أسرار وحكايات .. من زمن فات : حكاية “ريا وسكينة” في فترة حكم الظاهر بيبرس !

السبت 12 حزيران/يونيو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : بقلم – عبدالناصر محمد :

في السنة الرابعة من حكم السلطان الظاهر “بيبرس البندقداري”، وتحديدًا سنة 663 هجرية / 1264 ميلادية، والتي كانت الأحوال في “مصر” لا تزال سيئة، إزدادت معدلات الجريمة داخل المجتمع؛ وبخاصة السرقات بحثًا عن لقمة العيش.. ولكن أغرب القضايا وأكثرها دموية وإثارة والتي لم يعتد عليها المجتمع المصري؛ والتي تحدث للمرة الأولى في تاريخ “مصر” على مر كل العصور، وهي جريمة اختطاف بعض الناس وقتلهم بقصد سرقة ما معهم من أموال أو ثياب أو حُلي أو ما شابه ذلك، وهذه القصة رغم وقوعها قبل قصة “ريا وسكينة”، بنحو 655 سنة، إلا أنهما قريبتا الشبه في كثير من الوقائع؛ وإن كانت جرائم “ريا وسكينة”، هي الأشهر والتي وقعت في نهاية عام 1919، واستمرت أكثر من سنة عاش فيها المجتمع المصري، وبخاصة مدينة “الأسكندرية”، أيامًا من الرعب والفزع.

وإلى تفاصيل حكاية “ريا وسكينة” الأقدم، التي جرت أحداثها أثناء فترة حكم ركن الدنيا والدين السلطان الظاهر “بيبرس البندقداري”…

سيدة شابة فارعة الطول قوية البنيان متوسطة الحجم ليست بدينة ولا نحيفة، في منتصف العشرينيات من عمرها، تُقيم بمفردها في شقة بالدور الأرضي بمنطقة قريبة من الخليج المصرى – شارع بورسعيد حاليًا – أشتهرت بين الناس باسم: “الغازية”.. وهذا الاسم أطلقه عليها أهل الحي ظنًا منهم أنها كانت تعمل راقصة لدى أمراء المماليك وكبار التجار والأغنياء، خاصة وأنها كانت ترتدي ملابس خليعة تتنافى تمامًا مع الشكل العام لنساء “مصر”، في ذلك العصر، فقد كان كل همها هو العمل على إظهار مفاتنها.

تعرفت السيدة على العديد من الراغبين الطامعين فيها؛ وكانت تقضي معهم ليالٍ حمراء ماجنة تُمارس فيها الرذيلة مقابل بضع دراهم أو بعض الأطعمة.. وفي هذه الأثناء قفزت إلى ذهنها فكرة شيطانية؛ وهي العمل على إستقطاب مريديها وزبائنها إلى منزلها واستغلال إنشغال “الزبون” في التأمل في مفاتنها؛ تقوم هي بالإنقضاض عليه وتقتله ثم تحصل على ما يمتلكه من أموال وحُلي وثياب فاخرة وتتخلص من جثمانه من خلال دفنه في نفس الشقة التي تسكنها؛ بعد أن تقيم حفرة لذلك، ولكنها كانت تخشى أن تخدعها قوتها وينكشف أمرها، ولذلك استعانت بسيدة عجوز قرصها الجوع؛ فوافقتها على تنفيذ مخططها الدموي المشبوه ثم تمت الاستعانة بإثنين من الرجال فكونوا الأربعة تشكيلاً عصابيًا إجراميًا وفريقًا لإعدام كل من لهث وراء شهواته.

وكانت غازية، بمعاونة العجوز، توقع بالرجال والشباب عن طريق وقوف “غازية” في الطريق بعدما تتجمل بأجمل ثيابها وتتحلى بأحلى حُليها حتى تميل قلوب الرجال لها وتجذبهم بجمالها وتسحرهم بدلالها وتخدعهم بمكرها؛ وعندما تجد العجوز أن أحد الشباب قد مال إلى “غازية”، تقول له: “هذه لا يمكنها أن تجتمع بأحد إلا فى منزلها خوفًا على نفسها”، وعندما يذهب معهما من أراد “غازية”؛ يكون في انتظارهم الرجلان اللذين يتوليان قتله وسلب ما عليه من ثياب وسرقة ما معه من أموال.

ودارت دائرة الدم والقتل؛ وقامت الغازية باصطياد الضحايا واحدًا تلو الآخر وتعددت البلاغات لوالي “القاهرة” عن اختفاء العديد من الأفراد، وذاع صيت تلك الحكاية الغريبة، غير مسبوقة الحدوث، فقررت الغازية، “زعيمة العصابة”، هجر شقة الخليج المصري والإنتقال إلى مكان آخر؛ وهو ما حدث أكثر من مرة وتزايدت عمليات الاختفاء المريبة، ليس فقط للرجال؛ بل لعدد من النساء وأمام تزايد البلاغات وقلة حيلة الوالي ورجاله وصل الأمر إلى السلطان الظاهر “بيبرس”، الذي أمر على الفور بتشكيل فريق بحث من رجاله ليكونوا تحت قيادة الوالي للعمل على حل هذا اللغز، ولكن كل المحاولات بائت بالفشل بسبب مكر ودهاء الغازية وعصابتها، والذين استعانوا في هذه الأثناء برجل ثالث يعمل فرانًا في أحد قمائن الطوب ويكون دوره طمس معالم وتشويه جثامين الضحايا بعد قتلهم وقبل إلقائهم في “نهر النيل”، حتى لا يتعرف أحد على الضحية، وتستمر الحيرة لدى فرق البحث التابعة للسلطان والوالي وحتى يعتقد أن القتل بقصد الانتقام من الضحية أخذًا بالثأر أو ما شابه ذلك للتمويه والتضليل.

وذات يوم استيقظ أهالي “القاهرة” على مشهد بشع للغاية، حيث كثير من الجثث تطفو فوق سطح الماء بالقرب من “خليج القاهرة” مما زادهم حُنقًا وسخطًا وغضبًا على الوالي وأعوانه، وطالب الناس بضرورة إقالة الوالي لفشله في حل اللغز وكشف تفاصيل هذه الجرائم الشنيعة.

وفي يوم من الأيام، وبعد أن أنتقلت العصابة إلى سكنها الأخير بمنطقة “باب الشعرية”، وقع أختيار العصابة على سيدة ثرية تعمل “ماشطة” – والماشطة هذه كانت تقوم بتوفير احتياجات العروس؛ فضلاً عن قيامها بتزيينها وتجهيزها لليلة العرس – وقامت العجوز بزيارة الماشطة بمنزلها وأخبرتها أنها تريدها لتقوم بإحضار ما لديها من أقمشة ومصاغ لإبنتها العروس وتركت لها العنوان وأنصرفت بعد أن وعدتها بمبالغ ضخمة.

وبالفعل قامت الماشطة بالذهاب إلى شقة العروسة وهي لا تدري أنها ذاهبة إلى نهايتها، وقامت خادمتها بتوصيلها إلى منزل العروس بمنطقة “باب الشعرية”؛ ولسوء حظ العصابة لم ير أحد تلك الخادمة التي أتفقت معها سيدتها على العودة فى هذا العنوان صباح اليوم التالي؛ لتقوم بتوصيلها إلى منزلها.

وحين عاودت الخادمة الذهاب في الموعد المتفق عليه وطرقت باب الشقة؛ خرجت إليها العجوز فسألتها عن سيدتها “الماشطة”، وهي لا تدري أنها أصبحت في عداد الأموات، وفوجئت الخادمة بأن المرأة العجوز أنكرت تمامًا معرفتها بسيدتها أو حتى رؤيتها من قبل.

شكت الخادمة في الأمر، والتي كان قد سبق أن تطرق إلى مسامعها حكاية اختفاء بعض الرجال والسيدات، فهرعت إلى الوالي وحكت له تلك الواقعة المريبة، والذي قام على الفور على رأس قوة كبيرة بأقتحام المنزل وإلقاء القبض على الغازية والعجوز، ثم بعد ذلك قبض على الرجلين واللذين أرشدا عن الفران، والذين أعترفوا بجميع جرائمهم، وعلى الفور أصدر السلطان الظاهر “بيبرس” قرارًا بـ”تسّمير” جميع أفراد العصابة – أي دق أجسادهم بمسامير بعد وضعها على ألواح خشبية – وتعليقها تحت “القلعة”، وليس على “باب زويلة” كما يعتقد البعض، وبعد ذلك تدخل بعض الأمراء للعفو عن السيدة العجوز من قصة التسمير تلك، لكبر سنها والإكتفاء بحبسها، وهو ما حدث بالفعل، ولكنها ماتت بعد بضع أيام.

وقد أطلق العامة على هذه العصابة اسم: “الغازية الخناقة”، نظرًا لأن العصابة كانت تخنق الضحية، وأطلق عليها أيضًا اسم: “الغازية والعجوز”.



الانتقال السريع

النشرة البريدية