مع تزاحم الاحداث وارتفاع الصوت الطائفي الذي طرق ابواب مجلس النواب واصبح كبيرهم الذي يقود من يوصفون بممثلي الشعب، ينحاز لطائفته ويتخلى عن قسمه وكأن مهمته الدفاع عن مكون ضمن خارطة البلاد المزدحمة بالطوائف، وليس الخروج بقرارات تخدم الجميع وتوفر الحماية للمواطن بغض النظر عن هويته.. تذكرت قصة من زمن التسعينيات حينما كان الحصار يأكل جيوب العراقيين وحتى اثاث منازلهم وبعضٍ من كرامتهم، فصولها نسجت بعد ليلة من “حيلة” هبوط الاسعار التي ضربت البلاد وأصابت اصحاب الاموال والتجار بصدمة وضخت الدماء بوجوه الفقراء لايام معدودات… حينها كان جارنا الملاصق لمنزلنا يعمل بتجارة الاثاث وتلقى صفعة قوية من هبوط الاسعار انتهت بخسارة كبيرة وديون ينتظر اصحابها السداد باسرع وقت، وحتى يخرج من ازمته قرر بلحظة مفاجئة بيع المنزل قبل استمرار مؤشر الاسعار بالانخفاض، حاول الجيران ومنهم عائلتنا التي كان يقودها جدي (رحمه الله)، اقناعه بالتراجع لكنه تمسك بموقفه والسبب، جميع الابواب اغلقت بوجهه.
علاقتنا بجارنا لا يمكن اختصارها بعنوان الجيران، بل كانت روابطها اعمق وتكاد تقترب من العائلة الواحدة، لاننا كنا نتشارك الكثير من المواقف بينها ايام حرب السنوات الثمان مع جارتنا ايران، التي فتحت عيني بعد ثلاث سنوات على انطلاقها فوجدت جدارهم يستند على جدار بيتنا، وشاهدت جارتنا (ربة البيت) كيف تتقاسم معنا “تنور الطين” وارغفة الخبز الحار، وحينما كبرنا سويتنا مع ابنائهم (ثلاثة اولاد وثلاث بنات).. كانت اسوار السطح المتقاربة ملاذنا الوحيد في اللقاء واللعب خلال ساعات الظهيرة واحيانا عند الساعات الاؤول من المساء، وخاصة حينما نمنع من مغادرة المنزل بحسب لائحة التعليمات العائلية في وقتها، ومازلت اتذكر ملامح الحزن التي ترتسم على وجه جارتنا وهي تسترسل في حديثها عن (ابي) الذي ابتلعته حرب الثمان سنوات..
وحتى لا نبتعد عن قصتنا نعود لتلك الليلة التي قرر جارنا بيع منزله، التي تسارعت خلالها عقارب الساعة، وفشلت محاولات دفعه للتراجع.. ليخبر الجميع بان عملية البيع تمت ولا مجال للتراجع، حاولنا عدم تصديق كلامه، لكن وصول السيارة المخصصة لنقل اثاثهم انهت الشكوك وأثبتت الحقيقة، فوجدنا انفسنا وبشكل لا أرادي ننقل اغراض المنزل “لحوض” السيارة ونستذكر معاً اجمل المواقف التي عشناها سوياً مرة بالبكاء ومرة بالضحك، حتى نفذت جميع الاغراض وحانت ساعة المغادرة.. ولان… منزل جارنا الجديد لا يبعد عنا سوى دقائق معدودات تمسكت بالذهاب معهم لمساعدتهم وحينما شاهد جارنا اصراري ورغبة اولاده بمرافقتهم نجح باقناع اهلي بالذهاب معهم بعد تعهده باعادتي للمنزل بنفسه..
وصلنا للمنزل الجديد واكملنا ترتيب الاثاث والاغراض وحانت ساعة مغادرتي فامتزجت دموعنا وتشاركنا لحظات البكاء فهي اول ليلة سيكون فيها منزل جارنا مظلماً، سارعت بالمغادرة مع والدهم حتى لا يخلف بعهده الذي قطعه لعائلتي، وقبل توديعهم اتفقنا على زيارتهم في اليوم التالي لاكمال ترتيب ماتبقى من الاثاث، لكنها بالحقيقة كانت حجة للبقاء بالقرب منهم، وصلت لمنزلنا ولدى دخولي توجهت للفراش لانني كنت اعتقد بان النوم سيزيح الحزن وسيوقف دموعي التي عجزت عن السيطرة عليها، لكن ماحصل العكس، لان والدتي اخبرتني حينما استيقظت صباحا، باني لم اتوقف عن البكاء طوال الليل.
استمرت زيارتي اليومية لجيراننا بمنزلهم الجديد لفترة ليست بالقليلة، لكن الظروف التي كانوا يمرون بها وبسبب انتقالهم لمنزل اخر تحولت تلك الزيارات الى لقاءات متقطعة، حتى مرت الايام والسنين وتقدمنا بالعمر وباعدتنا المسافات واصبحت “الصدف” تجمعنا، لكننا لانزال نحتفظ بالمواقف الجميلة وذكريات العمر التي عشناها معاً، وحينما نتحدث عن المعنى الحقيقي للجيران لا يمكننا تجاوز ذكرهم..
الخلاصة:.. جارنا الذي تشاركنا معهم سنوات الحصار وايام الفرح والحزن وسنوات القحط والحروب… (من عشيرة الدليم).. لكننا لم نشعر ابداً باننا من طائفتين مختلفتين، هكذا عشنا وهكذا سنبقى، ولن تنجح محاولات اصحاب الفتن ورايات الارهاب بتفتيت تعايشنا..
حسن حامد سرداح