أزمات متجددة: إيطاليا وتحديات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي

الأحد 03 حزيران/يونيو 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

إعداد/ آية عبد العزيز
فشلت الأحزاب الإيطالية الفائزة في الانتخابات البرلمانية التي تم إجراءها في 4 مارس/ آذار 2018، في تشكيل الحكومة الجديدة؛ حيث اعترض “سيرجيو ماتاريلا ” الرئيس الإيطالي على ترشيحهم “باولو سافونا” كوزيرًا للاقتصاد لكونه من أكبر المعارضين للاتحاد الأوروبي وسياساته، خوفًا من انتهاجه في المستقبل بعض السياسات الاقتصادية الشعبوية التي من الممكن أن تضر بروما والاتحاد وذلك في إطار معاناة روما من تزايد حجم الديون بشكل غير مسبوق، فهى ثالث أكبر دين عام بلغ ما يقرب من 2.3 تريليون يورو أي ما يقرب من 2.7 تريليون دولار(1).

ويتميز اليمين المتطرف في روما، بمشاعره العدائية تجاه النخب الحاكمة، كما لديه هواجس أمنية واقتصادية من الهجرة غير المشروعة واللاجئين، علاوة على موقفهم المناهضة للعولمة، وسياسة الاتحاد الأوروبي.

إرهاصات صعود اليمين المتطرف

منذ بداية الألفية الثالثة شهدت القارة الأوروبية العديد من التحديات والأزمات على كافة الأصعدة نتيجة تأثيرها بتبعات الأزمة الاقتصادية العالمية في بالإضافة إلى تنامي ظاهرة الإرهاب العابر للحدود، واستهدافها من قبل بعض الجماعات الإرهابية، علاوة على تعرضهم لموجات من الهجرة غير الشرعية، الأمر الذي انعكس بشكل عميق على السياسات الداخلية لحكومات الدول الأوروبية التي سعت جاهدةً لتصدي هذه التهديدات عبر عدد من المشاريع الإصلاحية والسياسات الاقتصادية التقشفية.

نظرت بعض القوى السياسية إلى هذه الاستراتيجية باعتبارها أدوات لتضيق الخناق على المواطنين، فضلًا عن تعرضهم لتحديات اقتصادية تحاوزت الحد المسموح به، بدأت التيارات اليمينية المتطرفة باستغلال هذه الأوضاع لصالحها للعودة مرة ثانية للحراك السياسي بقوة متبنيةً سياسات أكثر إنغزلية للخروج من هذه الأزمات.

تجسدت هذه السياسات داخل العديد من العواصم الأوروبية في مقدمتهم روما، فقد مثلت الانتخابات الأخيرة مرحلة جديدة من الانكشاف السياسي لصعود القوى السياسة ذات التوجهات اليمينية المتطرفة والتيارات الشعبوية في إطار تراجع شعبية الحزب “الديمقراطي” نتيجة حصوله على نسبة 18.72%.

أزمات متجددة: إيطاليا
تجلت مقدمات بروزها في روما بشكل فعلي مع تقديم “ماتيو رينزي” رئيس الوزراء السابق مشروع إصلاحي في 2015 يستهدف مؤسسات الدولة للخروج من الأزمات الداخلية التي تعاني منها وتأثر بشكل سلبي على أداء الحكومة. يتضمن المشروع الإصلاحي تقليص صلاحيات مجلس الشيوخ، وحكومات الأقاليم المشاركة في عملية صنع واتخاذ القرار، لتصدي لحالات التشابك التي تنتاب عملية اتخاذ القرار من قبل السلطة الحاكمة. وعليه تم الاستفتاء على هذه الإصلاحات التي تم رفضها بنسبة 60% من قبل الإيطاليين بسبب الحملات الدعائية المضادة من قبل التيارات السياسة المتطرفة وتأتي على رأسهم حركة “خمس نجوم”، وحزب “الرابطة”، وحزب “إيطاليا إلى الأمام”(2).

مآلات فشل تشكيل الحكومة

انعكست حالة عدم الثقة التي تشهدها الساحة السياسية في روما وما أعقابها من فشل تشكيل الحكومة على الحراك الداخلي والخارجي على النحو التالي:

(1) على الصعيد الداخلي

سياسيًا؛ تخلي “جوزيبي كونتي” الرئيس الوزراء المكلف من قبل زعيما حزب “الرابطة” وحركة “خمس نجوم” لتشكيل الحكومة الائتلافية وذلك نتيجة عدم ثقة القوى السياسة في بعضها البعض وإنفراد أحدهما بتولي تلك المهمة، كما بادر “سيرجيو ماتاريلا” الرئيس الإيطالي بتعيين “كارلو كوتاريلي” المسئول السابق في صندوق النقد الدولي رئيسًا مؤقتًا للوزراء في 28 مايو/ أيار 2018 وكلفه بتشكيل حكومة جديدة لروما لإعادة النظام حتى إجراء الانتخابات بعد أغسطس/ آب 2018.

وقصد الرئيس الإيطالي بتكليف “كوتاريللي” توجيه رسالة للخارج، بأن فوز التيارات الشعبوية واليمنية لا يعني تغييرًا كبيرًا في سياسات روما الاقتصادية

وذلك في سياق حالة من الغضب والسخط من قبل القوى السياسية الفائزة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي اعتبرت هذا التحرك ما هو إلا خطوة غير دستورية من شأنها إحداث حالة من عدم الاستقرار الدستوري والسياسي. كما دعت حركة “خمس نجوم” إلى عزل الرئيس الإيطالي، والخروج في مسيرات حاشدة تبدأ من 2 يونيو/ حزيران للتصدي لهذه السياسات التي افقدتهم شرعيتهم الدستورية في تشكيل الحكومة الإئتلافية(3).

اقتصاديًا؛ وسط تكهنات بإعادة إجراء الانتخابات البرلمانية في روما، وتهديد مؤسسات التصنيف الائتماني بخفض تقييمها لإيطاليا إذا تمكنت التيارات الشعبوية من تشكيل الحكومة الجديدة تخوفًا من احتمال خروج الاقتصادي الإيطالي عن حد السيطرة، مع تفاقم أزمة الديون. ففي أعقاب إعلان الرئيس الإيطالي تعين “كوتاريلي” لتشكيل حكومة جديدة لحين إجراء انتخابات أخرى في أغسطس/آب أو سبتمبر/ أيلول 2018، ارتفعت الأسهم الإيطالية في الأسواق المالية والبنكية بشكل كبير، فضلًا عن ارتفاع سعر الصرف اليورو مقابل سعر الدولار ليصل إلى 1.17 دولار لليور بعد هبوطه إلى أقل مستوى خلال 6 أشهر الماضية.

مع تنامي حدة الغضب الداخلي بين القوى السياسية ودعتهم إلى عزل الرئيس والخروج في مظاهرات حاشدة، فتحت الأسواق في روما في 29 مايو/ أيار 2018 على انخفاض المؤشرات المالية متأثرة بهبوط بورصة ميلانو، علاوة على إرتفاع سندات الدين العام الإيطالي، بجانب انخفاض سعر الصرف العملة الأوروبية “اليورو” ليعود مرة ثانية إلى أدنى مستوياته.

على الصعيد الأوروبي؛

برغم من أن روما من أهم الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلا أن الأزمة السياسية الحالية من شأنها أن تعصف بالعلاقات بين روما وبروكسيل، فنتيجة للأوضاع الحالية تدفع التيارات اليمينية المتطرفة بإعادة النظر في علاقة روما بالاتحاد، لإنهم ينظرون بإن علاقة التكامل والإرتباط بينهم حدى من قدرة إيطاليا على حل أزماتها الداخلية. وبمناهضة سياسات منطقة اليورو وعودة التعامل بالعملة الوطنية “الليرة” يمكن أن تتجاوز روما هذه التحديات التي باتت عقبة أمام مسيرة التنمية والتقدم(4).

وهنا يثور تساؤل مهم عن مدى أهمية الاقتصاد الإيطالي لأوروبا؟ بالنظر إلى الاقتصاد الإيطالي، يعد من أهم الاقتصاديات الأوروبية؛ حيث يأتي في المرتبة 8 عالميًا من حيث الحجم، ويبلغ الناتج الإجمالي ما يقرب من تريليون دولار، علاوة على إنه الثالث أوروبيًا بعد ألمانيا وفرنسا. تتخوف العواصم الأوروبية من تنفيذ اليمين المتطرف وعوده الانتخابية باتباع سياسات أكثر شعبوية تتمثل أبرزها في خفض الضرائب، وزيادة إعانات البطالة، والنفقات الاجتماعية لمحدودي الدخل.

إذ يمكن أن تصل تكلفة هذه السياسات ما يقرب من 100 مليار يورو، بالإضافة إلى زيادة عجز الميزانية عن 3% كحد أقصى وضعه البنك المركز الأوروبي، مما يؤدي إلى عدم تمكن روما من الاستدانه لتمويله، وعليه قد تصل إلى وضع أشبه بالأزمة المالية اليونانية في 2010.

الاتحاد الأوروبي مبررًا لتنامي الشعبوية

تتباين اقتصاديات الدول الأوروبية؛ حيث الفجوة بين دول الغرب والوسط ودول الشرق والجنوب، التي ظلت واضحة في مسيرات التنمية والتقدم لدى هذه الدول، -فعلى سبيل المثال- تتمكن الشركات الكبرى في غرب أوروبا من الاستثمار والحصول على قروض بنسب فائدة منخفضة، بجانب حصولها على دعم ومساعدات من قبل الحكومة المركزية على عكس في دولة مماثلة كإيطاليا، التي يواجه فيها المستثمر عوائق كثيرة مثل زيادة نسب الفائدة على القروض، تراجع الدعم المحلي، وبذلك تصبح الصناعات أقل تنافسية وربحية عن مثيلاتها في غرب ووسط أوروبا.

وفي هذا الإطار ؛ عجزت روما عن تحسين اقتصادها وسعت للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أملًا في تحسين مستوى المعيشة والأوضاع الاقتصادية الداخلية، وعليه فقد لعب الاتحاد دوراً بارزًا في مساعدة روما للنهوض عبر منحها عدد من القروض وبالفعل تمكنت مع انتعاش اقتصادها مرة ثانية إلا إنها لم تستطيع سداد القروض ودخلت في دائرة الديوان والبالغة 250 مليار يورو.

انتهج الاتحاد سياسات مالية ونقدية ساهمت من تخفيف حدة الأزمة من خلال تجميد الديون في بداية العقد الثاني من الألفية، علاوة على حزمة من المساعدات المتعلقة بخفض النفقات واتباع سياسات أكثر تقشفًا، مما أدى إلى ارتفاع نسب البطالة لما يقرب من 11٪، كما بلغ حجم الدين الحكومي 2.6 تريليون يورو.

وعليه، تدهورت الأوضاع الداخلية وأصبحت خارج سيطرة الحكومة المركزية، مما أدى إلى صعود التيارات الشعبوية الداعمة للانفصال عن الاتحاد الأوروبي لإنه أضر بالمصلحة الوطنية لروما على حساب التكامل معه.

الأزمات الاقتصادية دافعًا للانفصال

أصبحت الأوضاع الاقتصادية الخانقة دافعًا للشعوب والقوميات للمطالبة بالانفصال عن الدولة الأم أو بالخروج من التكتلات الاقتصادية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي. تواجه روما خطر الانفصال عن الاتحاد الأووربي بتولي الأحزاب اليمينة السلطة، وتنفيذ وعودهم الانتخابية لتجنب تنامي النزعات الانفصالية الداخلية لبعض الأقاليم.

تقف روما في مفترق الطريق وعليها الاختيار بين الدخول في أزمات سياسية وما ستتبعها من أزمات اقتصادية ونزعات انفصالية داخلية، أو المواجهة سياسات الاتحاد والانفصال عنه مع تولي الحكومة اليمينة المناهضة له، للتخلص من عجز الميزانية بوقف سداد الديون للاتحاد والعودة للعملة الوطنية. كما تواجه تحدي الانفصال على النحو التالي:

الانفصال داخليًا؛ تشهد روما عددًا من الحركات الانفصالية لبعض الأقاليم مثل “مقاطعة جنوب تيرول في إيطاليا” التي تقع في شمال إيطاليا وهي جزء من منطقة “ترينتينو”؛ حيث يحذوا سكان جنوب التيرول حذو اسكتلندا، في الرغبة في الانفصال عن إيطاليا، نتيجة ما تعانيه روما من أزمات اقتصادية فضلًا عن تأثرهم بالسياسات التقشفية التي أدت إلى إنها لم تعد تتلقى العائدات الضريبية المخصصة لها.

هذا بجانب تأثير الهوية التي امتزحت بالعوامل الاقتصادية؛ حيث يتحدث معظم سكانها الألمانية، بينما الربع فقط يتحدثون الإيطالية، وهناك القليلون ممن يتحدثون لغة لادن، كانت في السابق جزء من النمسا، ولكن بعد الحرب العالمية الأولى تم ضمها إلى إيطاليا وفقا لمعاهدة “سان جيرمان”(5).

الانفصال أوروبيًا؛ من المتوقع أن تُطالب روما مساعدة الاتحاد للتخلص من عبئ الديون، ولكن في ظل الأوضاع الراهنة لن يستطيع الصمود كثيرًا خوفًا من التضخم وعودة الأزمات الاقتصادية في باقي دول الاتحاد نتيجة انهيار قيمة العملة الموحدة، وعليه سيكون الخيار الإيطالي للمواجهة هو فرض ضرائب على حركة الصادرات والوردات بين الدول الأوروبية، واتباع سياسات حمائية على غرار ما قام به الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” مما سيؤدي إلى الانقسام داخل الأوساط الأوروبية، وستكون مرحلة مفصلية لانهيار الاتحاد، وفي حالة رفض الاتحاد التعامل بكفاءة وفعالية من المتوقع أن تُطالب الحكومة الإيطالية الجديدة بعمل استفتاء شعبي للخروج من الاتحاد مثل بريطانيا لتصدي لخطر الإفلاس(6).

ختامًا؛ برغم من حالة التفاؤل الحذر التي تشهدها روما في أعقاب تكليف “كوتاريلي” تشكيل حكومة ائتلافية، إلا إنه من المتوقع إنه لن يحظى بثقة البرلمان لسيطرة اليمين المتطرف عليه، وفي هذا السياق سيدعو الرئيس الإيطالي إلى انتخابات مبكرة في غضون الأشهر المقبلة لتجنب حالة الفوضى، وهناك تخوف داخلي وخارجي أن تنتج هذه الانتخابات نفس القوى السياسية، التي ستحول الانتخابات إلى استفتاء على بقاء في الاتحاد، الأمر الذي يحمل في طياته انهيار الوحدة الأوروبية بانفصال إيطاليا بعد بريطانيا، وستكون ذريعة للقوميات للمطالبة بالانفصال عن الدول الأم(7).

المراجع:

1) ” أزمة إيطاليا السياسية ترفع الأسهم الأوروبية”، سكاي نيوز عربي، 28 مايو 2018. الرابط

2) أحمد حسين، الانتخابات البرلمانية الإيطالية وصعود اليمين الشعبوي”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مارس 2018. ص 1 وما بعدها.

3) ” هل تغرق إيطاليا في أتون أزمة دستورية؟”، روسيا اليوم، 28 مايو 2018. الرابط

4) ” لماذا يهز اقتصاد إيطاليا أسواق العالم؟”، سكاي نيوز عربي، 28/5/2018. الرابط

5) آية عبدالعزيز، ” خيارات حاسمة.. أسباب تنامي النزعات الانفصالية”، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 26 سبتمبر 2017. الرابط

6) ألكسندر نازاروف، ” عجز البريكست عن تفكيك الاتحاد الأوروبي.. فهل تفعلها الحكومة الإيطالية الجديدة؟”، روسيا اليوم، 29 مايو 2018. الرابط

7) ” ذعر أوروبي من “إيطاليكزت”.. و”انهيار اليورو””، سكاي نيوز عربي، 29 مايو 2018. الرابط
المصدر/ المركز العربي للبحوث والدراسات



الكلمات المفتاحية
إيطاليا الاتحاد الأوروبي

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.