ليس من وظيفة الدين أن يؤسس سلطة، ولا من مهمته أن يُسيّر شؤون الدولة. الدين في جوهره دعوة للسمو الروحي، وتحفيز للأخلاق، وإطار للتأمل في الغاية والمعنى. لكن حين يُختطف الدين ويُحشر في أروقة الحكم، يتحوّل من رسالة إلى أداة، ومن دعوة إلى سلطة، ومن نور إلى عصا بيد الحاكم. في هذا السياق يصبح نقد “الدين السياسي” ليس خيارًا فكريًا، بل واجبًا أخلاقيًا وفكريًا، من أجل حماية الدين من التشويه، والناس من الاستغلال.
لم يكن اقتران الدين بالسياسة يومًا مجرد صدفة عابرة، بل ظاهرة متكررة في التجارب البشرية. فمنذ العصور القديمة كانت السلطة السياسية تبحث دائمًا عن شرعية عليا تُحصّن وجودها من النقد والمساءلة. في أوروبا العصور الوسطى مثلًا، تحوّل الدين الكنسي إلى غطاء للاستبداد السياسي، فخضع الناس لسلطة مزدوجة: سلطة الملك وسلطة الكنيسة، حتى جاءت حركة الإصلاح الديني والثورة الفكرية التي فصلت بين المجالين.
وفي التجربة الإسلامية، ورغم أن الإسلام في بدايته لم يقدَّم كدولة مؤسساتية، بل كرسالة دينية وروحية، إلا أن تطور الدولة الأموية والعباسية وما تلاهما جعل الدين جزءًا من شرعنة الحكم. فالمؤسسة الفقهية في كثير من المراحل التاريخية لم تكن مستقلة تمامًا، بل خاضعة أو متداخلة مع مشروع السلطة، تمنحه الغطاء، وتُعيد إنتاج خطاب “طاعة ولي الأمر” باعتباره واجبًا دينيًا.
حين نتحدث عن “الدين السياسي”، فإننا لا نقصد الدين في ذاته، ولا الممارسات الروحية أو الشعائر التي يقوم بها الأفراد والجماعات. بل نعني تحديدًا تحويل الدين إلى أداة سياسية عبر:
تديين الدولة: حين تُصبح القوانين والسياسات العامة مُعرّفة حصريًا بمنظور ديني تفرضه السلطة.
أسلمة السياسة: حين تستخدم الأحزاب والحركات السياسية الدين كأيديولوجيا للتعبئة وكسب الشرعية.
احتكار الحقيقة: حين تحتكر فئة معينة – سواء دولة أو مؤسسة دينية رسمية – تفسير النصوص ومن ثم تُسكت الأصوات الأخرى.
الدين السياسي بهذا المعنى ليس إيمانًا ولا تجربة روحية، بل أيديولوجيا تُستعمل لإدارة الصراع السياسي، ولإضفاء القداسة على قرارات دنيوية.
تكمن خطورة تسييس الدين في أنه يُنتج نوعًا من “الاستبداد المقدس”. فالسلطة حين تفرض قراراتها باسم الله، تُصبح عصيّة على النقد، وتحوّل أي معارضة سياسية إلى “كفر” أو “خيانة”. هكذا يتضاعف القمع: فبدل أن يكون سياسيًا فقط، يغدو قمعًا روحيًا وأخلاقيًا يطال الضمائر والنيات.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا التداخل يضر بالدين ذاته: إذ يفقد مصداقيته لدى الأجيال الجديدة حين يرونه أداة بيد الساسة، ويغدو عرضة للتآكل الأخلاقي لأنه يُستعمل لتبرير الظلم والفساد. وكثير من مظاهر العلمنة التي شهدها التاريخ الحديث لم تكن نتيجة عداء جوهري للدين، بل كرد فعل على استغلاله السياسي المتكرر.
في واقعنا العربي والإسلامي المعاصر، تتجلى مظاهر “الدين السياسي” بأشكال متعددة:
دول تُشرعن حكمها عبر مؤسسات دينية رسمية.
أحزاب ترفع شعارات دينية لتبرير هيمنتها.
جماعات مسلحة تحتكر “الشرعية الإلهية” وتُقصي الآخرين.
وفي كل هذه الصور، نجد أن الضحية الكبرى هي: حرية الإنسان، واستقلالية الدين، ومصداقية الخطاب الأخلاقي.
إن نقد الدين السياسي اليوم ضرورة ملحة، ليس لأنه يُعطل مسار السياسة فقط، بل لأنه يُعطّل إمكان تجديد الدين نفسه. ما دام الدين أداة للسلطة، سيظل أي إصلاح ديني مشبوهًا أو متهمًا، وسيظل العقل مُحاصرًا. وحده النقد الصريح والشجاع يمكن أن يفتح الباب أمام عودة الدين إلى جوهره: دعوة للسمو، لا وسيلة للاستغلال.
***
» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي )