خاص: ترجمة- د. محمد بناية:
في بداية الأزمة السورية؛ اتبعت “إسرائيل” سياسة عدم التدخل، رُغم الخلافات الحدودية، وتبنّت توجهًا دبلوماسيًا وحذرًا. واقتصرت تصريحات “تل أبيب” الرسمية على مواقف محدودة ومحسوبة، وحذرت بالتوازي جميع أطراف الصراع من القيام بأي خطوة تُهدّد بشكلٍ مباشر أمن ومصالح “إسرائيل”. بحسب ما استهل “سيد علي نجات”؛ خبير شؤون الشرق الأوسط، تحليله المنشور على موقع “مؤسسة الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي” الإيرانية.
ومع مرور الوقت، تغيرت هذه السياسة، وبدأت “إسرائيل” في تنفيذ هجمات جوية على أهداف عسكرية ومخازن سلاح للجيش السوري، حتى تتمكن من تأمين مصالحها في آتون الأزمة السورية.
بداية سياسة إسرائيلية جديدة في سورية..
وبدأت السياسة الإسرائيلية مرحلة جديدة؛ بعد سقوط نظام “الأسد”، شملت الحشد واحتلال أجزاء من الأراضي السورية. وعلى مدار الأشهر الثلاثة الماضية، نفذّت “إسرائيل” عمليات واسعة داخل “سورية”، واحتلت تدريجيًا أجزاء في الجنوب السوري.
ولا تزال هذه التحركات العسكرية في “سورية” مستمرة؛ منذ سقوط “الأسد” بتاريخ 08 كانون أول/ديسمبر 2024م.
ومع انتهاء “مؤتمر الحوار الوطني” السوري، والتأكيد على ضرورة انسحاب “إسرائيل” من الأرض السورية، نفذّ الجيش الإسرائيلي هجمات جوية مكثفة على مناطق في “الكسوة”؛ جنوب “دمشق”، و”حومة درعا”.
بالتوازي مع ذلك، تقدمت القوات البرية الإسرائيلية حتى الحدود الإدارية بين محافظات “درعا والقنيطرة”. ومؤخرًا أغارت القوات الإسرائيلية بالمدرعات على قريتي “رسم المنبطح والداوية الكبيرة”؛ بمنطقة “السويسه”، بالريف الجنوبي الغربي لمحافظة “القنيطرة”.
تطبيق النظام الفيدرالي بأيدي إسرائيلية..
وكانت صحيفة (وول استريت جورنال)؛ قد نشرت قبل أسبوع تقريرًا حول مسّاعي “إسرائيل” إقناع القوى الكبرى بتطبيق النموذج الفيدرالي في “سورية”.
وأعلنت “تل أبيب” تخصيص ميزانية أكثر من مليار دولار لحماية المجتمع الدورزي في “مرتفعات الجولان” بالجنوب السوري، بهدف تحفيز أبناء هذه الطائفة على العزوف عن المشاركة في الحكومة السورية الجديدة.
بالوقت نفسه، ومع تصاعد حدة التوترات بين بعض دروز مدينة “جرمانا”؛ بحومة “دمشق”، والقوات الأمنية الحكومية، هدّدت “تل أبيب” بالتدخل العسكري لحماية الأقلية الدرزية في “سورية”.
والحقيقة أن عقيدة تقسيّم “سورية” كان دائمًا خيارًا مثاليًا للكيان الإسرائيلي، وقد حظي هذا المبدأ باهتمام المسؤولين الإسرائيليين منذ العام 2016م؛ حيث صرح رئيس وزراء إسرائيل؛ “بنيامين نتانياهو”، في مؤتمر (دافوس) الاقتصادي: “أفضل نتيجة ممكنة في سورية هي تقسيمها تدريجيًا وسلميًا إلى كانتونات”.
بدوره؛ أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي السابق؛ “موشيه يعلون”، على هامش مؤتمر (ميونخ للأمن): “الوضع في سورية معقَّد للغاية، ومن الصعب تصور سيناريو لوقف الصراع في هذا البلد. لذلك، من غير المُرجّح أن تظل سورية موحدة في المستقبل القريب”.
كما أكد “رام بن باراك”؛ أحد كبار المسؤولين السابقين في (الموساد): “أن الحل النهائي للأزمة السورية يكمن في تقسيم البلاد”.
تقسيم سورية هدف إسرائيلي مع تغيير الظروف..
وبشكلٍ عام؛ تبدو أهداف ومصالح “إسرائيل” من تقسيّم “سورية” في عهد “الأسد”؛ ثم في مرحلة النظام السوري الجديد، مختلفة نسبيًا؛ حيث شملت المصالح الاستراتيجية لـ”إسرائيل”؛ خلال فترة حكم “الأسد”، أمورًا مثل إضعاف (محور المقاومة)، وتقييّد نفوذ “الجمهورية الإيرانية” و(حزب الله) اللبناني، وزيادة الخلافات الناجمة عن تقسيّم “سورية” إلى “لبنان”، وتسهيل تدخل “إسرائيل” في “سورية ولبنان”، وتسوية قضية “مرتفعات الجولان” لصالح “تل أبيب”، وإنشاء حكومات صغيرة وضعيفة لا تُشكل تهديدًا لهذا الكيان.
واستمرت سياسة “إسرائيل” بشأن تدعيم تقسيّم “سورية” بشكلٍ أكثر وضوحًا وجدية بعد نهاية حكم “الأسد”، وكانت صحيفة (إسرائيل هيوم) قد كشفت مؤخرًا عن عقد اجتماع سري برئاسة؛ “يسرائيل كاتس”، وزير الدفاع الإسرائيلي، لمناقشة مقترح عقد مؤتمر دولي لتقسيّم “سورية” إلى كانتونات؛ (أقاليم)، منفصلة؛ حيث تُمثّل “سورية الموحدة” تهديدًا للأمن الإسرائيلي من وجهة نظر “تل أبيب”.
لذلك، خططت “إسرائيل”؛ بعد سقوط “الأسد”، لفكرة تقسيّم “سورية” إلى عدة مناطق منفصلة. وتشمل الخطة التي قدمها الخبراء العسكريون تقسّيم “سورية” إلى خمس ولايات بناءً على الانقسامات الطائفية: ثلاث ولايات منفصلة للأكراد والدروز والعلويين، وولايتين للعرب السَّنة.
وتشمل أهداف “إسرائيل” الاستراتيجية من تقسيّم “سورية” في مرحلة ما بعد “الأسد”، أهدافًا استراتيجية وأمنية واقتصادية، أولها: خفض مستوى التهديدات الأمنية ضد “إسرائيل”.
ثانيها: تقوية الوضع الأمني على الحدود مع “سورية” وبخاصة في منطقة “الجولان”.
ثالثها: خلق مناطق نفوذ بغرض العثور على حلفاء محل ثقة، والسيطرة على المصادر الطبيعة والمناطق الاستراتيجية السورية.
على كل حال؛ قد يُحقق تقسيّم “سورية” مكاسب أمنية واستراتيجية واقتصادية كبيرة لـ”إسرائيل”، لكن تنفيذ هكذا سيناريو سيقترن بتداعيات عميقة وواسعة النطاق على منطقة الشرق الأوسط؛ تشمل تصاعد التوترات العرقية والدينية، وزيادة عدم الاستقرار في الدول المجاورة مثل “تركيا والعراق ولبنان والأردن”، وتعزيز الدوافع الانفصالية بين المجموعات العرقية والدينية الأخرى في المنطقة.