إثيوبيا والنظام الفيدرالي: التوازن الصعب بين التعدد الإثني والوحدة القومية

الأربعاء 06 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

إعداد/عبد القادر محمد آدم
لا يخفى أن الثابت الأساس فيما يحدث في إثيوبيا يرجع إلى طبيعة النظام الفيدرالي وطريقة تدبيره من طرف الأنظمة المتعاقبة، فالمقاربة القائمة على “أمهرة” العرقيات الإثيوبية، ومنعها حقها السياسي والاقتصادي والديني والثقافي، كانت سببًا وراء حمل السلاح ضد أنظمة الحكم المتوالية في إثيوبيا.
يُنظَر للفيدرالية على أنها نظام جذاب وفعال معياريا لإدارة القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية المعقدة على المستويات الوطنية والإقليمية، وذلك بتقديمها مقاربة جديدة للمؤسسات الحكومية المترابطة وذات السيادة. ألهم نجاح هذه المقاربة في الولايات المتحدة الأميركية دولًا عدَّة، بما في ذلك المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي، لاتباع مسار مماثل لدمج المبادئ والممارسات الفيدرالية. وعلى الرغم من ذلك، يُلاحَظ أن معظم دول إفريقيا أقل اهتمامًا، أو لديها نفور عام من الفيدرالية، حتى قيل: إن كلمة “الفيدرالية” تعني “اللعنة” في القاموس الإفريقي السياسي. فمن أصل 54 دولة إفريقية، سبع منها فقط نظامها فيدرالي، وهذا الرقم تتجلى فيه نظرة القارة السمراء إلى الفيدرالية(1).

يرجع هذا الانطباع للمرحلة ما بعد الاستعمارية؛ حيث كافحت الدول الإفريقية المستقلة من أجل تأسيس دول قومية قابلة للاستمرار، واستلزمت الحداثة في نظر القادة والنخب الإفريقية في حقبة ما بعد الاستعمار، تحويل الأعراق المتباينة والمختلفة إلى دول قومية موحدة ذات لغة ومواطنة مشتركة، ورُوِّج ارتباط الإثنية بالتخلف، اقتداءً بالنموذج الفرنسي لبناء الدولة، فكانت الفكرة إخراج الإثنية من الخطاب السياسي العام(2).

في هذا السياق، تُعتبر إثيوبيا من الدول التي طبَّقت هذه الفكرة حرفيًّا؛ حيث إن إثيوبيا لم تحرم عرقياتها المتعددة من حقها الثقافي والاجتماعي والسياسي فحسب، بل أيضًا جعلت التماهي مع الأمهرية (سواء أكان ذلك في اللغة أو في الثقافة أو في السياسة) السبيل الوحيدة لتقلُّد المناصب العامة. ولكن في أعقاب الإطاحة العنيفة بحكومة منغيستو هيلاماريام، في عام 1991، حدث تحول في الهيكلية السياسية الإثيوبية، واشتمل هذا التحول على مقاربة جديدة باستخدام الإثنية مبدأ تنظيميًّا أساسيًّا للدولة في هيكلياتها السياسية والفيدرالية، وهو أمر غير مسبوق في إفريقيا، بل يُعتبر راديكاليًّا من حيث تثبيت مبدأ تقرير المصير للوحدات الإقليمية الفيدرالية في الدستور الجديد(3).

انطلاقًا من هذه النقطة، تطرح الورقة السؤال الآتي: ما العوامل التي أدت إلى ظهور الفيدرالية في إثيوبيا؟ للإجابة هذا السؤال تعتمد المقالة على الأوراق الأكاديمية وأطروحات الماجستير والدكتوراه المنشورة حول هذا الموضوع، وكذلك أيضًا على المواقع الإخبارية التي تهتم بالشأن الإثيوبي. وتنقسم الورقة إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يراجع النظريات التي تحاول تفسير أصول الفيدرالية، ويليها قسم يبحث في الهيمنة المركزية التي حاولت الأمهرية على أساسها تهميش القوميات الأخرى في إثيوبيا، ثم تنظر الورقة في الأيديولوجية الستالينية اللينينية وتأثيرها على الحركات التمردية، وتختتم ببحث دوافع حركة التيغراي المسؤولة عن دفع النظام الفيدرالي في إثيوبيا إلى الأمام، وما يعني ذلك من محاولة فهم الحرب الراهنة بين هذه الحركة وبين الحكومة في المركزية في أديس أبابا.

مراجعة الأدبيات: المركز والمحيط والصراع المستمر

تختلف الأدبيات التي تناقش أصول الفيدرالية ليس فقط في الأسئلة التي تطرحها، والمنهجية المتبعة لإجابتها، ولكن أيضًا في بحث الاهتمامات والأهداف. مثلًا، كانت الصحف الفيدرالية الأميركية أكثر اهتمامًا بالضرورة العسكرية وضمان الأمن والحرية الفردية، والشكل الديمقراطي للحكومة(4). بينما نظرية وليام فيكر تدور حول السيطرة والتوسع كدافع أصلي للنظام الفيدرالي؛ حيث يرى أن المركز دائمًا يفضِّل السيطرة المباشرة على الأقاليم المحيطة، وبالتالي عندما يكون المركز قويًّا عسكريًّا ينتج عن ذلك نظام مركزي، وكذلك العكس، يضطر المركز الضعيف عسكريًّا إلى تقديم تنازلات للأقاليم، وبالتالي يظهر تدريجيًّا النظام الفيدرالي. في سياق آخر، نموذج البنية التحتية الفيدرالية لدانيال زابلات، والذي لا يركِّز على القوة العسكرية كأصل لظهور الفيدرالية، ولكن يهتم بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع داخل الدولة المرجح أن تصبح فيدرالية، ويهتم أيضًا بالعلاقة العمودية داخل الوحدات الفرعية كأساس وراء الفيدرالية. رغم أن هذه النظرية تتفق مع النظريات الأخرى بالدوافع وراء رغبة الدول في النظام الفيدرالي، ولكن تتميز عنها بافتراضها أن الدول يمكن أن تتشكَّل عبر مزيج من الإكراه والتعويض والتنازلات، وأيضًا بدرجة أهمية البنى التحتية للوحدات عند تشكيل نظام الفيدرالي(5).

أما النظرية الثالثة لأصول الفيدرالية، وهي تنطلق من الهوية والجغرافيا؛ حيث يري كل من مالكوم فيلي وإدوار روبن أن ظهور الفيدرالية جاء نتيجة لتسوية المآسي والمصائب، والفيدرالية في نظرتهم هي حل للنزاعات بين المواطنين وتأتى من إحساسهم الجغرافي القائم على الهوية السياسة(6).

المركزية والتنوع العرقي

منذ بداية القرن الماضي، كان هناك ثلاث محاولات لما يمكن تسميته: “أمهرة” العرقيات الإثيوبية؛ أي إعطاء المجتمع بمختلف عرقياته صبغة عرقية واحدة هي الأمهرا وهيمنتها على الجميع. بدأت المحاولة الأولى مع صعود الإمبراطور منيليك (توفي 1913) إلى الحكم(7)؛ حيث اجتاحت قواته العسكرية جنوب إثيوبيا الحالي، وبحلول عام 1900، نجح الإمبراطور في السيطرة وضمَّ أراضي شاسعة لسلطته(8). ثم جاء الإمبراطور هيلاسيلاسي (توفي 1975)، الذي رغم الجهد الذي بذله في تطوير إثيوبيا(9)، لم يقدم شيئًا للشعوب التي أُجبرت على أن تكون جزءًا من نظام الأمهرا الإثيوبي، ففي فترة حكمه بقي البلد يعاني من عدم المساواة العرقية والثقافية والاستغلال الاقتصادي.

مرَّ نمط السيطرة في جنوب إثيوبيا الحالي بطريقتين: أولًا: أولئك الحكام الجنوبيون الذين استسلموا سلميًّا للإمبراطور منيليك مثل حكام جيما وليجا وبيلا شاغول وأشوسا، وسُمح لهم بحكم أراضيهم مقابل دفع مبلغ إتاوات ثابتة. أما بقية الأراضي فقد سقطت في يد قادة جيش منيليك ونبلائه. بالإضافة إلى ذلك، تم إدخال نظام جديد لحيازة الأراضي كان بمنزلة أداة رئيسية لاستخراج الموارد في الجنوب. وبناءً عليه، منحت الحكومة الإمبراطورية الأراضي لجنودها، وكهنة الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، وبالتالي فقد الكثير من السكان أراضيهم. بالإضافة إلى الاستغلال الاقتصادي، كانت هناك أيضًا سيطرة لغوية وثقافية طاغية؛ حيث حظرت الحكومة الإمبراطورية النشر بجميع اللغات غير الأمهرية. وبحلول عام 1941، كانت اللغة الأمهرية اللغة الرسمية الوحيدة للتعليم في المدارس الابتدائية، فضلًا عن وظيفتها التقليدية كلغة للحكومة. وكذلك، أعلنت الكنيسةُ الإثيوبيةُ المسيحيةَ الأرثوذكسيةَ دينًا رسميًّا للدولة، في حين كان للدين الإسلامي أتباع كثر في البلاد، ولم تعترف به الدولة رغم ذلك.

لهذا كله، أثارت سياسة الإقصاء في الثقافة الأمهرية السائدة بعض الجماعات العرقية لبدء حركات تمرد في مناطق مختلفة من إثيوبيا، وواجه النظام تحديات متنوعة تتراوح بين تمردات الفلاحين في تيغراي، وبيل، وغوجام، ووصل الأمر إلى الحرب الانفصالية في إريتريا التي كان هيلاسيلاسي قد ضمَّها لإثيوبيا، وتُوِّجت تلك الأزمات بالمعارضة المسلحة التي نظَّمها طلاب الجامعات(10).

في عام 1974، هزَّت الاضطرابات الثورية النظام الإمبراطوري، الذي فشلت هياكله في التعامل مع مطالب التغيير المتزايدة القادمة من مختلف أنحاء البلاد، وتمت الإطاحة به عبر ثورة شعبية في سبتمبر/أيلول 1974. وبعد أن صعد إلى سلطة الدولة نظام عسكري فإنه قام باتخاذ عدة إجراءات جذرية دمَّرت الأساس المادي والأيديولوجي للنظام الإمبراطوري؛ حيث كان القرار الأهم في هذا الصدد هو تأميم الأراضي في عام 1975 والذي أنهى نظام الإيجار تلقائيًّا. وفي عام 1976، أصدر النظام العسكري رسميًّا البرنامج الوطني للثورة الديمقراطية، المعروف باسم “الاشتراكية العلمية” على أساس أنها المبدأ التوجيهي الرئيسي للثورة، وأعلن المساواة بين المجموعات العرقية في البلاد والإدارة الذاتية للقوميات. ومع ذلك، لم يُترجِم العسكر مجمل هذه التعهدات إلى واقع ملموس(11).

وقد أدى هذا القصور في التنفيذ إلى زيادة حدة الحركات التمردية وتكثيفها الهجوم على النظام العسكري. ومن جانبه، شنَّ النظام حملة عسكرية ضد الجماعات العرقية المسلحة مما أدى إلى استنزاف قدراته، ومن ثم، مرة أخرى فشلت الهندسة الاجتماعية العرقية الثانية بالحفاظ على دولة موحدة، ومعالجة “المسألة القومية” في إطار الماركسية اللينينية (استمر النظام اليساري بإثيوبيا من 1974 إلى 1991). وبالتالي، أصبحت القومية العرقية عاملًا رئيسيًّا في زوال النظام العسكري المركزي.

أما الهندسة الاجتماعية العرقية الثالثة فقد بدأت مع سقوط النظام اليساري، سنة 1991، حتى الآن، وتمثلت هذه الهندسة في محاولة حكومة جبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية (التي هي أصلًا تحالف بين جبهة التيغراي والأمهرية والأرومة والشعوب الجنوبية) في الحفاظ على الدولة الإثيوبية على أساس الفيدرالية العرقية والاستقلال الإداري للأقاليم، وهذا بعد أن أدركت الحركات التمردية استحالة انفصال أقاليمها عن الدولة المركزية، وأن تفكيك إثيوبيا ليس خيارًا قابلًا للتطبيق. وقد تلت ذلك عملية تفاوضية برعاية الولايات المتحدة الأميركية(12)، وذلك لصياغة دستور توافقي جديد، يمكن للحركات المتمردة التعايش معه، ومع ذلك، أصرَّ الجميع على جعل بند الانفصال جزءًا من الميثاق، حتى لو كان ذلك فقط لتبرير التضحيات التي قدموها خلال سنوات طويلة من النضال. من المرجح أن حركة عرقية واحدة على الأقل، وربما أكثر، لم تكن لتلتحق بالترتيب الفيدرالي لو لم يتم الاعتراف دستوريًّا بالفيدرالية العرقية في إثيوبيا(13).

هل ظلت الشيوعية حاضرة في هندسة التعددية العرقية بإثيوبيا؟

أثَّرت النظرة الستالينية للقوميات بشكل كبير في مواقف الحركات التمردية التي انبثقت عن حركة الطلاب الإثيوبيين. ولم يقتصر الجهد على نسخ العديد من المفاهيم من الثورة الروسية لمناقشة مشاكل العلاقات العرقية في إثيوبيا فحسب، بل اعتبرت إثيوبيا شبيهة بروسيا القيصرية، وسعت الحركات ذاتها إلى حلِّ المشكلة العرقية الإثيوبية من خلال المبادئ الستالينية التي تدعو إلى إعطاء العرقيات حقها السياسي والاجتماعي. إن معظم الحركات اليسارية السياسية التي ظهرت بعد ثورة 1974 في إثيوبيا قبلت الأيديولوجية اللينينية المركزية ونظرية ستالين في القومية. ومع ذلك، ظلت الخلافات حول عدد من القضايا مثل مدى حق ممارسة الجماعات العرقية لتقرير المصير، وبالتالي، أعطت الحركات الثورية متعددة الأعراق الأولوية لـ”التفاوت الطبقي” في خطاباتها السياسية وتنظيمها، بينما ركزت الحركات الإثنية القومية مثل التيغراي وأورومو على “التناقض القومي”، وسعوا إلى حشد جماهيرهم العرقية المفترضة، وتبنَّوا أيضًا حق تقرير المصير العرقي كهدف من أهدافهم(14).

بعد هزيمة النظام العسكري، 1991، واتفاق الحركات المتمردة على تشكيل الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، تولت الجبهة إدارة مشروع إعادة هيكلة البلاد ضمن نظام فيدرالي عرقي في عام 1991. وفي هذه الفترة، ظهر تأثير الأيديولوجية اللينينية بشكل أكبر من خلال: أولًا: تبنت إثيوبيا الممارسة السوفيتية المتمثلة في التصنيف الهرمي للمجموعات العرقية إلى أمم ومجموعات قومية وشعوب. والأكثر إثارة للاهتمام هو أن الدستور الإثيوبي لعام 1994 تبنى تعريف جوزيف ستالين لـ”الأمة”. ويكون هذا أكثر وضوحًا عندما ينظر المرء إلى التنظيم الإقليمي للاتحاد. اتبعت إثيوبيا نهجًا متعدد المستويات للحكم الذاتي الإقليمي، وكان من الواضح أن المجموعات العرقية الأكبر مثل الأورومو والأمهرا والصوماليين والتيغراي، حصلت على أقاليمها الخاصة التي تشكِّل فيها الأغلبية وتمت تسميتها تيمنًا بهم. في المقابل، تم تجميع العشرات من المجموعات العرقية الأصغر لإنشاء مناطق “متعددة الأعراق” مثل إقليم الشعوب الجنوبية وغمبيلي وغيره، وحتى في مثل هذه المناطق متعددة الأعراق، تم منح العديد من المجموعات العرقية هياكلها الإدارية شبه الإقليمية الخاصة بها. ومع كل هذا، بقيت بعض المفارقات التي لا يزال من الصعب تفسيرها، على سبيل المثال، هراري التي لا يتجاوز عدد سكانها الإجمالي عشرة آلاف نسمة، وتشكل حوالي 7% من إجمالي سكان مدينة هرار التاريخية، سُمح لها بولايتها الإقليمية، في حين تم منح سيداما التي يزيد عدد سكانها عن مليونين ونصف المليون نسمة وضع المنطقة الجنوبية(15). ثانيًا: تسمح إثيوبيا بحق تقرير المصير في دستورها نظريًّا كما كان دستور الاتحاد السوفيتي يسمح، ولكن بالممارسة العملية لم يُسمح أبدًا باستقلالية تتجاوز الثقافة واللغة. ثالثًا: كان هناك تشابه قوي بين فيدرالية الاتحاد السوفيتي وإثيوبيا من حيث مركزية السلطة في يد حزب سياسي مؤثر مثل الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي؛ حيث كادت تستنسخ التجربة الإثيوبية من تجربة الاتحاد السوفييتي. قد يبرر هذا توصيف الفيدرالية الإثيوبية بأنها “ديمقراطية ثورية في المحتوى”. رابعًا: جلبت الفيدرالية الإثيوبية مثل الاتحاد السوفيتي أدوارًا جديدة للدولة فيما يتعلق بتدوين وتنظيم العرق الإقليمي، على سبيل المثال، حيث أدت الفيدرالية في إثيوبيا إلى إضفاء الطابع العرقي على الأراضي، وقد أسهم هذا جزئيًّا في تحول وتوليد الصراعات في إثيوبيا ما بعد الفيدرالية(16).

جبهة التيغراي: من أزمة الهوية إلى الحرب الداخلية

يقود هذا الحديث إلى النظر بدوافع قادة الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية التي تتحكم بالسلطة منذ الإطاحة بالنظام العسكري، في عام 1991، والمسؤولة عن تصميم وتنفيذ الفيدرالية في إثيوبيا. أسست جبهة التحرير التيغرية هذه الجبهة باعتبارها الأكثر تأثيرًا، وذلك لدورها بالهزيمة التي أُلحقت بالنظام العسكري. والفكرة التي قامت عليها جبهة التحرير التيغرية هي أن الدولة الإثيوبية الحديثة قامت على الهيمنة وفرض اللغة والدين والثقافة للنخبة الأمهرية الحاكمة؛ مما أدى إلى معاناة الجماعات العرقية المختلفة من التعصب العرقي والكراهية والدونية القومية، ولذلك، وبحسب جبهة التحرير التيغرية، يجب فصل إثيوبيا عن بعضها البعض وإعادة تجميعها مرة أخرى على أساس احترام هويات واستقلالية كل مجموعة(17).

يعود نجاح جبهة التحرير التيغرية في قتالها ضد النظام العسكري إلى حشد مؤيديها وراء أيديولوجية القومية التيغرية، فكانت أكثر تجانسًا، ومعظم سكانها يتشاركون لغة واحدة ودينًا واحدًا. وكان من المتوقع، إقناع النخبة السياسية التيغرية للحركات الأخرى بأن الاستقرار المستقبلي والسلامة الإقليمية للبلد يعتمدان على منح هذه الأعراق الحكم الذاتي الإقليمي، علاوة على ذلك أن القيادة التيغرية لم تكن أقل تشبعًا من سابقاتها بأيديولوجية السيطرة المركزية، التي كانت المفهوم السائد للحكم في إثيوبيا منذ النصف الأخير من القرن الحادي عشر. وأخيرًا، يبدو أن أثر المذهب الماركسي اللينيني، وما يشتمل عليه من حق تقرير المصير القومي، بما في ذلك حق الانفصال، والذي كان جزءًا من حقائبهم السياسية منذ أيامهم كناشطين طلابيين في حركة الطلاب الإثيوبيين في الستينات والسبعينات، واضح في الجو السياسي العام في إثيوبيا آنذاك(18).

بعد 27 عامًا من سيطرة الائتلاف الحاكم ومع الاستقرار السياسي والأمن النسبيين اللذين عاشتهما إثيوبيا مقارنة بجيرانها مثل الصومال والسودان، إلا أنه لا يزال هناك أصوات تطالب بالتغيير، خاصة القومية الأورومية التي تنظر إلى تلك الفترة على أنها حقبة مظلمة تميزت بهيمنة زمرة من التيغراي على السياسة والجيش والاقتصاد وجيَّروا ذلك لمصلحتهم الخاصة؛ مما حرم الأجيال الصاعدة من الشباب من المشاركة السياسة(19).

كما نمت الانقسامات والصراعات العرقية في هذه الفترة، فضلًا عن خروج شباب الأورومو إلى الشوارع للاحتجاج على خطط الحكومة الفيدرالية لتوسيع العاصمة، أديس أبابا، وضمِّ أجزاء من إقليم أوروميا إليها، وما صاحب ذلك من اندلاع العنف العرقي في أجزاء أخرى من إثيوبيا، وكادت إثيوبيا تتجه بشكل أسرع إلى فوضى خارجة عن السيطرة.

على هذه الخلفية، وفي سابقة في تاريخ إثيوبيا، استقال هيلاماريام في 4 يناير/كانون الثاني 2018 من منصب رئيس وزراء إثيوبيا ورئيس الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي. وحصل تغيير سلمي للقيادة وانتقال للسلطة وسط اضطرابات مجتمعية. انتُخب رئيس الوزراء الحالي، آبي أحمد، رئيسًا للجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، في 27 مارس/آذار 2018، وتلته تعيينه رسميًّا رئيسًا للوزراء في 2 أبريل/نيسان(20).

ومعلوم أن آبي أحمد ينحدر من القومية الأورومية، وقد قاد إصلاحات سياسية واقتصادية نسفت مصالح قادة التيغراي، فاتهمته جبهة تحرير التيغراي بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان، خصوصًا عندما قام بدمج وتغيير الأحزاب المكونة من الائتلاف الحاكم في حزب جديد، فرأت جبهة تحرير التيغراي في تلك التطورات تهديدًا لوجودها. وجاء قرار الحكومة بتأجيل الانتخابات ليؤجِّج الخلاف، عندئذ قررت جبهة تحرير التيغراي إجراء انتخابات دون الرجوع لأديس أبابا(21).

مهدت كل هذه العوامل المعلنة الطريق أمام العملية العسكرية التي شنَّتها الحكومة المركزية في منطقة التيغراي في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. وبعد القصف المدفعي المتواصل الذي استمر لمدة يوم على مدينة مكيلي، العاصمة الإقليمية، والتي يبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة، أعلنت القوات الفيدرالية سيطرتها على المدينة وأجزاء أخرى من الإقليم(22). كما أن التقارير الإخبارية تشير إلى تورط عسكري إريتري في الصراع في منطقة تيغراي، على الرغم من نفي البلدين ذلك(23)، كما دخلت قوات سودانية في أراض متنازع عليها مع إثيوبيا(24).

ومع أن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى عبور نحو 40 ألف لاجئ من منطقة الحدود إلى السودان المجاور، فإن القلق بات يتصاعد من أن الاضطرابات يمكن أن تمتد إلى مناطق إثيوبية أخرى بل إلى الصومال المجاور(25)، وهو ما يجعل منطقة القرن الإفريقي كلها عرضة للتأثر بما يحدث في الجارة الكبرى، إثيوبيا.

خاتمة

لا يخفى أن الثابت الأساس فيما يحدث في إثيوبيا يرجع في كثير من تجلياته إلى طبيعة النظام الفيدرالي وطريقة تدبيره من طرف الأنظمة المتعاقبة، فالمقاربة القائمة على “أمهرة” العرقيات الإثيوبية، ومنعها حقها السياسي والاقتصادي والديني والثقافي، كانت سببًا وراء حمل السلاح ضد أنظمة الحكم المتوالية في إثيوبيا. كما أن انتشار الأيديولوجية الستالينية اللينينية وتطبيقها على هندسة القوميات والفيدرالية، كان عاملًا مهَّد إلى تحول إثيوبيا للنظام الفيدرالي. كل هذا يجعل ظهور النظام الفيدرالي في إثيوبيا متميزًا عن نظرية البنية التحتية لدانيال زبلات، وكذلك نظرية وليان فيكر حول السيطرة والتوسع، ولكنها تتفق مع نظرية عقدة الهوية العرقية لكل من مالكوم فيلي وإدوار روبن، ومع ذلك تحتاج أسباب ظهور الفيدرالية فحصًا أعمق وأكثر للوقوف عليها، وتعمير نظريات جديدة حولها.

وتبقى إثيوبيا، بنظامها السياسي الفيدرالي الذي يطرح الكثير من الأسئلة على النخبة الإثيوبية، والذي بات جزءًا من المشكل وليس جزءًا من الحل، مؤثرة في القرن الإفريقي، وستظل هذه المنطقة تنظر إلى ما يحصل في إثيوبيا بترقب وحذر.

نبذة عن الكاتب
عبد القادر محمد آدم
برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية، معهد الدوحة للدراسات العليا.

مراجع
(1)- Berihun Gebeye, Berihun . 2020. “Federal Theory and Federalism in Africa.”Verfassung und Recht in Ubersee in Africa, August 24. doi:http://dx.doi.org/10.2139/ssrn.3680021.

(2)- Habtu, Alem . 2003. “Ethnic Federalism in Ethiopia: Background, Present Conditions and Future Prospects.” International Conference on Devolopment Studies in Ethiopia. Center for African Devolopment Policy Research. 10. Accessed Novermber 23, 2020.

(3)- Turton, David. 2005. “Four Questions about Ethiopia’s Ethnic Federalism.” St Antony’s International Review (St. Antony’s International Review) 1 (2). Accessed November 23, 2020. https://www.jstor.org/stable/10.2307/26227013.

(4)- Berihun Gebeye, Berihun . 2020. “Federal Theory…” Op Cit.

(5)- Ziblatt, Daniel. 2004. “Rethinking the origins of federalism: Puzzle, Theory, and Evidence from Nineteenth-Century Europe.” World Politics (Cambridge University Press) 57 (1). https://www.jstor.org/stable/25054284.

(6)- Berihun Gebeye, Berihun . 2020. “Federal Theory…” Op Cit.

(7)- Habtu, Alem . 2003. “Ethnic Federalism in Ethiopia.. ” Op Cit.

(8)- Country studies. 2020. The reign of Menelik the second,1889-1913. Accessed 11 5, 2020. https://www.countrystudies.us/ethiopia/15.htm.

(9)- Britannica. 2020. Heila Selassie. Accessed 11 5, 2020. https://www.britannica.com/biography/Heila-Selassie-I.

(10)- Kefale, Asnake. 2018. Fedaralism and Ethnic conflict in Ethiopia: A Comparitive Regional Study. Routledge.

(11)- Kefale, Asnake. 2018. Fedaralism.. Op Cit.

(12)- Lyons, Terrence . 1996. “Closing the Transition: The May 1995 Elections in Ethiopia.” The Journal of Modern African Studies (Cambridge University Press) 34 (No. 1): 122. Accessed November 24, 2020. https://www.jstor.org/stable/161741.

(13)- Habtu, Alem . 2003. “Ethnic Federalism in Ethiopia.. ” Op Cit.

(14)- Abbink, Jon . 2011. “Ethnic-based federalism and ethnicity in Ethiopia: Reassessing the experiment after 20 years.” Journal of Eastern African Studies (Routledge) 5 (4): 602-603. Accessed October 14, 2020. doi:DOI: 10.1080/17531055.2011.642516.

(15) شعوب سيدامو صوَّتت بالأغلبية في استفتاء حول أن يكون لها إقليم مستقل عن إقليم الشعوب الجنوبية.

Gedamu, Yohannes . 2019. Sidama vote first step in long process of change in Ethiopia. Novermber 21. Accessed Novermber 11, 2020. https://www.google.com/amp/s/theconversation.com/sodama-vote-firs…

(16)- Kefale, Asnake. 2018. Fedaralism.. Op Cit.

(17)- Balcha, Berhanu. 2007. Restructuring State and Society: Ethnic Federalism in Ethiopia. Aalborg: SPIRIT.

https://www.scholarworks.wmich.edu/africacenter_icad_archive/

(18)- Turton, David. 2005. “Four Questions about Ethiopia’s Ethnic Federalism… Op Cit.

(19)- De Waal, Alex. 2020. Tigray crisis viewpoint: Why Ethiopia is spiralling out of control. November 15. Accessed December 12, 2020. https://www.bbc.com/news/world-africa-54932333

(20)- Faleg, Giovanni . 2019. Resetting Ethiopia: Will the state heal or fail? October 8. Accessed December 15, 2020. http://www.iss.europa.eu/content/resetting-ethiopia.

(21) ديستا جبريميدين، 2020، الصراع في تيغراي: لماذا تتصاعد المخاوف من اندلاع حرب أهلية في إثيوبيا؟، 2 ديسمبر/كانون الأول 2020، (تاريخ الدخول: 15 ديسمبر/كانون الأول 2020):

https://www.bbc.com/arabic/world-55134851.amp.

(22)- Marks, Simon. 2020. Ethiopia claims Victory in Tigray Conflict after shelling restive regional capital. November 28. Accessed December 15, 2020. https://www.nytimes.com/2020/11/28/world/africa/ethiopia-tigray-Mekelle-assault.html.

(23)- Stewart, Phil. 2020. Exclusive: U.S. says reports of Eretrean troops in Ethiopia’s Tigray are ‘credible’. December 11. Accessed December 2020, 2020. https://www.reuters.com/article/ethiopia-conflict-eritrea-usa-exclusive/exclusive-us-says-reports-of-eritrean-troops-in-ethiopias-tigray-are-credible-idUSKBN28L06R.

(24)- Mohiedeen, Naba. 2020. Sudanese Military enters disputed lands neighboring Tigray region. December 5. Accessed December 15, 2020. https://www.voanews.com/africa/sudanese-military-enters-disputed-lands-neighboring-tigray-region.

(25)- Marks, Simon. 2020. Ethiopia claims Victory in Tigray… Op. Cit.
المصدر/ الجزيرة للدراسات



الانتقال السريع

النشرة البريدية