لازال صاحبنا يقلب ديوان الشاعرة , وقد نشر اليوم ماقال أنه صورة ادبية جميلة في الاسلوب , وصرخة عالية على الاستغلال , وتوعية ذكية حين أستل من الديوان : (( وتبتهج القيود , وهي تأكل معاصمهن , في ظل احتراق المزارع الموجوعة , كي يحيا المتخمون ويتبادلون القبل تحت مظلات عذابنا )) , نص طبقي يعبر عن عذابات المسحوقين , في دول ماتت واقفة بعد غزوها , ووقف الذيول يخطبون في جنازتها , بلد تشرب فيه الشمس من النفط , يتسكع الضوء على الأرصفة , ويستجدي المواطنُ (( أمبيرًا )) من حياةالذين أغرقوا البلاد في ظلمات العتمة , وصاروا اليوم سادة النور, بلاد لا يُحاسَب الخراب فيها , بل يُرشَّح , والذاكرة لا تموت , لكنها تُخدَّر بخطبة , أو شعار , أو عباءة , تُحاصرنا الظلمة , لا لأن الكهرباء مقطوعة , بل لأن العقول مُطفأة ,  يتباكى المعمم على أطلالها وهو يغزل أكاذيب النور, يرمي اللوم على عباءةٍ تكسو الغيوم , وتُنسى الأرواح في زحام الوعود الفارغة , أما الناس , فلا تزال تحفر في الأرض طلبًا لنبع حياة , لكن الأبواب تُغلق , والأنوار تنطفئ بلا رحمة .

الذين يتبادلون القبل تحت مظلات العذاب , يذكروني بمحمد الجزائري حين كتب : (( في زمن الأستنتاجات يظل النوريون يصلون بأباحية, صلاة الجسد العاري , وهو يحرق بخوره في أحواض السمك الشكسبيري اللاهث , وبطقوس عدمية , يتبادلون القبلات , ويطبعون بقعا من السم على شفاه بعضهم )) , كما أني كنت قد تفاجأت وانا اقرأ نقاشات تدور حول نصا هزليا ( الحلزونة ) في احد أفلام عادل امام تتم مناقشته وبحثه كأنه يحمل مضمونا لرسالة : (( الحلزونه والحلزون اتقابلو في خورم الاوزون الحلزونه جوه متاهه والحلزون لما استناها هربت وقعت جوه البير , والسما بتمطر مسامير والحلزون مكبوت واسير الحلزونه انتحرت فجأه , والحلزون , خبطته عربيه عدت في ميدان التحرير)) , وهي من ديوان ( أبيع نفسي ) للممثل والكاتب ضياء الميرغني والذي يقول فيه : ((أبيع نفســـى لاول مشتـــرى آت , ابيع مقهورا حبيبـاتـى كـلـمـاتــــى ,فليسـقـط الشـعـر ولـتـنـهار أبياتى, فالشعر شعرى والمأساه مأساتى)) , وفوجئت اكثربمن كتب في مجلة معروفة ( اليوم السابع ) ان هذا النص يحمل رسائل كثيرة , ذلك هو الهزل المرير الذي يبهج القيود حين تأكل المعاصم .

في النص المستل , لا شيء شعري يجزيء وحدة الموقف , ولا شيء يمزق مصير الفكرة , لا شيء يمنع من قول الحقيقة كاملة , كل بيتٍ يولد بتمامِ معناه ,  كل فكرةٍ جاءت بموضعها الواضح , اي انها لم تمد ذراعها اكثر مما ينبغي , لغة شعرية تنطلق من الصدر بقوة , ترعب كل لئيمٍ من لؤماء اعداء الشعب و الحرية و ثعالبها الخانعة  , وتكتشف الفرق بين ( الصراخ الهادر) و ( الصوت الأليم ) في قراءة نص مكتوب بعفةِ حديثِ الطيور القادرة على التفريق بين الوقوف على اعلى النخيل او في أسفل العجوة , لا أحد يحب ان يكون بموضعٍ واحدٍ , المبدأ يقوم على : (( أن من يبحث عن الطريق عليه ان يتحرّك من مكانه , , وان يفصح عن هديرِ القول و الفعل )) .

هذا النص المستل , ذو القيمة الجمالية , وهذا الإحساس المتخيل بكامل عدته الإنسانية , يساري في طرحه , فكيف تكتبه شاعرة أرستقراطية ؟ لم تشهد ولم تعرف وقع تفاصيل معاناته , ألا اذا ارادت ان تعبر عن حالة عذاب أخرى , لا تبوح بها , فتوارت بهذه الطبقة المنكوبة على مر الزمن , وهنا تبرزالقابلية الفنية للشاعرة , حين كتبت نصا كأنه رجاء أو مطلب يختلف في عمقهِ و في استفساراتهِ عن شعلة  الشاعر  فيها لتضيء نعمةِ الخطابِ , بأسلوبٍ شعريٍ , ابتغته بقصد تحويل الواقع الطبقي الى الوجداني , والى مشاركةٍ فعليةٍ ,  مليئةٍ بالمعاني  .

أهمس لصديقي العتيد , أتدري (( ماذا تفعلُ الشاعرةُ بالعيد؟ تُلبسُ القصيدةَ فستانًا من نقطتين , وفاصلة , وتعلّقُ في أُذنِها قافيةً رنّانة , تُحاولُ أن تخبزَ كعكًا من المجاز, لكنّ الفرنَ يُحرقُ الصورَ التشبيهية , تُرسلُ بطاقاتِ تهنئةٍ ممهورةً ببصمةِ إصبعِ حلمٍ كان ساهرًا معها ليلةَ العيد , تُعطي العيديةَ للقصائدِ الصغيرة : خُذوا وزنًا خفيفًا , واحذروا الزحافَ في الأزقّة , تُفكّرُ: هل تضعُ الشَعرَ على وزنِ الرمل؟ أم تُطرّزُه على البحرِ الكامل؟ تُزيّنُ مرآةَ اللغةِ بأشرطةِ ضحكٍ استعاري , وتُقلّبُ فنجانَ القهوة : هُنا حرفٌ عاشق , وهُناكَ نقطةٌ تهربُ من آخرِ السطر, وفي المساءِ , تُهدهدُ العيدَ نفسهُ ,وتهمسُ له : كُن خفيفَ الوطءِ على القصيدة , فهي تتدلّى من بلّورةِ وزنٍ قد تنكسرُ من كثرةِ الأماني )) .