الخميس 9 فبراير 2023
6 C
Baghdad

“آسيا جبار” .. الكتابة لديها مرآة تتعرف فيها المرأة على ذاتها 

0

خاص : كتبت – سماح عادل :

هي أكاديمية، وكاتبة، وروائية، ومخرجة جزائرية.. اسمها الحقيقي “فاطمة الزهراء إيمالايان”، ولدت عام 1936 في “شرشال” غرب الجزائر العاصمة.. درست في المدرسة القرآنية في المدينة ثم التحقت بالمدرسة الإبتدائية الفرنسية في مدينة “موزاية” ثم “البليدة” ثم العاصمة الجزائر.. كان والدها معلماً وشجعها على استكمال دراستها في فرنسا.. وقد شاركت في إضرابات الطلبة الجزائريين المساندين للثورة الجزائرية ولاستقلال الجزائر هناك.

حياتها..

في 1958 تزوجت الكاتب “أحمد ولد رويس”، الذي ألف معها رواية (أحمر لون الفجر)، وانتقلت للعيش في سويسرا، ثم عملت مراسلة صحافية في تونس، وانتهى زواجها بالطلاق عام 1975.. لم تزر الجزائر سوى مرة واحدة، خلال النزاع الدامي الذي شهدته التسعينيات بين قوات الأمن والجماعات الإسلامية المسلحة، لتشييع جنازة والدها. وتزوجت “آسيا جبار” من جديد من الشاعر والكاتب الجزائري “عبد المالك علولة”.

الكتابة..

مارست الكتابة الأدبية والمسرحية والإخراج السينمائي.. نشرت أول أعمالها الروائية باسم (العطش) عام 1957، وهي لم تتم العشرين من العمر، ثم رواية (نافذة الصبر) 1958.. وبعد استقلال الجزائر كانت “آسيا جبار” تقوم بتدريس مادة التاريخ في جامعة الجزائر، وتعمل في جريدة “المجاهد”، بالإضافة إلى اهتمامها بالمسرح والسينما.

خلال عام 1980 هاجرت إلى فرنسا، وبدأت بكتابة رباعيتها الروائية المعروفة، واختارت شخصيات رواياتها من العالم النسائي فمزجت بين الذاكرة والتاريخ.. من رواية (نساء الجزائر) إلى رواية (ظل السلطانة) ثم (الحب والفنتازيا) و(بعيداً عن المدينة). في أوج الحرب الأهلية التي هزت الجزائر كتبت روايات أخرى منها: (الجزائر البيضاء) و(وهران.. لغة ميتة). ومن أجواء الحبّ المتخيّل، كتبت رواية (ليالي ستراسبورغ).

مشروعها الروائي الخاص قائم على “إعادة كتابة القرن العشرين كتابة مؤنثة”.. تُعتبر “آسيا جبار” أشهر روائيات الجزائر ومن أشهر الروائيات في شمال إفريقيا، تم انتخابها في 2005 عضواً في “أكاديمية اللغة الفرنسية”، وهي أعلى مؤسسة فرنسية تختص بتراث اللغة الفرنسية، حيث تعتبر أول شخصية من بلاد المغرب العربي والعالم العربي تصل إلى هذا المنصب.. وخلال أكثر من ستين عاماً، كتبت “آسيا جبار” أكثر من عشرين رواية ومسرحية وديوان شعر؛ ترجمت إلى 23 لغة.

نجاحات متواصلة..

كانت “آسيا جبار” أول امرأة جزائرية تنتسب إلى “دار المعلمين” في باريس عام 1955، وأول أستاذة جامعية في الجزائر ما بعد الاستقلال في قسم التاريخ والآداب، وأول كاتبة عربية تفوز عام 2002 بجائزة “السلام” التي تمنحها “جمعية الناشرين وأصحاب المكتبات” الألمانية، وقبلها الكثير من الجوائز الدولية في إيطاليا وأميركا وبلجيكا، وفي 2005 انتخبت بين أعضاء الأكاديمية الفرنسية لتصبح أول عربية، وخامس امرأة، تدخل الأكاديمية.

السينما..

قامت “آسيا جبار” بإخراج عدد من الأفلام التسجيلية في فترة السبعينيات، منها: (الزردة وأغاني النسيان) 1978، وفيلم روائي طويل للتليفزيون الجزائري باسم (نوبة نساء جبل شنوة) 1977.. وحصلت على جوائز عدة عن أفلامها، التي قدمتها متوجهة من خلالها للجمهور الأميركي توصل رسالتها عن طريق السينما، حيث فاز أول أفلامها (نوبة نساء جبل شنوة) للعام 1979 بالجائزة الدولية في مهرجان “البندقية”، أما فيلمها الثاني (الزردة وأغاني النسيان)، وهو عبارة عن توثيق لطبيعة الحياة في المغرب العربي في النصف الأول من القرن العشرين، فقد فاز بجائزة أفضل فيلم تاريخي في مهرجان “برلين” السينمائي.

فرنسا والأدب الفرانكفوني..

في حوار مع “آسيا جبار” في صحيفة (البيان) الإماراتية، تقول عن هجرتها إلى باريس: “لم أذهب إلى باريس إلا في عمر الأربعين، وقد درست فيها. ولكنني أحتفظ بمسافة من المجتمع الفرنسي الذي لا أمتلك منه سوى اللغة التي أصبحت أرضي الوحيدة في نهاية المطاف. وعلى الرغم من أنني استخدم اللغة الأجنبية كما يقال إلا إنني طرحت من خلالها علاقتي بتاريخي وهويتي ومحظورات المجتمع الجزائري وغيرها من الأسئلة الساخنة. لقد دفعنا ثمناً غالياً من أجل الاستقلال الذي تحول إلى مجرد ذاكرة ووشم للثورة والمعارك”.

وعن نظرة الفرنسيين للأدب الفرانكوفوني، تقول “آسيا جبار”: “لا يرى النقد الفرنسي في كتابات الأدباء (الذين استعمروا سابقاً) غير مفاتيح للتفسير السوسيولوجي المباشر. وكان علي وأنا أستغرق في سيرتي الذاتية أن أعبّر عن خصوصيتي الجزائرية وأعمل جاهدة على إخراج هذه اللغة من ظلالها الثقيلة وماضيها المثير في الجزائر. ولكني أعتبر أن مهمة الكاتب هي مهمة اللغة بالدرجة الأولى. هذه اللغة في الأربعين عاماً العنيفة التي أطلق عليها (حرب الجزائر الأولى) لم تتقدم إلا على طريق الدماء والمجازر والاغتصاب. والمجتمع الجزائري شأنه شأن جميع مجتمعات الجنوب والبحر الأبيض المتوسط يتميز بتقاليده الإسلامية وثقافته الأندلسية التي تمثل خليطاً من الثقافات. أما القرن التاسع عشر فكان قرناً تدميرياً في الجزائر لأنه شهد على حروبه. وعانى المجتمع الأمرين، أولاً باستعمار فرنسا للبلد، وثانياً بقيام هذا المجتمع بتضييق الخناق على أبنائه؛ وخاصة النساء اللاتي حجزهن في عزلة قاتلة داخل جدران البيوت. كانت النساء الجزائريات يعشن في الثلاثينيات والأربعينيات مثلما صورهن الرسام (يوغين ديلاكروا) في لوحاته الاستشراقية في البيوت المغلقة والأزمنة المؤجلة. عندما بدأت الذهاب إلى المدرسة الفرنسية عشت بين عالمين عالم المستعمر وعالم الانغلاق”.

وعن السينما تقول “آسيا جبار”: “عبر السينما وتصوير الريبورتاجات كنت أشعر بالحاجة إلى التواصل مع الفلاحين والقرويين المنحدرين من أصول متنوعة. وبعد أثنى عشر عاماً على الاستقلال عدت إلى قبيلة الأم، الحاضنة الأولى لكل أفعالنا”.

وعن الكتابة باللغة العربية تقول: “كتبت أربع روايات خلال عشرة أعوام من عمر العشرين إلى الثلاثين. وكنت حينها روائية وجامعية. وفي تلك الفترة، تساءلت فيما لو كان من الممكن أن أكتب بالعربية لكنني وجدتها معقدة وتحتوي على لهجات متعددة على الرغم من أن كاتباً سودانياً يُمكن أن يُقرأ من قبل مغربي أو عراقي. وقد أثرت الأفلام المصرية في نسائنا، فهن في القرى الجزائرية يعرفن الرقص والغناء المصري. ويفهمن اللهجة المصرية كما لو عشن هناك. للأسف الشديد استعنت كثيراً باللغة اللاتينية واليونانية وكانت اللغة العربية بالنسبة لي لغة ميتة على الرغم من دراستي للقرآن”.

إشكالية اللغة..

عبر حوار لها مع صحيفة (ورلد بوليسي)، أجراه “ديفيد أ. أندلمن” رئيس تحرير الصحيفة، نشر بجريدة (القاهرة) 2015، تقول “آسيا جبار” عن إشكالية اللغة: “ولدت في الجزائر في وقت كانت مستعمرة فرنسية. والدي كان معلم لغة فرنسية. في الحقيقة، كان جزائرياً يتحدث بالعربية في المنزل، وفي الوقت نفسه معلماً يُدرس الفرنسية للطلبة. في البداية، كنا نعيش في قرية صغيرة نائية وسط الجبال. هناك كان والدي يعلم الفرنسية. ولقد تعلمنا الحديث والكتابة بها في المدرسة. ولكن في المنزل، عندما تتحدث أمي بالعربية، كان جميعنا يتحدث بها. أما بخصوص العربية أدبياً، فهي لغة القرآن. وفي ذلك الوقت، كان من النادر أن تجد أحد في بلدتنا يمكنه الكتابة بها. بعد ذلك، عندما بدأت أسافر لبلدان أخرى، وجدت أن الوضع عندنا مشابه لما عليه الحال عند جيراننا في تونس والمغرب. باستثناء أنهما كانتا أكثر استقلالية عن فرنسا من الجزائر التي كانت تحت سيطرة حازمة كمستعمرة فرنسية حقيقية. فدخولك المدارس كان يعني أنه لا مفر من تعلم الفرنسية”.

وتضيف: “بعد الاستقلال بدئوا في تعليم اللغة العربية بالمدارس. ولكنهم استمروا أيضاً في تعليم الفرنسية.. لماذا ؟.. لأنهم وجدوا أن العربية يمكن التحدث بها بين الناس في الشارع أو على المقاهي. ومن ناحية أخرى، فهي تمكننا من التواصل مع باقي الدول العربية. ولكنهم في الوقت نفسه أدركوا أنه تعلم الفرنسية يعني القدرة على التواصل مع العالم، العربية كما هو الحال مع الفرنسية، لديها فروقها الدقيقة. فاللغة العربية ثرية للغاية. ويمكنك اللعب بتعبيراتها بنفس الدرجة التي يمكنك فعل الأمر ذاته مع الفرنسية. كلاهما لديه طبيعته الخاصة. عند الحديث إلى مجموعة من العرب، يمكنني الشعور بأن العربية معاصرة جداً، وليست ميتة كما يدعي البعض. الأمر لا يتعلق فقط بالفروقات الدقيقة، ولكن له علاقة باستخدام اللغة على عدة مستويات مجتمعية”.

وعن تفضيلها للكتابة بالعربية أم الفرنسية تبين “آسيا”: “الفرنسية بالتأكيد.. فلغتي العربية بدائية للغاية. في الوقت الذي ولدت فيه، كان النخبة من المسلمين الجزائريين يرسلون أولادهم للمدارس لتعلم الفرنسي كي يتمكنوا من أن يصبحوا أساتذة في الجامعة أو أطباء. الآن، بدئوا في تعليم اللغة العربية الفصحى، لذا، فالفجوة بين استخدام اللغتين في المجتمع الجزائري آخذة في التقلص”.

الهوية والمرأة..

خلال دراسة بعنوان: (الهوية والمرأة في أدب آسيا جبار.. تفكيك النسق وكسر المحظور)، للباحث الجزائري “بولفعة خليفة”، يقول فيها: “تعمل آسيا جبار باستمرار على إثارة موضوعات مهمة في أدبها في ما يخص الكتابة والهوية. ظهرت في كتابتها في ثنائيات عدة، مثل لغة الكتابة، اللغة الأجنبية، واللغة الشفاهية، الجسد والحجاب. ركزت على أهمية العلاقة بين الكتابة والمرأة، الصوت والجسد، صوت الأجداد والوصاية الأبوية، وهو ما جعلها تعتبر اللغة الشفوية رمزاً للتعبير عن هويتها، وقلعة تحتمي بها ضد المجتمع الذكوري. كما حاولت في كتابتها، بصفة خاصة على إعادة النظر في صورة المرأة كما أوردها المؤرخون المسلمون، متهمة إياهم بعدم الموضوعية في هذه القضية”.

ويواصل: “جعلت آسيا جبار من إشكاليات اللغة والمرأة ولغة الجسد تيمات أساسية للتعبير عن الهوية في أدبهـا، فتشكلت لديها ثنائيات عدة تؤسس منظومتها الإبداعية والسردية: (اللغة /الهوية، المرأة /الكتابة، اللغة /الجسد، الكتابة /الحريـة، لغة الأم /اللغة الأجنبية، الكتابة /الشفاهية). نددت من خلالها بالسلطة الأبوية والمجتمع الذكوري المهيمن، الخانق لصوت المرأة وروحها، حسب توصيفها وعبر هذا التوجه الجريء، تمكنت من التخلص من النسق التقليدي المعتمد على النقل الفج للواقع، والتحرر من الأعراف التقليدية الناتجة عن عمليتي النقل والتثاقف، لتصل إلى مرحلة مـن التأسـيس والتأصيل، معتمدة على إعادة النظر في مقولات التاريخ الجزائري والإسلامي حول المرأة وصورتها ودورها في صناعة التاريخ. ثم جاءت كتابتها باللغة الأجنبية عاملاً مساعداً للانفتاح على الحداثة الغربية في أصولها، وهو ما جعلها تخلق فضاء للكتابة والبوح وكسر المحظور وتفكيك الأنساق، وملأ الفراغات ومساحات الصمت المتروكة. وذلك لأن الكتابة بالنسبة للمرأة الجزائرية، حسب رؤيتها، تصطدم بعدة حواجز اجتماعية وثقافية ودينية داخل مجتمع ذكوري متحكم، لا يمكن التعبير عنها إلا بهذه الأداة. وهذا ما دفعها إلى ترويض هذه اللغة وصبغها بصبغة أقرب للمحلية منهـا للباريسية، فعبرت بها عن قضايا إنسانية وحضارية، بعد أن ظل النقد الفرنسي يعتبر الكتابة الفرانكفونيـة فـي الـدول المستعمرة مجرد كتابة وثائقية محصورة في مجال الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية”.

الكتابة والجسد..

عن تجليات الهوية في أدب “آسيا جبار” يضيف الباحث: “يعتبر استيعاب الموروث الحضاري واستلهامه، وتمثله، وإعادة إنتاجه وفق السنن الثقافي والحضاري في الخطاب الروائي عند آسيا جبار، السمة المميزة لتجليات الهوية، خاصة عند قيامها بالحفر في الذاكرة الجماعية و(سبرها) بحثاً عن هوية متعددة في امتدادات الأصول المحددة للمكونات الأساسية للانتماء والهوية. إذ يتم التركيز على إدراك معالم واضحة فيها لتجاوز ما تراه استلاباً ثقافياً. وهو ما جعلها تسعى دوماً إلى الجمع بين الجانب التأصيلي والجانب الإبداعي، من خلال إعادة قراءة التاريخ قراءة تفكيكية. وبالرغم من بعض تصريحات آسيا جبار المثيرة للجدل في الصحف حول الهوية واللغة العربية خاصة في حوارها مع (البيان الإماراتية): “اللغة البربرية في المغرب لها حضور أكثر قدماً من اللغة العربية، لأنهـا دخلـت مع القرآن والإسلام إلى مناطق البربر الجبلية، إذ لا تزال منطقة القبائل الكبيرة لا تتكلم إلا باللغة البربرية فقط”، وهو ما جعلها تعترف في نفس السياق بأنها حاولت في البداية الكتابة باللغة العربية، ولكنها عدلت عن ذلك لأنها وجدت اللغة العربية لغة جامدة أو شبه ميتة مما يجعل البعض يعتبرها أمازيغية أكثر منها جزائرية بسبب هذه النظرة الإقصائية. وهي وجهة نظر تختلف تماماً عما توحي بها أعمالها الإبداعية. فهي لا تنكر هويتها المتعددة، إذ تعتبر اللغة العربية بعداً مهماً في تحديد هويتها الثقافية، إضافة إلى الأمازيغية أو العامية لغة الأم: حقيقة المرأة الأولى تتمثل فـي صوتها، إذ أن الصوت لا ينفصم عن روح المرأة الجزائرية، لأنها تتوفر على أربع لغات للتعبير عن رغبتها: اللغـة الفرنسية للكتابة المحظورة، اللغة العربية للصلاة والدعاء، واللغة الأمازيغية للتواصل مع الأمهات والجدات، ولغـة رابعة هي لغة الجسد التي تمكن الجسد من التخلص من الحظر والاحتجاب”.

ثنائية الكتابة والجسد..

يتناول الباحث أدبها بالتحليل، يقول: “تبدو ثنائية الكتابة والجسد، الكتابة والمرأة، عند آسيا جبار ذات علاقة وثيقة بأعمالها الإبداعية، ووسيلة للتعبيـرعن الهوية: الكتابة هي الصوت الأمثل للكشف عن روح المرأة والتعبير عن جسدها، ففيها تتملى نفسها عبر خطوطهـا ومنحنياتها، أكثر من أي صوت آخر وهذا يعني أن الكتابة الإبداعية بالنسبة لآسيا جبار مرآة ترى فيها الأنثى حقيقتها المغيبة التي تقمعها الوصاية الاجتماعية الذكورية. وللغة التعبير عن الحب والعواطف شأن آخر عند آسيا جبار، بحيث أن اللغة الفرنسية التي منحتها الكثير مـن الكنوز، ومكنتها من التحرر الثقافي والاجتماعي، وأخرجتها من دائرة الحريم، أصابتها بلوثة سببت لها عقما عاطفيا أسمته (الحبسة العاطفية) وهي حالة يصاب بها الإنسان المعبر عن مشـاعره العاطفيـة بغير لغة الأم، فتتحول إلى ما يشبه حبسة اللسان عند من يعانون صعوبة النطق. وبذلك تقر على لسان راويتها بعجز هذه اللغة في الكشف عن جوهر مكنوناتها العاطفية، وتعترف: أنها منذ زمن طويل، لم تستطع التفوه ولو بكلمة عاطفية واحدة باللغة الفرنسية، وهو ما انعكس سلباً على قواها الغريزية الأنثوية المتحفزة، وجعلها تفشل في إثـارة عواطـف الطرف الآخر، حتى في ذروة توهج أحلامها المراهقة. ولازمتها هذه العقدة التي ظلت تقاومها دون جدوى: اسـتطاعت اللغة الفرنسية أن تمنحني كل كنوزها الثمينة، ولكنها فشلت أن تمنحني كلمة حب واحدة تعبر عن قلقـي العـاطفي.. وانتابتني بسبب ذلك حالة من التوحد كتمت تحفزاتي الأنثوية، وأحدثت في أعماقي صدمات مدوية. وهذا ما جعلها تشعر بهذا الفراغ الرهيب في داخلها، فراغ ناتج عن افتقار أداتها التعبيرية للغـة الأم. وتندب حظها في عدم تمكنها من لغة الأم الضائعة (…) ما هي لغتي المفقودة التي تركتني على الرصيف وانفلتـت.. وحلـت مكانها اللغة الفرنسية.. التي أزاحتها ووصفتها بالأم الشرسة فأصبحت مثل اليتيمة التي فقدت الدفء العائلي: “وجدت نفسي محرومة من أغاني الحب العربية، وهو حرمان جعلني أشعر بالحنين إلى هذه اللغة التي لم أتمكن مـن إتقانهـا بالرغم من قراءتي للقرآن في صباي. وزاد من صعوبة ذلك، إقصاؤها من اللغة الشـفوية، لغـة الطفولـة والأمومـة والمشاعر والحب”. وكان لهذا الحرمان أثره البارز في أعمالها الإبداعية فبرزت لديها ثنائية الشفهي والكتابي، وهي ظاهرة تعكـس مرجعيتها الإبداعية. إذ يتمثل الجانب العاطفي في لغة الأم، والجانب الثقافي في اللغة الأجنبية. وانعكست هذه الظـاهرة في طريقة كتابتها، خاصة عند ممارستها التلاعب بالكلمات التي تذكرنا بجانب مهم في إيقاعية اللغة العربية وتقابلاتهـا الصوتية والدلالية، حيث تتميز بالتشابه الصوتي والاختلاف الدلالي، ومن هنا ترى أن الكتابة بغير لغة الأم، تجعل الكاتب يشعر بأنه يعيش في المنفى”.

أعمالها الروائية..

“العطش”، 1953

“نافذة على الصبر”، 1957

“أطفال العالم الجديد”، 1962

“نساء الجزائر”، 1980

“الحب والفانتازيا”, 1985

“ظل السلطانة”, 1987

“بعيدا عن المدينة المنورة”, 1991

“السجن الواسع”، 1995

“الجزائر البيضاء”, 1996

“وهران… لغة ميتة”, 1996

“ليالي ستراسبورغ”, 1997

“امرأة لم تدفن”, 2002

“امرأة بدون قبر”, 2002

“لا مكان في بيت أبي”، 2007

“نسوة الجزائر في بيوتهن”، 1980، كتاب.

وفاتها..

أقامت “آسيا جبار” في فرنسا حتى وفاتها عام 2015، عن عمر يناهز 79 عاماً في إحدى مستشفيات باريس، ودفنت في “شرشال” مسقط رأسها بناء على وصيتها.