حين تتحوّل الألوان الملكية إلى دماء على وجه السلطة
إعداد وقراءة نقدية: عماد آل جلال
مقدمة
تقدّم رواية “زمن الأرجوان” (2024) لأمجد توفيق نصاً روائياً واقعياً يتماهى بعمق مع الراهن العراقي، لكنه لا يكتفي بتوثيق الأحداث، بل ينفتح على أفق رمزي يمنحه بعداً إنسانياً وفلسفياً. من خلال صراع الصحفي آدم الفراتي مع السياسي الفاسد مسعود الأرجوان، تتشكل شبكة من الرموز التي تعكس جدلية السلطة والحقيقة، والحب والفساد، والحياة والموت.
الأرجوان – قناع السلطة الملطخة
الأرجوان لون ملوكي تقليدياً، ارتبط عبر التاريخ بالترف والهيمنة. في الرواية، يتحول إلى رمز للدم والفساد، مجسداً في شخصية السياسي مسعود الأرجوان، الذي يوظف الإعلام والمال لتلميع صورة مزيفة.
“بعض الألوان حين تلمع على جدران القصور، تخفي وراءها رائحة الدم في الأزقة البعيدة.”
الأرجوان هنا ليس شخصاً فقط، بل هو استعارة عن منظومة كاملة من السلطة الملوثة التي تتجمل بطلاء فخم لتخفي قبحها.
آدم الفراتي – الفطرة في مواجهة الأفعى
اسم “آدم” يحيل إلى الإنسان الأول، النقاء والعفوية ، بينما يرتبط لقبه “الفراتي” بالماء والنماء والحياة. بهذه الرمزية، يصبح آدم الفراتي تجسيداً للصحفي النزيه الذي يواجه الأفعى، رمز الفساد، بالكلمة لا بالعنف.
“بلا خوف لا تكتمل الشجاعة… والحق لا يُقال إلا إذا كان السيف على رقبتك.”إنه صورة الضمير الإنساني الذي يدرك أن الشجاعة لا تكتمل إلا بوجود الخوف.
ميادة – الحب كقوة مضادة للفساد
ميادة ليست بطلة رومانسية فحسب، بل شريكة نضال، تعمل داخل مؤسسة إعلامية يملكها الأرجوان ثم تتمرد عليه.
“بعض اللقاءات ليست قدراً عابراً… إنها مصادفات تصنع في القلب وطناً.”
هي رمز للمجال العام النظيف الذي يمكن أن يولد حتى في بيئات مسمومة، وصوت الحرية الذي يوازي صوت الحقيقة.
الكلمة – السلاح النظيف
يضع الكاتب الكلمة في موضع السلاح المقدس: ليست زهرة ولا نهراً ولا سماً، لكنها كل ذلك في آن، وسرها في صدقها.
“الكلمة أسيرة الرجل، فإذا تكلم بها صار في وثاقها.”
في بعدها الرمزي، تمثل الكلمة الأداة الأخلاقية الوحيدة التي يمكنها مقاومة أدوات السلطة من مال وإعلام وعنف، لكنها أيضاً قيد يلتزم به من ينطق بها.
تشرين – الجذور التي لا تُقتلع
انتفاضة تشرين، كما تظهر في الرواية، ليست حدثاً سياسياً فحسب، بل رمزاً لشجرة ذات جذور عميقة، لا تقهرها الرياح.
“الريح لا تقوى على الشجر ذي الجذور العميقة… أما العشب، فيسقط مع أول هبة.”
تمثل الحضور الشعبي الذي قد يخسر الأفراد تحت وطأة القمع، لكنه ينجح في إبقاء الفكرة حيّة.
الأفعى – طبيعة الشر
الجملة التي يرددها النص “لا نلوم الأفعى لأن لها أنياباً” تضعنا أمام حقيقة أن الفساد ليس طارئاً، بل جزء من بنية منظومات القهر، وأن مكافحته تتطلب إدراك طبيعته قبل مواجهته.
“الشر لا يتنكر… هو فقط يختار توقيت انقضاضه.”
قراءة في غلاف الرواية
يحمل الغلاف الأول لـ “زمن الأرجوان” لوحة بورتريه لامرأة شابة بريشة مائية، تمزج بين دفء الألوان الحارة وبرودة الأزرق والرمادي، في إشارة إلى جدلية الأمل والخوف التي تحكم مسار الشخصيات. النظرة المباشرة للمرأة نحو القارئ، بثبات وصرامة، تعكس حضور شخصية ميادة بوصفها شريكة في الحب والمواجهة، لا مجرد ظل للبطل. اختيار اللون الأرجواني لعنوان الرواية يرسخ الدلالة المزدوجة التي يحملها النص: لون السلطة المترف من جهة، ولون الدم المراق من جهة أخرى. بهذا التكوين البسيط والمباشر، يضع الغلاف البعد الإنساني في مركز السرد، مذكراً بأن جوهر الحكاية هو عن وجوه وأرواح تقف في مواجهة القبح، قبل أن تكون عن صراع سياسي مجرد.
الخلاصة
في مستوياتها الرمزية، لا تقتصر “زمن الأرجوان” على مواجهة بين صحفي وسياسي، بل تقدّم صراعاً أوسع بين الماء والنار، الحقيقة والزيف، الحياة والموت.
الأرجوان = السلطة الملطخة بالدماء.
آدم = الفطرة والحقيقة.
ميادة = الحرية والحب.
الكلمة = السلاح النظيف.
تشرين = الجذور الشعبية.
هذه الرموز تمنح النص قدرة على تجاوز حدود التوثيق السياسي، ليصبح حكاية إنسانية عن مقاومة الفساد في أي زمان ومكان، وعن أن الجذور العميقة تظل قادرة على مواجهة أعنف العواصف.