إبراهيم عبد القادر المازني.. أحد رواد مدرسة الديوان وتميز نثره بالسخرية

الخميس 16 كانون ثاني/يناير 2020
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

“إبراهيم عبد القادر المازني”  شاعر وناقد وصحفي وكاتب روائي مصري، عرف كواحد من كبار الكتاب في عصره كما عرف بأسلوبه الساخر سواء في الكتابة الأدبية أو الشعر، جمعت ثقافته بين التراث العربي والأدب الإنجليزي كغيره من شعراء مدرسة الديوان.

حاول “المازني” التحرر من استخدام القوافي والأوزان في بعض أشعاره فانتقل إلى الكتابة النثرية، وخلف تراث غزير من المقالات والقصص والروايات بالإضافة للعديد من الدواوين الشعرية، كما عرف كناقد متميز.

حياته..

ولد “إبراهيم عبد القادر المازني” في عام 1889 في القاهرة، ولقد تطلع إلى دراسة الطب وذلك بعد تخرجه من المدرسة الثانوية اقتداء بأحد أقاربه، ولكنه ما إن دخل صالة التشريح أغمى عليه، ثم مدرسة المعلمين. وعمل بعد تخرجه عام 1909 مدرساً، ولكنه ضاق بقيود الوظيفة، وحدثت ضده بعض الوشايات فاعتزل التدريس وعمل بالصحافة حتى يكتب بحرية، كما عمل في البداية بجريدة “الأخبار” مع “أمين الرافعي”، ثم محرر بجريدة “السياسة الأسبوعية”، كما عمل بجريدة “البلاغ” مع “عبد القادر حمزة “وغيرهم الكثير من الصحف الأخرى.

انتشرت كتاباته ومقالاته في العديد من المجلات والصحف الأسبوعية والشهرية، وعرف عن “المازني” براعته في اللغة الإنجليزية والترجمة منها إلى العربية فقام بترجمة العديد من الأشعار إلى اللغة العربية، وتم انتخابه عضواً في كل من مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والمجمع العلمي العربي بمصر.

عمل “المازني” كثيراً من أجل بناء ثقافة أدبية واسعة لنفسه فقام بالإطلاع على العديد من الكتب الخاصة بالأدب العربي القديم ولم يكتف بهذا بل قام بالإطلاع على الأدب الإنجليزي أيضاً، وعمل على قراءة الكتب الفلسفية والاجتماعية، وقام بترجمة الكثير من الشعر والنثر إلى اللغة العربية حتى قال العقاد عنه: “إنني لم أعرف فيما عرفت من ترجمات للنظم والنثر أديباً واحداً يفوق المازني في الترجمة من لغة إلى لغة شعراً ونثراً”.

مدرسة الديوان..

يعد “المازني” من رواد مدرسة الديوان وأحد مؤسسيها مع كل من “عبد الرحمن شكري، وعباس محمود العقاد”، ولقد عشق الشعر والكتابة الأدبية وعمل في شعره على التحرر من الأوزان والقوافي ودعا كغيره من مؤسسي مدرسة الديوان إلى الشعر المرسل، هذا على الرغم من أننا نجد أنه غلب على شعرهم وحدة القافية، اتجه “المازني” للنثر وأدخل في أشعاره وكتاباته بعض المعاني المقتبسة من الأدب الغربي، وتميز أسلوبه بالسخرية والفكاهة، فأخذت كتاباته الطابع الساخر وعرض من خلال أعماله الواقع الذي كان يعيش فيه من أشخاص أو تجارب شخصية أو من خلال حياة المجتمع المصري في هذه الفترة، فعرض كل هذا بسلبياته وإيجابياته من خلال رؤيته الخاصة وبأسلوب مبسط بعيداً عن التكلف الشعري والأدبي. وتوقف “المازني” عن كتابة الشعر بعد صدور ديوانه الثاني في عام 1917، واتجه إلى كتابة القصة والمقال الإخباري.

كما اتّسَمَ أسلوب “المازني” باستخدامه الصورة في شعره ليس لذاتها، بل لأنها وسيلته الوحيدة إلى ما يريد طرقه، وقد تضيق الصورة وقد تتسع، فتكون صورةً جزئية تؤازر أخواتها وغيرها من وسائل الأداء لإتمام العمل الفني، الذي يتكامل في الذهن من خلال النظر و السمع وتصور النفس للمراد من الهيكلية الأدبية، وعندما يرسم صورة كليةً فإنه غالبًا ما يتخذ الرمز وسيلته إلى مراده وتكون الوحدة العضوية بارزةً إلى حدٍ ما بين أجزاء صورته.

يذكر الكاتب الصحفي “محمد برادة” أن “إبراهيم عبد القادر المازني” لم يكن روائيا عاديا يسعى إلى استنساخ الواقع أو محاولة إصلاحه، إنه كان يتطلع إلى أبعد من ذلك، فالأسئلة الشاملة التي تمس الوجود والموت وإعطاء معنى للحياة كلها عند المازني تمرّ عبر المرأة التي تغدو، في رواياته، أفقاً مطلقاً لتحقيق الذات، ومادة لتحديد المواقف وضبط صورة متحررة للتواجد داخل المجتمع.

النقد الأدبي..

وضع “إبراهيم عبد القادر المازني” سلسلة مقالات في النقد الأدبي ضمنها أبحاثاً جديدة مبتكرة وآراء سديدة لم يكد يسبق إليها في كيف يكتب الكاتب ويقرض الشعر الشاعر ويبين المبين وما هو سر الفصاحة وأساس البلاغة وروح البيان وما هو الأسلوب والتخيل والنظر.

يقول في أحد المقالات عن أن امتياز العبارة بالتأثير: “ليس لكاتب على كاتب فضل إلا بسهولة مدخل كلامه على النفس وسرعة استيلائه على هواها، ونيله الحظ الأوفر من ميلها، وإنما يلائم الكاتب بين أطراف كلامه ويساوق بين أغراضه، ويبني بعضها على بعض، ويجعل هذا بسبب من ذاك لتكون عبارته أفعل باللب، وأملك للسمع والقلب وأبلغ في التأثير، والكاتب في ذلك كصانع الديباج، يوشيه بمختلف التصاوير ومتناسبها ليكون أملأ للعين، وأوقع في النفس وأعلق بالقلب، وليست المزية كما يتوهم من لا يتدبرون الكلام في أن هذا أكثر تأنقاً من ذلك، وأحسن تحبيراً، بل المزية في أن أحدهما أقدر على إبلاغ المعنى لذهن القارئ.

على أنك قد تبلغ بالعبارة العارية العاطلة ما لا تبلغه بالكلام الملفوف، بل قد يكون التأنق إذا أسرف فيه الكاتب أو جهل مواضعه، وأخطأ مواقعه، حائلاً بينه وبين ما يريد من نفس القارئ ألا ترى كيف جنى أبو تمام على نفسه بحبه لتطريز الكلام، ومبالغته في تدبيجه، وإسرافه في استعمال الخشن النافر من الألفاظ، وإكثاره من الاستعارات والتكلف لها اغتراراً بما سبق من مثل ذلك في كلام القدماء، حتى كثر في شعره الرث الفاسد والغامض الذي ينبو عنه الفهم، وحتى صار أصبر الناس لا يقوى على إتمام قصيدة من شعره من غير تحامل على نفسه”.

أعماله..

ألّف “المازني” نحو أربعين كتاباً في النقد والأدب والقصص والروايات والشعر العديد من الأعمال الشعرية والنثرية المميزة نذكر من أعماله: “إبراهيم الكاتب، وإبراهيم الثاني، رواياتان، أحاديث المازني مجموعة مقالات، حصاد الهشيم، خيوط العنكبوت، ديوان المازني، رحلة الحجاز، صندوق الدنيا، عود على بدء، قبض الريح، الكتاب الأبيض، قصة حياة، من النافذة، الجديد في الأدب العربي بالاشتراك مع “طه حسين” وآخرين)، وكتاب “حديث الإذاعة” بالاشتراك مع “عباس محمود العقاد” وآخرين، كما نال كتاب “الديوان في الأدب والنقد” الذي أصدره مع “العقاد” في عام 1921 شهرة كبيرة، وغيرها الكثير من القصائد الشعرية، هذا بالإضافة لمجموعات كبيرة من المقالات، كما قام بترجمة مختارات من القصص الإنجليزي.

وفاته..

فارق “المازني” الحياة عن عمْر يناهز التاسعة والخمسين عاماً، بعد صراع نفسي مع هاجس الموت، ومرض عضويّ عانى فيه من انتشار البولينا في الدم. توفي 10 أغسطس عام 1949.

قصة قصيرة لإبراهيم عبد القادر المازني..

 ابن البلد

“لا يعرف ابن البلد الحب ولا يحسن أن يعشق، والجمال عنده يوزنه أرطالاً أو قناطير، والمرأة مخلوق يداعب ويغازل ويجمش إلى آخر ذلك، وليست إنساناً يبادلك العواطف ويعاونك في الحياة ويقاسمك متعها ومتاعبها ويؤدى مثلك وظيفته التي خلق لها.

البلد: القاهرة أو مصر كما كانت، وكما لا تزال تسمى هذه العاصمة أو طائفة من الأحياء هي الواقعة بين العباسية والسيدة زينب، وأبتها شخصية شاع فيها الفناء علوا وسفلا وعفت عليها المدنية فلا يكاد المرء يلتقي بها في هذا العصر، وما أسرع ما تداعت الأسوار وطغى عباب الحياة! قبل عشرين سنة فقط كنت ترى ابن البلد هذا «مستفيضا» وتلقاه في حيثما تكون ولا تخطئه عينك وهى تدور بلحظها، فهو رجل دنياه مصر أو تلك الأحياء القديمة منها، لا يعرف غيرها ولا يكاد يدرى أن فوق ظهر الأرض سواها، وهبه يدرى فما أقل ما يعبأ بذلك أو يحفله، والزمن عنده اللحظة التي يكون فيها، وهو ذكى إلا أنه جاهل، وظريف سوى أنه مغرور، وحىّ ولكنه لا يحيا إلا بحراسة، تدور الدنيا حوله على محورها أو على قرن الثور الذي يحملها ويدور رأسه معها ولكنه لا يعرف ولا يرى شيئا ولا يسأل عن شيء ولا يكترث لشيء ويحتقر الريف لأنه يجهله، ويزدرى المدنية لأنه لم يألفها، ويعتز بنفسه ويستضخم أمرها؛ لأنه سهر الليالي وأحياها بالغناء والشراب والعربدة.

وهو مثال الرضا عن النفس والجود الذي يخلفه هذا الرضا وإذا كان يرى كل شيء من قريب فما من شيء يدعوه إلى العجب أو يبتعث الرغبة في الاستطلاع وكل إحساس له يصل إليه عن طريق الفكاهة، وأشد ما يبغض أن يضطر إلى الجلد والوقار، وليس في نفسه محل للاعتراف بالجميل، والأمر عنده مجاملة متبادلة أو حق له أن يجيبه وعليك أن تؤديه، هو المثل الأعلى لنفسه أو لعله جار سابع أو ثامن فليس لغير نفسه احترام ولا مطمح له إلا أن يظل قادرا على التحفظ بمظهره، فلا عناية له بالسياسة أو شئون الحكم، وبحسبه من العلم بالحكومة ومهماتها أن يرى مواكب رجالاتها، ومن التطلع إليها أن يتصور نفسه راكبا مركبة المحافظ أو أن يكون ممن يحظون بالدخول على «رياض باشا».

يفتح عينه على الدنيا كل يوم قبيل الظهر، فتنحى الستائر عن النوافذ ويؤذن لنور النهار أن يدخل، وبعد أن يقضى ما يشاء من الساعات التي تأبى إلا أن تكر في التمطى والتثاؤب وتناول الطعام والقهوة المرة مذابا فيها العنبر، يقوم إلى ثيابه فينتقى منها جبة وقفطانا منسجمين متجاوبين ثم يلف العمامة ولفها مهمة شاقة قد يستغرق بقية النهار إلى العصر ثم ينزل إلى المنظرة ويتلبث بها ريثما يشرب القهوة ويشد أعصابه ثم يخرج إلى دكان بدال أو حلاق أو عطار أو غير هؤلاء، ويتوافى الرفاق وتروى أنباء السهرات. ويسأل السائلون عن «عبده» أو «عثمان» أين يغنى الليلة؟ ويتفق الإخوان على مكان يجتمعون فيه وشراب يجلسون إليه. ثم يتحاملون بعد أن يقضوا وطرا من النهار إلى المغنى ولعلهم غير مدعوين فيظلون. إلى طلوع الشمس في آهات صاخبة وضوضاء ترجع ما بقى من الرأس وتزلزل الكيان.

ومجالس أبناء البلد نكات خشنة وضحك مقرقع. وأعذب ما يكون طعم الحياة في أفواههم حين يركبون صاحبا لهم بدعاية عملية. أعرف واحدا من أظرف أبناء البلد وأكرمهم وأرقهم حاشية لا يرضى عن نفسه إلا إذا استطاع أن يوقع واحدا ممن يسهل التماجن عليهم في مأزق أو يزج به في ورطة. وكان يستثقل ظل واحد من حراس المقابر. وكان هذا لا يفتأ يغشى مجلسه وينغص عليه لذاته البريئة بتذكيره بالموت وإحضاره إلى ذهنه. فأراد أن ينفيه عن هذا المجلس فأوعز إلى خادم فاستأجر هذا مكاريا وبعثه برسالة إلى صاحبنا الحارس مكتوبة على لسان تاجر معروف، والدته مريضة يدعوه فيها إلى الحضور إليه بأسرع ما يستطيع للاتفاق على بناء مقبرة، فجاء المكارى إلى الحارس بالرسالة ففضها فتهلل وجهه وراح يحسب الربح المنتظر من وراء هذه «المقاولة» فلم يصرف المكارى بل ركب الحمار ومضى إلى التاجر ودخل عليه وحياه ودار بينهما حديث:

الحارس: إن شاء الله تكون الوالدة بخير.

التاجر: بخير بارك الله فيك.

الحارس: هل هي مريضة جدّا؟

التاجر: نعم ولكن الله المسئول أن يخفف عنها ويلطف بها الحارس: إن شاء الله. لقد بعثت لي حضرتك برسالة وقد جئت حسب أمرك.

التاجر: (مستغربا) رسالة لماذا؟

الحارس: نعم ألست حضرتك فلانا؟

التاجر: هو بعينه.

الحارس: إذن الرسالة منك.

التاجر: ولكن.. هل تسمح لي بمعرفة اسمك؟

الحارس: آه! يظهر أن حضرتك لم تعرفني، ولهذا تستغرب أن تكون قد بعثت إلى برسالة. أنا فلان.

التاجر: أرجو.. أن تزيدني بيانا فلست أذكرك ولا مؤاخذة.

الحارس: هذا غريب!

ورأى أن يحل الإشكال ويحسم الخلاف بتقديم الرسالة التي تلقاها. وتصور موقف الرجلين حين فض الرجل الخطاب واطلع على هذه (البشرى) في الصباح الباكر.

ومن نوادر صاحبنا أنه وصف مرة لبخيل طريقة لصنع (الكنافة) وأقنعه بتجربتها. وجاءنا البخيل بعد أيام وكان ذلك في رمضان يشكو ويسخط ويلعن ويقول: «اشتريت أربعة أرطال من الكنافة، وناولتها امرأتي وقلت أعديها، وجئت بثلاثة أرطال من اللبن الحليب كما أوصاني اللعين خيبة الله عليه! وغلينا اللبن قبل المغرب بدقيقتين، وكانت (الكنافة) قد نضجت. فلما سمعنا مدفع المغرب صببنا اللبن عليها وأغرقناها فيه، وأقبلنا على الطعام نتناول منه بقدر لنترك مكانا (للكنافة) وإذا بها عجين لا يؤكل ولا يصلح لشيء إلا أن يرى الكلاب!!وهكذا ضاع على ما أنفقته في الكنافة من السمن والسكر واللبن والزبيب والصنوبر والبندق والجوز واللوز وثمن الوقود، وضاع على سائر ألوان الطعام التي لم أكد أمسها ترقبا للكنافة. فماذا أدعو عليه؟

وابن البلد لا يعرف الريف ولا يصبر عليه، وإذا خرج إليه استغرب أن الطريق ليس غاصّا بالمساكن المتلاصقة، وأن الأشجار قائمة هنا وهناك، وأن الدنيا أرحب مما كان يظن، وأحس بالميل إلى الضحك، ولكن ثقته بنفسه تفارقه مع المدينة التي غادرها، ويرى نفسه بين الفلاحين غريبا ويسمعهم يتكلمون فيما لا يفهم، ولا يسعه إلا أن ينهز معهم بدلوه، ويخطئ عندهم سهراته ومجالسه، ويحتاج أن يغير عاداته وأن ينزل عنها وأن يحتمل الاضطراب الناشئ عن ذلك، ولا يحس في الريف ذلك التعاطف القريب، ولا يفهم أن ينام على ظهر الفرن ومع النساء والأولاد والطيور والبهائم لأن له (مزاجا) والناس في الريف أكثر ما يكونون بعداء بعضهم عن بعض، وهم يقضون أوقاتهم مبعثرين في الحقول فليس في مجالسهم ذلك الصقل ولا تلك النعومة التي تكون لمجالس أهل المدن، فهي لا تخلو من جفوة طبيعية وتكلف محسوس وصخب مرجعه إلى اعتياد أهل الريف أن يتخاطبوا بأصوات عالية لبعد المسافات بينهم، وقلما يشعر الحضري بحرارة الترحيب إلا حيث يكون قدوم الغريب «حادثة» يندر أن تتكرر، فيتدفق الكرم المحبوس إذا لم يكن له مجال! ولظهوره فرصة كبيرة فيقبل الناس عليه ويفرحون به إقبالهم على التحفة النادرة أو المنظر الذي لا يجود به الزمن مرارا وهكذا كان الحال قبل أن توثق المدنية ما بين القرية والمدينة من الروابط، وتسهل عليهما الاتصال والتبادل والتفاهم والتقارب.

 

وابن البلد قد يكون أديبا أو فنانا إذا كان قد جاور في الأزهر في صدر شبابه، وأدبه البيت أو البيتان من الشعر يضمنهما نكتة لفظية أو معنوية، يداعب بهما صديقا، وأكثر ما يكون نظمه للأزجال والمواليات، وربما نظم التوشيح ودفع به إلى ملحن أو مغن، وهو لا يحفظ من الشعر إلا ابن الفارض ومن إليه، وإذا كان فنانا فهو من هواة (العود) على الأخص، تبتدئ وتنتهي دنياه بالشراب والسماع والوجه الحسن، وفيما عدا ذلك لا وجود للدنيا.

ولا يعرف ابن البلد الحب ولا يحسن أن يعشق، والجمال عنده يوزنه أرطالا أو قناطير، والمرأة مخلوق يداعب ويغازل ويجمش إلى آخر ذلك، وليست إنسانا يبادلك العواطف ويعاونك في الحياة ويقاسمك متعها ومتاعبها ويؤدى مثلك وظيفته التي خلق لها. وقد ترى ابن البلد عاشقا ولكنه عاشق بحواسه، لا يعرف صبوة النفس إلى النفس وحنة القلب للقلب.

وهو يجود في غير كرم، ويمسك في غير بخل، ويتكلم بغير علم. ويضحك بغير جدل. ويحتشم في غير أدب. ويسير في الدنيا غير محتفل. ويقضى الحياة غير عابئ بما كان أو مكترث لما يكون. همه أن يأكل وينام ويسر ويضحك. فالضحك وما يعين عليه من الشراب ومجالس الإخوان غرض يسعى إليه وغاية تعتمد. والحياة آخرها الموت. فما خير التعب فيها وإرهاق النفس بالعمل والطلب؟ أليس كل شيء إلى فناء؟ فما أولاه باغتنام الساعة التي يكون فيها وما أسخف من يعنون أنفسهم ويحرمونها لذاذات العيش ومتع الوجود؟.

ألم تر إلى فلان الذي قضى عمره يجمع المال ويطلب المناصب ويريق ماء وجهه على الأعتاب ويقتر على نفسه ليغنى ويضيق على ذويه ليتسع؟.. ألم تر إليه كيف قضى نحبه وهو جالس على باب الحلاق؟ فماذا أجدى عليه تعبه وسعيه وتقتيره وحشده؟. إن فيه لعبرة لسواه. فهات الكأس وأصلح الأوتار، وأطلق صوتك بالغناء ينفى عن النفس وحشتها وتجل صداها وتنسها أن الحياة إلى انقضاء. فابن البلد فلسفة عملية تجهل نسبها العريق في الأبيقورية المشوهة، ولم يعف عليها الزمن حين عفا عليه.



الكلمات المفتاحية
ابراهيم عبد القادر المازني

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.