أطفال الحجارة !

الأحد 19 نيسان/أبريل 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

قصة قصيرة

خاص : بقلم – نادية شكري :

مصر

لازلت أفقد كل شهياتي، بات ضموري واضحًا، ملحوظًا للجميع.

في البدء فقدت شهيتي للطعام والحلوى، ثم رفضت مسايرة أبناء سني في الجري كيفما شاءت لهم الأقدام، رفضت العبث البريء، حتى الرغبة في طرح أسئلة الكبار التي كانت تستأثر بعقلي من قبل، فقدتها.

أين ذهب إحساس الحيرة الذي كان تلبسني حين يعود القمر، وحين يلتقط الصباح خيوط النهار من بطن الشمس، يشدها خيطًا بعد خيط، كصياد أجادت الحياة تدريبه، يُمهد الأرض لاستقبال النور. ذهبت عني الرغبة في التساؤل، فضاعت مني رغباتي حتى الرغبة في السمع. زوال متناه لحواسي، فاعتكف لساني داخل تجويف حلقي، صمت عن الكلام. والآن الجلبة حولي تأتي على بقاياي. زهد زاورني في مهدي عابرًا في البدء، فتوحد معي، أصبحته واصبحني.

في محاولة طيبة منهم أنزعوني ثيابي عنوة لاسترجاع الرغبة في الحياة استجلبوا الصغار، أحاطوني، جلسوا على كل جهاتي علهم يفلحون في استعادة طفولتي الضائعة وأعبث معهم فوق الرمال. نادتني أصوات الأمواج ورائحة البحر وسمعت دق المظلات بجواري، رأيت ألوانها المتشابهة بطول الشاطيء، تنفست أثناء غزو نسمات الصبح الطرية لصدري فذرت الرمال وآخذت تتكوم كالتل حول جسد العامود الحديدي المزروع بجواري، له طول رجلين، ينتصب يخترق تجاويف كعكات الكاوتشوك الساكنة السوداء، تكسوها أبجديات لغة الماء، يتمنطق بها هياب المد وراغب الدراية بلغة البحر واستنطاق الأمواج. تماوجت حول أنفي أنواع الروائح مختلطة بالملح، ورائحة الجلد المشبع بالماء فأرتمى بصري فوق كعكات الكاوتشوك، تسمعت أذني حواراتها التي كانت تتضح أو تخبو معالمها مع عبث الرياح ثم تبلور لكل حلقة عينان، أخذت العيون تنظر صوب الأطفال بغضب في إيماءات لم تفلح في شد إنتباهي.

تصاعدت الألسنة السوداء الحارقة من الإطارات سميكة الجلد فخيمت السحب القاتمة وأخذت تتعالى الدوائر البرتقالية، طقطقة النار المتدافعة زادت اللهب أحمرارًا رغمًا عن السواد. رؤوس صغيرة لأطفال المحها تجري هنا وهناك في اندفاع خلف سحب الدخان تلقي بحبات الحجارة على طوابير الجند المصفوفة عند الطرف الآخر، تصطدم قطع الحجارة بمصدات الجند، تصدر رنينًا ثم طرقات تشبه دقات الساعة الكبيرة المعلقة داخل حرم الجامعة. السيارات الجيب مدججة السلاح تفرغ مؤخراتها الأعداد الهائلة من البذات العسكرية فيتماطر الرصاص وطلقات المطاط تسكن في جوف القلوب الصغيرة. تتعالى دوامات الدخان الكثيف إلى الآفاق العالية والجني يكمن في القاع يرقد، يصم بيديه فتحات أذنه، يخشى الخروج، فيظل رهين لقيوده هناك في جوف النار. لا تزال الصغار تعبيء جيوبها الصغيرة وحجر البنات بالمزيد من الحجارة.

تنشط دوريات السيارات مختلفة الأحجام ترافقها المروحيات، تحاول إطفاء النار، ينكشح جزء من الغمام، أذر عيني فأرى أشلاء الصغار تتناثر أمامي، يختبيء الناجون يتراجع الجند. يختلط في أذني صفق الأقدام الصغيرة المطاردة بصفق الأقدام الثقيلة فوق بلاطات الشارع بعدها تتعالى صيحات النصر بلغة كالعربية، يزفون البُشرى لأصحاب النياشين فوق الصدور وعلى الأكتاف. اتجهت السيارات إلى الشاطيء، ألقت الجنود بملابسهم وتخففوا من قطع السلاح، ترتمي الأجساد العابثة واحدًا أثر واحد يزيلون رائحة الرصاص والعرق ومن داخل السيارات المرتكنة بطول الطوار، نسمع صفق الأنخاب بين الجند المناوبة في الحراسة.

يخرج الجمع من الماء وقد ترك وراءه جزء من قلقهم ثم يرتدون البذات العسكرية ويسير الركب ومن مؤخرة السيارات تخرج أفواه البنادق تحسبًا لأي طاريء.

عندما أبتعد طابور السيارات، خرجت من الماء سيدة منهكة القوى، تزحف في محاولة للوقوف تقع وتكرر المحاولة، ولما لم تقو على النهوض زحفت في اتجاه الشاطيء، تلهث مترنحة وبصعوبة أعتدلت في جلستها تستند على الرمال المبللة بيديها، استجمعت شتاتها وأخرجت من خلقها الممزقة ورقة كبيرة كثيرة الثنايا، خريطة بلا حدود أو خطوط، مساحة كبيرة من الورق بها صور لرجال قزميوا القامة متشابهة ملامحهم، لا يختلف بينهم سوى مقاسات العمامات أو الطواقي. كان الماء يجري بقوة من تحتها ورغم ذلك رأيت خيوط الدم تجري من جروحها تكاد تغطي الماء. أشارت بذراعها المجهد صوب الصغار فتجمعوا حولها، أخرجت ثديها الكبير وأخذت تلقمهم، وقبل أن يشح معينه ألقمتهم الثدي الآخر.

تمت



الانتقال السريع

النشرة البريدية