الأربعاء 18 مايو 2022
25 C
بغداد

    أسباب الاختلافات بين الناس وطرق حل الخلافات

    د. نظام الدين إبراهيم أوغلو
    باحث أكاديمي تركماني

    تمهيد

    كما نعلم أنه توجد هناك إختلافات بين الناس وحتى بين الجماعات بشكل عام وهذا أمر طبيعي يتفق مع الفطرة البشرية وتنوع البيئات والمشارب، واختلاف الثقافات والمدارس، وتـَفتُّح العقول والمدارك، وتشعب وجهات النظر, وغير ذلك من الأسباب التي يكتسبها الإنسان وتتبدّى آثارها في فهمه ونظرته للأمور والقضايا، وتنعكس جليةٌ في الأحكام من حيث الدقة والشمول والاستقصاء وما إلى ذلك مما نجده في كثير من الأحكام التي قد وصل الخلاف في بعضها إلى حد التباين. والإختلافات بين الناس والجماعات رحمة ونعمة كونية ماضية ومستمرة في الحياة عامة وبين الناس خاصة وأنه أية من أيات الله تعالى وسنة من سنن الكون التي أرادها الله في كونه لخير البشرية لا لشقائها قال سبحانه وتعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ). يمكن أن نجمع هذه الإختلافات في ثلاثة أنواع الأول: إختلاف طبيعي وهو اختلاف محمود، ما كان في فروع الدين وهو مستساغ ومشروع ولا يدعو إلى القطيعة والهجر بين المسلمين، بل هو رحمة وسعة على الأمة وهو الذي عبر عنه باختلاف التنوع، وسببه عدم الإلمام بالعلم ونقص المعلومات في مجال ما أو بكافة المجالات. ومن الإختلاف الطبيعي تيسير الأحكام الشرعية والفقهية التي تتم استخدامها لصالح الأمة الاسلامية لتكون رحمة عليهم. إذا لو إستخدمنا كافة الإختلافات لصالح الناس والبشرية أو لصالح الأمة الإسلامية ستكون مردودها إيجابي وعكسها ستكون مردودها سلبي. وإختلاف متطرف، وهو إختلاف مذموم، ويكون الاختلاف في الأصول وبما كان قطعيا وواضح الدلالة والمخالف فيه خالف عن هوى ومكابرة وقد عبر عن هذا النوع بالتضاد، وأنه يؤدي إلى التناحر، والتقاتل، والإيذاء، وإلى التعصب، والتناحر والتخاصم والنزاع. وهناك اختلاف تنافسي، ويعد هذا النوع من الاختلاف هو أفضل الأنواع، وأكثرها إيجابية فيما إذا لم يدخل فيه الحسد والبغضاء، والاختلاف التنافسي مقبول، من أجل تقديم كل فرد أفضل ما لديه، وأن يكون الاختلاف مبني على أسس صحيحة وسليمة، وأن يكون التنافس على البر والتقوى والأعمال الصالحة وفي كسب العلوم.
    وهناك إختلافات شكلية كثيرة بين الناس نذكر منها: الإختلاف في الجنس واللون والألسن والعرق البشري ودرجات العقول والإختلاف في استوعاب فهم العلوم وفي الآراء والأفكار وفي كسب المهن والمهارات، والاختلافات في السلوك والطبائع والاخلاق وفي ملامح وشكل الإنسان والإختلاف في المتغيرات النفسية والإجتماعية والمعيشية. لذا يقول العلماء أن السلوك الإنسانيّ يُكتسب بتشرّب الفرد للعادات والتقاليد والأنظمة البيئية والاجتماعيّة التي يعيش فيها. وهناك للظواهر الطبيعة تأثير على سلوك وشخصية الأنسان منها الكوارث الطبيعية التي تسبب دمارًا وخسائر بشرية ومادية كبيرة وبذلك تتأثر على نفسية الإنسان وتتغير طبيعته وسلوكه، وكذلك للامراض النفسية والعاهات البدنية والفقر والمناهج الدراسية والأصدقاء والأباء والإعلام ونحو ذلك كل هذه الصفات مجتمعة تلعب دورًا أساسيًّا فى تحديد وتغيير سلوك وطبائع الأفراد مما يوقع بينهم الإختلاف في بعض الأمور. ويمكن أن نقول أن تغيير سلوك وطبائع وعادات الأفراد سواء أكانت بيئيّة مكتسبة أو جينية موروثة أو فطرية، لها تأثيرها السلبي والإيجابي على حياة الأفراد ثم يؤدي الى أن إختلاف الناس فيما بينهم كل حسب الظروف التي يعيشها. فالذين يكتسبون العادات والتقاليد والمفاهيم الدينية الصحيحة فيكون تأثيرها عليهم إيجابية وعكسها يكون تأثيرها سلبية.
    وهذه الاختلافات لا تعني بأن نكره ونحقد ونحسد ونظلم بعضنا البعض أو نستهزء بالذين ليسوا مثلنا وليسوا من جنسنا وأعرقنا وألستنا وندعي أفضليتنا على أسس خاطئة مبنية على هوى النفس، وقد حرمتها كافة الآديان السماوية وديننا الإسلامي الحنيف. ويمكن أن نسمي كل ذلك بالتعصب لدين أو عرق أو بالتطرف الديني والعرقي والغلو في التفكير في العمل في المجتمع وفي الدين بوجه عام، ونجد أن الدين الإسلامي هو دين الاعتدال والأمور الوسط وذلك لقوله تعالى “وكذلك جعلناكم أمة وسطًا. لذا علينا أن نحترم ونراعي حقوق وواجبات الإنسان مهما إختلفنا ومهما كانت الظروف التي نمر فيه. لقد حققت حكام وشعوب الدول الإسلامية حقوق الإنسان عندما كانوا أقوياء بأكمل وجه ولم يفرقوا بين الناس بسبب ألوانهم وألسنتهم وأعراقهم ودينهم، ولكن عندما سقطت الخلافة الإسلامية العثمانية وأصبحت قيادة المسلمين بيد الإعداء المحتلين لبلدان المسلمين، أشعلوا نيران الفتنة بين الشعوب ومزقوا الأمم وخاصة الأمة الإسلامية وأفسدوا شعبها وفرقوهم إلى طوائف ومذاهب وقوميات مختلفة فظهرت الخلافات بينهم، كما ذكرت ديننا يأمرنا أن نحترم ونراعي حقوق الأخرين، أما موضوع حب وطاعة أوامر الله تعالى ورسوله الأكرم وأولي الأمر منا، يجب أن يكون هذا الحب من أجل الله والبغض في الله له فقط. قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وعن النبي (ص) قال (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.) رواه البخاري ومسلم. وحب الله ورسوله وأصحاب لا يثير الاختلافات بين المسلمين، وانما البعيد عن الله تعالى هو الذي يكرس هذا الاختلاف ويعمقه فيجعل الإختلاف مكسبًا سياسًا له أو لإطمئنان النفس المريضة اللوامة بالسوء، وهو الذي يثير قضايا الخلاف، وأنه من الذين لهم من الخصائص الذي يتعصب لجهةٍ على حساب جهات. كما نعلم أن الإختلاف عادي وطبيعي ولكن أدخل فيها التفرقة والتعصب والتمزق والنزاعات والظلم بين الشعوب، قال تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). الإنسان يجب أن يتمتع بعقلٍ مفتوح، بعقلٍ يمكنه أن يفهم وجهة نظر الآخرين، أما التعصب فمقيت، والتعصب سبب التمزق والهلاك فقال تعالى (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، وقال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَي وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). وقال (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ). لقد قضى ديننا الحنيف كل هذه الإختلافات وجعل التقوى هو المقياس والعنصر الأساسي في الإختلاف وجعل الناس كلهم سواسية كأسنان المشط، قال النبي صلى الله عليه وسلم (الناس مستوون كأسنان المشط ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله) وقال نبينا الاكرم (ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) رواه البخاري.

    أهم أسباب الإختلافات بين الناس

    1ـ جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه: أي الإختلاف العلمي ونقص المعلومات مما يؤدي إلى عدم التواصل بشكل صحيح ثم يبتعد عن آداب الحوار وعرض الأفكار، وفي كيفية إيصال الآخر الحكمة أو الدليل المنطقي على كلامه، فالجهل أصل الخلافات، ويمكن إزالتها بالتعلم بما جاء به القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) البقرة، 213 (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ).
    2ـ الاختلاف القائم على فساد النية: التي تسيطر عليها الحسد والبغضاء والأنانية والاستكبار وحب الذات وسوء الأخلاق، فيقوم كل واحد بذم فعل الأخر أو الاستهزاء أو الاستهتار به، هذا الخلاف خلاف مذموم، دوافعه ليست أخلاقية. ويمكن القضاء عليها بالتوبة، والاتصال بالله عز وجل، وتهذيب النفس قال تعالى (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ).
    3ـ الإختلاف في التنافس: وهذا الخلاف محمود عندما يكون التنافس الشريف وعلى الحق أما إذا كان التنافس غير شريف فيكون غير محمود ويؤدي إلى المشاكل. ويزول بالمدارسة، والمناقشة، ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)، (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ). لقد حث الإسلام المسلمين على العمل والسعي والكدّ من أجل كسب الرزق الحلال وإنفاق الأموال في سبيله وعلى التقوى في الدين الإسلامي.
    4ـ الإختلاف بسبب اختلاف الأعمار وتغيّرات الذكاء والتفكير أثناء النمو العقلي بين الناس: أي أنه هناك إختلاف بين عقول النساء والرجال والأطفال والشيوخ. ولهذا أمرنا الرسول عليه الصلاة بقوله (كلموا الناس على قدر عقولهم) رواه الديلمي.
    5ـ الإختلاف بسبب وجود الأمراض النفسية والعاهات البدنية: وهذه قد تؤدي الى الكسل والخمول والرغبة في النوم الشديد وعدم التعلم وعدم العمل، مما يؤدي الى عدم تناسب الأعمال بين الصحيح والعليل، وكذلك عدم تناسب إكتساب الخبرات وتجارب الحياة، وقد يؤدي هذا الاختلاف عند بعضهم إلى أمور سلبية عند تعينهم أو استخدامهم في إدارة الأعمال. (وما يستوي الأعمى وَالْبَصِيرُ..).
    6ـ الاختلافات بسبب تبني بعض الناس الأفكار الخاطئة والعقائد الاسلامية الفاسدة وإتباعهم الأفكار العلمانية الغربية الضالة. فيخرج الإختلاف مع الذين يؤمنون بالله تعالى.
    7ـ قد تكون الاِختلافات لأسباب سياسية وذلك استغلال الانتهازيين والمنافقين وأصحاب المصالح الشخصية، فيستغلون الدين الاسلامي أو جهل وفقر المجتمع من أجل صالحه أو مصالح جماعته.
    8ـ اختلاف الناس بسبب التعصب القبلي والديني والمذهبي والطائفي والقومي والاستيلاء على السلطة: وهذا لا تتفق مع آداب الخلاف المنطقي وتفتقر للحق والعدل هنا المختلف ينظر فقط لكرسي سلطه وعرشه فتبعد أصحابها عن الحق. وقد حرمها الدين الاسلامي ومع ذلك نحن نجدها بشكل علني في كافة الدول الاسلامية ومؤسساتها الرسمية. قال رسولنا الأكرم (لاتختلفوا فإنّ مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) ، أي الاختلاف في العصبية القبلية والطائفية. وقال نبينا الأكرم فيها ( دَعُوها فإنَّها مُنتنةٌ) صحيح ابن حيان، (دعوها فأنها خبيثة). رواه البخاري.
    9ـ الإختلاف في إتباع الأهواء والنفس الأمارة بالسوء: فقد يكون الخلاف ناتج عن رغبات نفسية لدى الفرد ويريد تحقيق غرض ذاتي أو أمر شخصي يهمه ويعنيه إزاء هذا الخلاف، فبعض الأشخاص تلجأ للخلاف من أجل التظاهر بالفهم أو العلم أو الفقه والدرايه بكل شيء، إن هذا النوع من الخلاف مذموم مهما كانت أشكاله وفي مختلف صوره لأن هذه الأهواء لا تعطي صاحبها الخير.
    10ـ الإختلاف بسبب تفاوت الذكاء والاجتهاد وقصر فهم المواضيع: كما نعلم أن درجات العُقول مختلفة عند الأفراد، منهم من يمتلك عقول متميزة منهم أولي الألباب، وأولي الأبصار والراسخون في العلم والمتفكرون والمتفقهون. ومنهم من يمتلك عقول أدنى منهم، العلماء الصالحون ، والعارفون، والباحثون، والأساتذة والمرشدون. وهناك عقول مريضة أو متحجرة، وهم الذين لايريدون التّعلم والتّعقل منهم الجاهلون والمنافقون والانتهازيون والكفار والطغاة. وبسبب تفاوت درجات العقول فقال تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون). (وفوق كل ذي علم عليم)، وأمثلة على ذلك كثيرة من كيفية الصلاة والصوم واعطاء الزكاة والحج، وحتى في فهم وقبول حكمة حديث: قتل 99 نفسًا بالرغم من كونه حديثًا صحيحًا، وحديث: ليلة المعراج وفرض خمسين صلاة في كل يوم وليلة ثم تخفيفها إلى خمس صلوات في كل يوم وليلة، ولو كانا نعمل مع العقل والمنطق لكان مسح القدمين أولى من مسح الخُفين كما قال خليفتنا عمر (رض). وهناك من الناس من يردّون آيات القرآن الكريم، التي لا تدركه عقولهم فمثلاً قتل الخضر طفلاً بريئًا بدون أي ذنب اقترفه. وقتل النبي موسى رجلاً مصريًّا، وأية حرمة الربا والزواج من أربعة ونحو ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الأخرى. فالعقل البشري قد لا يستوعب الحكمة الإلهية البعيدة المدى لقصور فيه، وهذا لا يعني قصور الآيات والأحاديث.

    إختلاف الفقهاء في فروع الدين رَحْمَة

    قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ) راوه البخاري. ويقول الفقيه الدكتور يوسف القرضاوي: الاختلاف في الفروع ضرورة ورحمة وسعة وثروة فكرية، فمن رحمة الله لهذه الأمة أنه لم يضيق عليها، بل جعل هناك متسعاً للآراء ومتسعاً للأفهام المختلفة، وما يصلح لبيئة قد لا يصلح لأخرى، وما يصلح لزمن قد لا يصلح لآخر، وقد كان بعض الصحابة يفتي في القضية برأي ثم يرجع عنه، كما روي عن عمر رضي الله عنه، فقد تختلف البيئة أو الحال فيتأثر الإنسان بما يرى وبما يسمع فيغير رأيه. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في التعامل مع المخالفين، الاختلاف نوعان: نوعٌ محرمٌ مذمومٌ، وهو اختلاف التفرق الذي وقع به أهل الملل والفرق المنحرفة، كما قال تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم)، وقال أيضا (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون). والنوع الآخر اختلاف سائغٌ، وهو اختلاف أهل الحق فيما يسوغ فيه الخلاف من الأمور العلمية والعملية، وأصحابُه مأجورون على كلّ حالٍ بأجرين أو بواحد، ولكن لا ولاء ولا براء فيه، وإلا كان التعصب والتحزب المقيت. الاختلاف يكون في الخير لا في الشر، وذلك من أجل تسهيل أمور المسلمين في المسائل الفقهية. وأن لا يكون الإختلاف من أجل كسب الأموال والشهرة والمناصب. بل من أجل أن يكون معرفة العلماء نواقصهم وأخطائهم وذلك بعد الرجوع إلى المصادر الاسلامية من القرآن الكريم والأحاديث النبوية وحتى إلى الكتب الإسلامية الموثوقة. ولأجل فهم المراجع الاسلامية بحق نحتاج إلى مرشدين وعلماء أجلاء، وللمربي والمرشد والأستاذ الجيد دور كبير في التعليم الجيد. لذا يجب علينا أن نتعلم علوم القرآن من المعلم الأول محمد ﷺ ومن بعد محمد ﷺ من العلماء الصالحين، فقال الله تعالى (يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات). وقال الرسول الأكرم (العُلمَاءُ ورَثَةُ الأنْبِياء) رواهُ الأربعة، وقال أيضًا (سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى الله إليّ: يامحمد إنّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء: بعضها أضوأ من بعض فمن أخذ بشئ مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى) رواه سعيد بن السيب عن عمر بن الخطاب (رض). ومعنى اختلاف الفقهاء في الفروع رحمة وتنوع وتيسير وليس اختلاف تناقض ولا اختلاف تضاد، إنما هو اختلاف تنوع وغنى، إذا وجدت في القضية الواحدة مسائل كثيرة في الفقه، هذا من عظمة هذه الشريعة، لأن في الإنسان ثوابت ومتغيرات، الثوابت تغطيها الآيات المحكمة، والمتغيرات تغطيها الآيات المتشابهة، الآيات المحكمة لا تحتمل اجتهاداً، والآيات المتشابهة مناط الاجتهاد، والله سبحانه وتعالى جعل للمجتهد أجراً ولو أخطأ، فإذا الإنسان اجتهد وأخطأ له أجر، لا تنكر عليه، وأي اجتهاد غير يقيني، ظني الاجتهاد. ومعنى اختلاف الفقهاء في الفروع رحمة، أي أنك إذا رأيت في القضية الواحدة آراء كثيرة في مذاهب عديدة من أجل تسهيل فقه العبادات والمعاملات فهذا أمر حسن، وكل فقيه معه دليل، والدليل قد يكون قوياً فهذا من غنى هذه الشريعة. أما إذا كان الهدف من الإختلاف هو تغيير أصول الدين والعقيدة الإسلامية فهذا غير مرغوب معناه وجود نية سيئة. فقال نبينا الأكرم (إنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قبلكم باختلافهم في الكتاب) أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال (اقْرَؤوا القرآن مَا اْئتَلَفتْ عليه قُلُوبُكُم، فإذَا اْختلَفْتُمْ فَقُومُوا عنه) أخرجه البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله. ويقول عليه الصلاة والسلام: (ذروني ما تركتُكم، وَإِنَّمَا أهْلَكَ مَن كانَ قَبلَكم كَثرَةُ سُؤالِهِمْ، واختلافُهُمْ على أنبيائهم) أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة.
    كما نعلم أنه هناك أناس عندهم رغبة جامحة أن يأتي إلى قضية صغيرة في الدين, يجعلها مناط الخلاف، ويسأل، أحياناً طالب علم، يحضر مجلس علم، يسمع فكرة، يأتي إلى عالم آخر ما قولك في هذا الموضوع؟ يعطيه جواباً، يقول: فلان عكس ما قلت، أثار حفيظته، وقد يكون فهمه خاطئاً، فالإنسان يجب أن يكون همزة وصل، لا همزة قطع، المؤمن الصادق همزة وصل بين العلماء، أي يوجد أناس كثيرون جزاهم الله خيراً مهمتهم توفيقية، يقربون وجهات النظر، يؤلفون بين الدعاة، هذا عمل أساسه الإخلاص، أساسه محبة الله عز وجل، يقول عليه الصلاة والسلام. وبسبب هؤلاء تمكنت أعداء المسلمين من زرع الفتن بين المسلمين وقد بدأت أحداث الظلم بعد وفاة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بشكل بارز، من ظهور المرتدين ومؤامرة الفتنة الكبرى وقصة مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان في عهد الصحابة. بسبب تأثير عقول المسلمين بهوى النفس الأمارة بالسوء ووساوس الشياطين وأنشغالهم بالإختلافات والنزاعات والفتن السياسية وبشكل بارز ظهرت في العصر الأموي وظهور بين ثلاث فرق ومذاهب اسلامية وهم شيعة علي، وشيعة معاوية، وخوارج، والخوارج بدأ يكفر كليهما ويحلل دماءهم. وبسبب توسع نار الفتن وانتشارها إلى بقية الدّول الإسلامية ظهرت فرق مذهبية مختلفة وخاصة ظهرت في عهد الدّولة العباسية والتي معها الدّولة السلجوقية الإسلامية، فاتّخذت الوانًا جديدة من هذه الفرق لم تشهد مثلها في أيام النبي محمد (ص) ولا في عهد الخلفاء الراشدون فظهرت المذاهب الفقهية والطّرق الصوفية والفرق العقائدية وبعدها الأحزاب والجمعيات المختلفة. وقيل أن السبب الرئيسي في انتشار هذه الجماعات هو توقف الفتوحات ودخول الكثير من أقوام الدّيانات إلى الإسلام كاليهود والنصارى والمجوس والدّهريون وغيرها فأخذت تظهر أفكار جديدة صيغت من أصحاب الدّيانات القديمة، والبسوها بثوب جديد فظهرت (73) مذهبًا أو عقيدة كما جاء ذكرها في حديث الرسول (ص) وقيل أن العدد 73 يدل على الكثرة، أو أنها تدل وجود عقائد متحرفة أو خاطئة الا واحدة منهم. أما في عصرنا الحاضر فنجد ظهور الآلاف من الجماعات والأحزاب والفرق المختلفة في الدول الاسلامية منهم من يحمل الأفكار الخاطئة والعقائد الفاسدة، ومنهم من يتبنى الأفكار الغربية الضالة، ومنهم انتهازيون ومنافقون وأصحاب المصالح الخاصة يستغلون الدين الاسلامي سواء لهم او لجماعتهم فقط. ولهذا الأسباب يبدو أن جمع صفوف المسلمين وتوحيد كلمتهم أصبح من قبيل المستحيلات.

    طرق حل الخلافات

    قال تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ). وقال (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ). الكتاب والسنة هما الحكم في كل قضية. قال الله عز وجل (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). (أُولِي الْأَمْرِ) عند الإمام الشافعي هم العلماء والأمراء، العلماء يعلمون أمر الله عز وجل، والأمراء مكلفون بتنفيذه، إن اختلفتم مع هؤلاء فالمرجعية إلى القرآن والسنة، فالكتاب والسنة هما الحكم في كل قضية.

    1ـ يكون بالرجوع الى كتابه وسنة رسول الله تعالى: وكذلك يكون بتعلم العلوم النافعة وبالايمان بالله تعالى وبالتدبر وبالفراسة وبالإتصاف بالأخلاق الكريمة الفاضلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم (تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلُّوا من بعدي أبدًا: كتاب الله وسنَّتي). وعملاً في كيفية تطبيق كتاب الله وسنته بنية خالصة وبشكل صحيح يجب إتفاق المسلمين على توحيد كلمتهم في القضايا الأصولية والعقائدية. وهذا يكون بالسعي من أجل تكوين دولة إسلامية موحدة، وفيها دستور إسلامي موحد مع تولي وظائف التعليم والتربية إلى أشخاص مؤهلين وعلماء وأساتذة صالحين، وأن تتولى إدارة الحكومة أناس مخلصون ومؤهلون لا يفرقون بين الناس ولا يتطرفون في أوامر الله ولايخافون لومة لائم ولا يتأثرون بأقوال الحكام الفاسقين.
    2ـ يكون بعد القضاء على الجهل عند الناس جميعًا: ويكون القضاء على الجهل عن طريق تعلمهم القراءة والكتابة، وتعلمهم العلوم الإسلامية، وتطبيقها في الحياة اليومية. فالجهل كما نعلم هو السبب الرئيسي في جعل مثل هذه الاختلافات بين الشعوب وكذلك الجهل سبب كل المصائب والبلايا. والقضاء على الجهل يكون عن طريق الدولة بفتح المدارس والمؤسسات التعليمية الاسلامية النافعة وعندما تحرم الدولة تعليم دينهم الصحيح فعليهم بأنفسهم ويكون عن طريق الجهد والسعي الشخصي وديننا يأمرنا بذلك فقال الله تعالى (اقرأ باسمِ ربِّكَ الَّذي خلَق..) وقال (يرفعِ الله الَّذين آمنوا منكم والَّذين أوتوا العِلمَ درجاتٍ). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا).( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل ّإذا اهتديتم). وقال النبي (ص) (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) رواه البخاري. (طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم) رواه ابن ماجة، وقال (كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا ولا تكن الرابع فتهلك) رواه مسلم صححه الالباني.
    3ـ يكون بالاتحاد والتعاون بين المسلمين وبالقضاء على الخلافات البسيطة فيما بين الناس والجماعات: إذا كانوا على نية خالصة وعملوا من أجل إرضاء الله تعالى يمكن القضاء على الاختلافات الفقهية وفي الأمور العقائدية الأساسية ويكون بالرجول الى القرآن والسنة النبوية كما ذكرنا أعلاه من المفروض أن لا يكون الإختلافات البسيطة مسوغًا للتفرق والتشرذم؛ لأننا مأمورون بإتباع الشرع وقد أمرنا بالإتحاد والوحدة وبالجماعة ونهى عن التفرقة والتنازع، قال تعالى (إنّما المؤمنون أخوةٌ فأصلِحوا بين أخويكم). (ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات أولئك لهم عذابٌ عظيمٌ). (إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا لستَ منهم في شيء إنما أمرهم الى الله ثم ينبؤهم بما كانوا يفعلون). (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهبَ ريحكُم وإصبروا إنّ الله مع الصّابرين). (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرّسول) . (وإنّ هذا صراطي مُستقيمًا فاتّبعوه ولا تّتبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله). (لا ترجعوا بعدي كُفارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ) رواه مسلم. (لاتختلفوا فإنّ مَن كان قبلكم إختلفوا فهلكوا) رواه البخاري. (ليس منا من دعا الى عصبية) متّفق عليه.
    4ـ يكون في تطبيق الشورى بين المسلمين وبقبول الحوار الحضاري المتمدن: لأجل تحقيق التقارب والتجانس بين تلك الجماعات والحركات وحتى بين كافة الأديان السماوية. وأن لا نضع حواجز وسدود بين الأطراف، ولكن إذا أحسنوا العرض والحوار والاستدلال والبيان فبذلك تُصقَل الملكات وتُوضَّح المشكلات ونتقدم خطوة إلى الأمام. ويقول الدكتور صلاح الخالدي: يذكر بقول الله تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً)، ويقول: تدعو الآية أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إلى الالتقاء بالمسلمين والحوار معهم في كلمة عدل في أسس ثلاثة: عبادة الله وحده، والإيمان به إلهًا وربًّا، وعدم الشرك به وعدم اتخاذ غيره إلهًا وربًّا؛ فإن أعرضوا عن ذلك ثبت المسلمون على الحق. فإذا كانت الآية تفتح باب الحوار بين المسلمين والكافرين فإن الالتقاء والحوار بين المسلمين أوْلى، وإمكانية نجاحه أكبر، وكل ما حول الجماعات الإسلامية يوجب عليهم ذلك اللقاء والحوار. وقال تعالى (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ).
    5ـ يكون بتربية الناس على الأخلاق الحميدة والأعمال الصالحة مثل الصبر والعفو والتسامح ونحو ذلك: قال تعالى (فاصفح الصفح الجميل) أي فأعرض عنهم إعراضًا جميلاً وأعف عنهم، (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) أي أن تقولوا القول الجميل لمن أحسن إليكم تظهروا ذلك أو تخفوه أو أن تعفوا عن سوء. وقال (وجادلهم بالتي هي أحسن) وقال أيضًا (ولو كنت فظًا أو غليظ القلب لأنفضّوا من حولك). وكل هذا لا يعني أن نقبل ظلم الأعداء وقتلهم لنا ولأطفالنا ولنساءنا، فالأعداء عندما يظلمون ويقتلون المسلمين وينقضون العقود والعهود والمواثيق مع المسلمين، فلابد من الدفاع عن دينهم وأنفسهم وأرضهم وشرفهم وأعراضهم وأموالهم، وعند ذلك يكون القتال والجهاد مشروعًا وواجبًا على كل مسلم. فعلينا أن نكون حذرين ضد مكر الأعداء وظلمهم فقال تعالى (وأعدّوا لهم ما إستطعتم مِن قوّةٍ ومن رباطِ الخيلِ). وقد علّمنا الله تعالى أسلوب الدفاع فقال تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ). (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى). (فمن إعتدى عليكم فأعتدوا عليه بمثل ما إعتدى عليكم). (وَلا تَزِروا وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). وديننا الحنيف يأمرنا بعدم قتل الأطفال والنساء والرجال العزل والذين ليست لهم علاقة في الحرب وحتى يمنع قطع الأشجار وهدم المعابد ومؤسسات الدولة. ولكن الأعداء لا يحترمون القوانين الدينية والدولية فيقتلون الناس جميعاً ويهدمون البيوت وحضارات الدول من دون إستحياء.

    فوائد الاختلاف بين الناس

    فالاختلاف يُعتبر أمر إيجابي؛ حيث يرى الكثيرون في الاختلاف فوائد كثيرة ونعمة من الله تعالى أهداها إلى الناس . اختلاف الآراء يساهم في تنوير الأفراد بمعلوماتٍ كانوا يجهلونها، ويساهم في زيادة الوعي، كما أنه قد يساعد في أعلى درجاته على تصويب وجهات النظر الخاطئة، ويساعد لحل مشاكل الناس بسرعة.
    فإن القاعدة الذهبية تؤكد أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. العلاقات الإنسانية متغيرة ومتقلبة، ولا يمكن أن تستمر على وتيرة واحدة، ومن المستحيل أن تستمر على حالة الاتفاق والتوافق التام على طول الخط، فلا بد من وجود الاختلافات سواء في الرأي أو المواقف، لكن المحك الحقيقي في نجاح هذه العلاقات واستمرارها هي قدرتها على احتواء الخلافات والتغاضي عنها من أجل استمرار الحياة. وللأسف الشديد، نلاحظ حالياً أنه إذا حدث اختلاف بين شخصين يتحول إلى قطيعة تامة وتجريح وربما الرغبة في الانتقام وتدمير الطرف الآخر! لكننا لا ندرك أن الاختلاف في الرأي رحمة وخير للإنسان، لأنه يظهر لك ما لا تعرفه أو تتوقعه داخل نفوس الآخرين، وبأي شكل من الأشكال يمكن الاستفادة من هذا الخلاف والخروج بالعلاقة إلى مرحلة أقوى وأعمق.
    إن هذا التباين والاختلاف الموجود بين الناس يعود عليهم بجملة من الفوائد، شريطة التزام حدود الاختلاف وقواعدها وآدابها، فمن أبرز فوائد الاختلاف من الناس ما يلي:
    1ـ نقول لولا الإختلاف لما تم الإكتشافات والاختراعات والمهن والمهارات والميول والصناعات الجديدة، ولما تولد التعلم والطموح والتشجيع والإبداع وفتح أفاق جديدة للانسان والتحفيز على التحسين، والتي يتم إعادة بناء الأرض.
    2ـ لولا الاختلاف في الأدوار لما كانت الأسرة قد تشكلت، ولولا الاختلاف في الشخصية لما كان المجتمع موجودًا ولولا الاختلاف لما تواجدت الإختصاصات في العلوم والحياة.
    3ـ باختلاف الآراء المتشعبة سنصل الى حلول مختلفة وسريعة، فيأخذ كل صاحب رأي بما توصل له، وبما يتناسب معه. والاختلاف يكسب الأفراد القدرة العالية إلى حل المشاكل مما يزيد الثقة بالنفس وقدرته على مواجهة المشاكل والتصدي لها كما يطور مهارة إيجاد الحلول عند الأفراد. ونتوصل به على جميع الاحتمالات، به إلى مختلف الأدلة، إذا التزمت حدود الاختلاف كان له بعض الإيجابيات إذا صدقت النوايا.
    4ـ الاختلاف رياضة للذهن، ولقاح فكري خاص بالآراء فهي تجعل الانسان يتفكر في كل شيء يعطي الأشخاص ‏مجالات أوسع في التفكير من أجل الوصول إلى جميع الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول إليها.، فلا يُصاب عقله بالجمود أبدًا، ولا يقبل بأن يفكر له أحد عوضًا عن عقله، ويبتعد عن المسلمات إلا في القضايا الثبوتية، ويفتح مجال التفكير فيصل به إلى مختلف الافتراضات، التي بإمكان العقول أن تصل لها.
    5ـ الاختلاف في الرأي رحمة من الله عز وجل وحكمة إلهية فمن المستحيل حمل الناس والبشرية جمعاء على رأي واحد. ولكن عند عبادة الناس لله تعالى فيجعلهم أمة واحدة، قال تعالى (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).
    6ـ الإختلاف يعطي للأفراد حرية التفكير، ثم الثقة بالنفس، وتزداد قدرتهم على التحليل، والإتيان بالحلول المختلفة.
    7ـ لا تتحقق هذه الفوائد إلا إذا بقي هذا الاختلاف ضمن الحدود والقواعد والشروط والآداب التي يجب ‏الحرص عليها عند الاختلاف بحيث يجب مراعاتها وعدم تجاوز حدودها، ففي حال عدم مراعاتها فسوف تتحول إلى جدال ‏وشقاق وتتحول إلى ظاهرة سلبية سيئة وغير حضارية.

    والله الموفق