقطاب السياسي من أجل كسب ولاء “بني هاشم”، ولكن هذه المرة من خلال محاولة استقطاب “هاشمي” آخر هو “العباس بن عبد المطلب” عم الرسول (ص) وعم “علي”، حيث سيقدم “أبو بكر” عرضا سياسيا لإنهاء الخلاف، لكنه اصطدم بصلابة موقف “العباس” وتضامنه المطلق مع “علي”، معتبرا القبول بعرض “أبي بكر” تنازلا عن الحق الشرعي “لبني هاشم” في وراثة النبي (ص)، جاء في النص الذي نقله اليعقوبي في تاريخه أنه بعد تخلف علي ومعه مجموعة من الصحابة عن البيعة، أرسل “أبي بكر” إلى “عمر بن الخطاب” وأبا “عبيدة بن الجراح” و”المغيرة بن شعبة”، قال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية على علي بن أبي طالب…. فانطلقوا حتى دخلوا على “العباس” ليلا، فحمد “أبو بكر” الله وأثنى عليه: … إلى أن قال : فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإما صرفتموهم عما مالو إليه، ولقد جئناك ونحن نريد لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك…فحمد العباس الله وأثنى عليه وقال : …. فأما ما قلت إنك تجعله لي، فإن حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعض دون بعض. وعلى رسلك فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها، فخرجوا من عنده”
وبعد فشل محاولة في استرضاء ” العباس” التي كان يراد منها خلق انقسام سياسي داخل “بني هاشم”، سيتجه “أبي بكر” إلى التحالف مع الفرع الآخر لقبيلة “عبد مناف”، وهي “بني أمية” رغم ما عرف عنها من ماضيها العدائي للدعوة المحمدية، إلا أن منطق السياسة كان يستوجب استقطاب هذه القبيلة ذات العصبية القوية والمنافسة “لبني هاشم”، من أجل ضرب عصفورين بحجر واحد، فمن جهة سيتمكن “أبي بكر” من تعزيز التمثيلية السياسية للدولة بتوسيع دائرة تحالفاته القبلية. ومن جهة أخرى سيعمق من عزلة “علي بن أبي طالب” السياسية، بحرمانه من امتداده القبلي الاستراتيجي في “عبد مناف”، فأبي بكر ينتمي لعشيرة صغيرة وتعيينه في منصب الخلافة كان مفاجئة حتى لأقرب الناس إليه، ولهذا لم يكن بمستطاعه ضمان استقرار السلطة بالاعتماد على عصبية “بنو تيم ” التي كانت تعتبر من أضعف الفروع العصبية لقريش، فوزنه القبلي لم يكن يخول له الرياسة على العرب رغم انتماءه القرشي، لأن عصبية قريش لم تكن في” تيم، يقول “ابن خلدون” ” عصبية مضر كانت في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف، وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية)
ومن هنا كان لا بد بعد انشقاق “بني هاشم” ورفضها البيعة أن يتحالف “أبو بكر” مع الفرع الآخر لعبد مناف وهو ” بنو أمية” الذي يمثل عصبية قريش، فشرع الخليفة “أبي بكر” منذ ذلك الحين في إسناد أغلب المناصب القيادية في الجيش والإدارة لرجالات “بني أمية” وحلفاءهم من “بني مخزوم”، فالقواد الذين قمعوا حركات الردة وادعاء النبوة، كانوا من “بني مخزوم” و”بني أمية” أساسا، و نفس الشيء بخصوص القواد الذين قاموا بعمليات الفتح الكبرى في العراق والشام، فقد كانوا كلهم من الحلف “الأموي المخزومي” وأبرزهم “خالد بن الوليد “بالعراق و”يزيد بن أبي سفيان” على جيش “الشام” وأخوه “معاوية”، و”خالد بن سعيد بن العاص” و”عكرمة بن أبي جهل” و”عمرو بن العاص” و”الوليد بن عقبة”، . لقد احتكرت “بني أمية” مراكز النفوذ والسلطة في “عهد أبي بكر” وعادت هذه القبيلة بعد انتصاراتها في حروب الردة وفتوحاتها في الشام والعراق إلى مركزها الذي كانت عليه قبل الإسلام، حيث تحولت دولة الخلافة إلى سلطة سياسية قرشية وقيادة إدارية وعسكرية أموية.
وبقي أن نذكر هنا أن “علي” سبق له أن رفض التحالف مع “بني أمية” حين عرض عليه “أبو سفيان” الانقلاب على بيعة السقيفة وهو ما سبقت الإشارة إليه آنفا.
ج ـ توظيف الحرب كمدخل لتجاوز أزمة شرعية :
بالموازاة مع الخلاف السياسي الذي ظهر بمركز الحكم، بمجرد شيوع خبر وفاة النبي ص، أعلنت العديد من القبائل العربية عن طموحات سياسية متباينة للانفصال عن السلطة الإسلامية الجديدة التي يمثلها “أبي بكر”، وقامت ثورة شاملة في جميع أنحاء أرض الحجاز، اشتهرت باسم حركة الردة رافضة استيلاء قبيلة قريش على مقاليد السلطة، ووراثتهم لنفوذ الرسول وسلطته، ويظهر ذلك بوضوح في قول أحد شعراءهم :
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا … فواعجبا ما بال ملك أبي بكر
أيورثها بكرا إذا مات بعده … فتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فتراوحت تحركات المناطق المتمردة، بين قبائل خططت لتأسيس كيانات سياسية ودينية إقليمية جديدة تقليدا للدعوة المحمدية وتأثرا بها، ونقصد هنا حركات “مدعي النبوة” “كالأسود العنسي” باليمن ، و”مسيلمة الحنفي باليمامة”) وبين قبائل تهدف لمجرد إنهاء وضع التبعية “لقريش” واسترجاع سيادتها على نفسها بالانفصال عن هيمنة قريش، فامتنعت عن تأدية الزكاة التي كانت لا ترمز بالنسبة إليها إلى سيادة الإسلام، ولكن إلى السيادة القبلية لقريش، ولهذا فقد استمرت هذه القبائل في إقامة الصلوات ولكنها توقفت عن أداء الزكاة وقامت بطرد عمال الصدقات وسلبهم، لكونهم يرمزون لسيادة قريش ورياسة “أبي بكر”، فهذه القبائل رأت أنها التزمت بطاعة محمد بصفته نبي وليس لأنه حاكما أو ملكا، ولهذا اعتبرت أن انتخاب “أبي بكر” خليفة للنبي يخص المدينة وحدها ولا يلزمها في شيء، فانشقاق القبائل العربية عن سلطة الخلافة لم يكن ردة دينية وإنما كان ردة سياسية، ولذلك تردد بعض الصحابة في شن حملة عسكرية ضد هذه القبائل، إلا أن “أبي بكر” أصر على الحرب “لأنه كان يعرف أن التنازل عن الزكاة معناه إلغاء علاقة السيادة وبعبارة أخرى التنازل عن جزء من الوطن”، وإضعافا لشرعيته التي كانت لازالت تعرف معارضة داخلية، فانطلقت خلال الفترة الممتدة ما بين سنتي 11ه و12ه “حربا لا هوادة فيها على كل شبه الجزيرة العربية، في وقت لم يستمر فيه الإسلام حيا إلا في مدن الحجاز ، في المدينة ومكة والطائف فضلا عن بدو محيطات المدينة (جهينة، مزينة، غفار)”.
في هذه الظروف المتسمة بالتوترات والقلائل التي صارت تهدد الكيان الإسلامي الفتي بالانهيار، خفت صوت المعارضة الداخلية، وتعبأ الصحابة والمسلمون وراء “أبي بكر” لخوض حرب البقاء. فبايع “علي” الخليفة “أبي بكر”، إما إيمانا منه بضرورة تقديم المصلحة العامة على مصلحته الذاتية وإما خوفا على نفسه وأتباعه من تهمة الخيانة و التآمر مع المرتدين ، فهادن السلطة الحاكمة ودخل في الجماعة، ولم يصدر عنه ما يقوض شرعيتها ويضعف جهودها الحربية المبذولة من أجل إعادة توحيد العرب تحت راية الإسلام، لكنه في نفس الوقت أصر على البقاء بعيدا عن دائرة حكم “أبي بكر”.
يعبر “علي” عن هذا الموقف السياسي في الرواية الواردة في “شرح نهج البلاغة ” على لسانه (…حتى إذا رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق الدين وملة محمد، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلمة وهدما يكون المصاب بهما علي أعظم من فوات ولاية أموركم، … فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون” “فعلي” هنا إن ثبتت صحة هذه الرواية يصرح أنه أعلن قبوله بشرعية الدولة ليس عن اقتناع بشرعية “أبي بكر”، ولكن فقط لما كانت تحتمه تلك الظروف العصيبة التي كانت تمر بها دولة المدينة بعد ثورة أغلب القبائل العربية خلافة قريش .
و بعد تمكن “أبي بكر” من إخماد حركة الردة وسحق المتمردين، معتمدا على أبناء قريش في قيادة الجيوش، يكون قد نجح في إعادة تأسيس دولة إسلامية تحتل فيها قريش مكانة مركزية كعصبية جديرة بالحكم وقادرة على حماية العقيدة، معززا في نفس الوقت شرعيته السياسية والدينية، حيث صار ينظر إلى انتصاراته برهانا على أحقيته في الخلافة، كما ظهر في هذه الحرب كخليفة حقيقي للرسول يضطلع بالدور الذي كان يطلع به الرسول ص في حماية الدين ونشره.
خلاصة :
رغم نجاح “أبي بكر” في القضاء على المعارضة السياسية بالداخل والثورة السياسية بالخارج وتوطيد السلطة، فإنه فشل في تأسيس “نظام حكم” يحظى بالتوافق بين الفاعلين، ويستوعب النظام القبلي القائم بتناقضاته وعصبياته المتنافرة، ومكن لهيمنة قريش على مفاصل دولة الخلافة حين عين أبناء هذه القبيلة في مراكز القرار الإداري والعسكري والسياسي، وهمش الأنصار رغم مكانتهم في الإسلام التي ذكرها القرآن الكريم، ولم تعترف قبائل العرب به حاكما إلا بكلفة باهظة من الدماء والأحقاد، ولهذا فقد أقيمت دولة الخلافة منذ نشأتها على أسس متوترة باستمرار.
أما معارضة “علي ابن أبي طالب”، فقد كانت حدثا فارقا في تاريخ الأمة، خلقت جدلا و انقساما سياسيا حادا حول مسألة شرعية دولة الخلافة، لا زالت امتداداته حاضرة في الوعي الفكري والسياسي والديني للمسلمين في عصرنا الحاضر. حيث ظلت هذه المعارضة السياسية كامنة في جوف الأحداث منذ حادثة السقيفة، لتنفجر في عهد “عثمان بن عفان”، وتتحول منذ ذلك الفترة إلى تيار سياسي مرتبط بعلي وال البيت، فانقسمت الأمة الإسلامية بسبب الصراع على السلطة بين فرعي قبيلة “عبد مناف”: الفرع الهاشمي بقيادة “علي” والأموي بقيادة “معاوية”، ولم يتوقف هذا الصراع بمقتل “علي” ولا بموت “معاوية”، بل ستزداد مشكلة الصراع على الحكم استفحالا في نظام الخلافة مع انتشار الإسلام واتساع رقعته الجغرافية، حيث صارت دولة الإسلام تضم أجناس وعدة عصبيات فتحول المجتمع إلى مجتمع كثرة وتنوع عرقي وقبلي، فيما بقيت مؤسسة الخلافة عبارة عن بناء فوقي غير منسجم تمام الانسجام مع الواقع المتعدد جغرافيا وعرقيا وثقافيا، ولهذا ظلت الخلافة منذ عهودها الأولى تهددها الثورات المتلاحقة باستمرار ( ثورة العرب المرتدة في عهد أبي بكر، و الأمصار في عهد عثمان و بعد ذلك ثورات الشيعة، الخوارج، العلويين، البربر..) لأن نظام الخلافة الذي وضع أساسه في اجتماع “السقيفة” وكرسه الخلفاء الراشدون تم تفصيل هياكله على أساس مجتمع قبلي ضيق (قريش في عهد الخليفتين الأولين وبني أمية في عهد عثمان) فاستمر هذا النظام على هذا النمط من الحكم معبرا عن العصبية القبلية المتغلبة مفروضا على واقع اوسع منه، فكانت النتيجة أزمة الدولة وعدم الاستقرار في الحكم، فالتاريخ السياسي للمسلمين هو تاريخ صراع بين العصبيات( عصبيات العجم، العرب، الفرس، الترك، البربر…) ولحد الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين عجزت النخب والشعوب العربية في التوافق على “نظام حكم” قابل لاستيعاب وإدارة التنوع الثقافي والسياسي والعرقي والإيديولوجي للمجتمع .

 



الانتقال السريع

النشرة البريدية