رواية الطوفان.. ستيفن ماركلي

رواية الطوفان.. ستيفن ماركلي

“الطوفان” (The Deluge) هي الرواية الثانية لستيفن ماركلي. إنها جدارية بيئية واجتماعية وسياسية واقتصادية، حيث يتطرق المؤلف إلى الوضع الكارثي للولايات المتحدة ويشرح عناصر تراجعها المستقبلي. يقدم لنا ستيفن ماركلي رواية تتألف من أكثر من ألف صفحة، يشرح فيها أسباب وعواقب تغير المناخ. يرسم صورة تنبؤية لمستقبل يتسم بالكوارث البيئية الكبرى من خلال استكشاف التحديات المقبلة على المستويات السياسية والاقتصادية والبيئية بدقة متناهية. تحتوي هذه الرؤية على رسائل قوية حول الماضي ورسائل حاسمة حول المستقبل، وأنه يجب اتخاذ إجراءات متضافرة لتجنب الأسوأ.
تثير رواية “الطوفان” قضايا بيئية. الاحتباس الحراري هو جوهر الرواية. تجتاح العالم موجات حارة شديدة وحرائق مدمرة وفيضانات رهيبة. هذه الظواهر، أبعد ما تكون عن المبالغة، هي استقراءات واقعية تعتمد على التوجهات الحالية، ولهذا السبب قرر ماركلي أن يبدأ قصته في عام 2014. إن سلبية الحكومات في مواجهة هذه المخاطر، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تؤدي إلى كوارث ذات حجم لا يمكن تصوره. ويذكّر بالحاجة الملحة للحد من انبعاثات الغازات وتبني ممارسات مستدامة لمنع التدهور البيئي.
بالإضافة إلى ذلك، توضح رواية “الطوفان” أيضا أزمة المياه التي تفاقمت بسبب تغير المناخ. تؤدي حالات الجفاف الشديدة وندرة المياه العذبة إلى خلق توترات وصراعات، مما يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة بين المناطق الغنية بالموارد الطبيعية والمناطق المفتقرة إلى الموارد الطبيعية. وهنا مرة أخرى، يسلط الكاتب الضوء على الحاجة إلى إدارة مستدامة وعادلة للمياه، مشددا على أن التعاون الدولي ضروري لتجنب الصراعات المستقبلية. إن هذه الأزمة بمثابة تذكير صارخ بأن الموارد الطبيعية، التي غالبا ما تعتبر أمرا مفروغا منه، محدودة ويجب حمايتها. أضف إلى ذلك أن الظواهر المناخية المتطرفة تؤدي إلى هجرات جماعية. وهذا يسبب أزمات إنسانية وعدم استقرار سياسي متزايد. تكافح الحكومات لإدارة تحركات السكان، مما يؤدي إلى تأجيج كراهية الأجانب والتوترات الاجتماعية. لا توجد سياسات لاستقبال ودعم اللاجئين، والحكومات تغض الطرف عن الاحتياجات الملحة للفئات الأكثر ضعفا. إن التعاطف مع الجار -وهو ما يحدد حرفيا إنسانيتنا- يختفي تدريجيا، لأن الزعماء السياسيين وجماعات الضغط الصناعية لا يرون إلا أرباحهم الخاصة. إن المصالح الاقتصادية القصيرة الأجل لها الأسبقية على الحفاظ على البيئة وحماية السكان. يتم استنكار الإعانات والسياسات الداعمة للصناعات الملوثة باعتبارها هدّامة وخطيرة. متى ستكون هناك سياسة استدامة بيئية لتحقيق الرفاهية الجماعية ومستقبل أقل كآبة؟
تمهد رواية “الطوفان” الطريق أيضا للقضايا الاقتصادية. إن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري على الرغم من الأدلة الدامغة على تأثيره على المناخ هو أيضا جوهر الرواية. يسلط المؤلف الضوء بوضوح على المعضلة بين النمو الاقتصادي قصير المدى والحاجة إلى تحولات الطاقة نحو مصادر الطاقة المتجددة. ينتقد الصناعات التي تستمر في استغلال الموارد الخطرة من خلال تسليط الضوء على المخاطر البيئية والمناخية المرتبطة بها. متى ستتوفر الطاقات النظيفة والمتجددة؟ وقد أثيرت ساحة معركة أخرى في هذا النص: التكاليف الاقتصادية الباهظة للكوارث الطبيعية. يفرض تدمير البنية التحتية والخسائر الزراعية ونزوح السكان أعباء مالية هائلة على الحكومات والمجتمعات. ولهذه التكاليف عواقب مؤلمة تتمثل في تفاقم أوجه عدم المساواة الاقتصادية، مما يخلق دائرة متزايدة الاتساع من الفقر والضعف لدى السكان. متى سيأخذ التخطيط الاقتصادي والاستثمارات في الاعتبار المخاطر المناخية؟
لكن كونوا على يقين أن “الطوفان” ليست مجرد دراسة تحليلية عن وضع الكوكب، بل هي بالفعل رواية.
تتم معالجة كل هذه المواضيع تدريجيا بواسطة شخصيات مختلفة، لا تعيش في نفس الولايات، ولا تأتي من نفس الخلفية الاجتماعية، ولم تتخصص في نفس الدراسات، ولا تعمل في نفس المهن، ولها آراء سياسية متباينة تارة ومتطابقة تارة أخرى، شخصيات من أعراق وأجناس مختلفة. وبالتالي، يمكن وصف “الطوفان” بأنها جدارية اجتماعية كبيرة، حيث ينسج ماركلي صورة معقدة ودقيقة للمجتمع الأميركي. يدرس من خلال شخصياته، ديناميكيات السلطة، والصراع الطبقي، والتوترات العرقية والاقتصادية. يتيح لنا هذا النهج متعدد الأبعاد فهم كيفية تأثير أزمات المناخ على مختلف طبقات المجتمع بشكل مختلف. يصبح العيش معا ضروريا للأمل في تغيير مسار الأمور.
كان هذا الاختيار السردي، في رأيي، الأفضل لجعل كمية المعلومات التي يقدمها لنا سهلة الهضم، لأن الارتباط بهذه الشخصيات يزيد من تصاعده بمجرد أن يتمكن القارئ من وضعها بشكل صحيح. ومن الممكن بعد ذلك أن نتسلل إلى رؤوس الشخصيات، ونفكر معها، ونختبر ثورتها وعجزها. ولكن لا ينبغي لنا أن نخطئ في أن هذا “العيش المشترك” أصبح يشكل تحديا متزايد الصعوبة: إذ يعمل صعود الشعبوية والتطرف السياسي على إعادة خلط الأوراق. تعد هذه الحركات الشعبوية بحلول مبسطة لمشاكل معقدة وتقترح سياسات حمائية وانعزالية. المجتمع منقسم للغاية، ويكافح من أجل إيجاد ما يشبه التماسك.
أثناء قراءتي لرواية “الطوفان”، تأثرت بشدة بقوة السرد وأهمية المواضيع التي يتم تناولها. أسرتني هذه الرواية منذ الصفحات الأولى، ليس فقط بحبكتها الغامرة، ولكن أيضا بالطريقة التي تمكن بها ستيفن ماركلي من نسج نقد اجتماعي وبيئي معقد. باعتباري قارئا زار الولايات المتحدة، وشغوفا بالسياسة الأميركية، انبهرت بالكثافة الكبيرة في التحليلات، والأهمية الكبيرة لكلمات المؤلف، دون أن أنسى أبدا متعة القراءة التي أثارها فيّ كقارئ. صحيح أن البداية صعبة (الفصل الأول لا يمثل الباقي)، وأن الشخصيات كثيرة، وعدد الصفحات 1000، وأنه يتعين عليك بالتأكيد أن تكرس كل وقتك لها حتى لا تفقد الخيط، ولكن بمجرد التغلب على هذه العقبات الصغيرة، تصبح الرواية بأكملها مبهجة.
تمكن ماركلي من خلق رؤية مستقبلية لأميركا تبدو معقولة إلى حد كبير. إن الظواهر المناخية المتطرفة ــ موجات الحر والحرائق والفيضانات ــ التي تم وصفها تقشعر لها الأبدان، ولكنها تذكرنا بما شهدناه جميعا في السنوات الأخيرة. غالبا ما يتم وضع حالة الطوارئ البيئية في الخلفية. إحدى شخصيات الرواية، كيت موريس، والأفعال التي تتخذها هي المثال المثالي للمثابرة والقسوة ورباطة الجأش اللازمة للدفاع عن هذه القضية. بشكل عام، يعد عمق الشخصيات والطريقة التي تتشابك بها قصصها الشخصية مع القضايا العالمية نجاحا كاملا. وأضيف أن أحد الجوانب الأكثر إلهاما في “الطوفان” هو فكرة وجود ميثاق سياسي تصبح فيه البيئة هي الأولوية.
ويشير المؤلف إلى أنه في مواجهة حالات الطوارئ المناخية، يمكن دفع الناخبين إلى التصويت للمرشحين الذين يضعون البيئة في قلب سياساتهم، بغض النظر عن بقية برنامجهم. ومع وجود مخاطر في بقية البرنامج المذكور والتي يمكن أن تتجه نحو التطرف الشعبوي، ما هي التنازلات التي نحن على استعداد للنظر فيها لضمان مستقبل آمن؟ ما هي الحدود التي لا نرغب في تجاوزها؟ ومن عجيب المفارقات أنني وجدت تحليل ماركلي لنشوء التطرف مفيدا بشكل خاص، كما أن الرواية تظهر بوضوح مدى التعقيد الذي أصبح عليه الوضع.
“الطوفان” هي أكثر بكثير من مجرد رواية ديستوبيا. إنها عمل قوي يدعو إلى التفكير واتخاذ الموقف والعمل. ذكّرتني هذه الرواية بالكارثة الطبيعية الرهيبة التي شهدتها مونتيسيتو، كاليفورنيا في عام 2018 (أمطار غزيرة أعقبها انهيار أرضي). “الطوفان” دعوة إلى إيقاظ الضمير الجمعي وكأنها منارة لا تتوقف عن الوميض. السرد مفصل وواقعي. يذكرنا ماركلي بالتحديات البيئية والسياسية والاقتصادية التي تنتظرنا. رسائل الرواية واضحة: من الضروري تقليل اعتمادنا على الوقود الأحفوري، وحماية مواردنا الطبيعية، وتعزيز التعاون الدولي، وتعزيز العدالة البيئية. وتتعزز أهمية الملاحظات من خلال الارتباط المباشر بين الظواهر الموصوفة في الرواية والاتجاهات المناخية التي نلاحظها اليوم.
من الصعب أن تتركك رواية “الطوفان” غير مبال. من 2014 إلى 2039 يقوم ستيفن ماركلي بتقييم العالم ويظهر كيف سيكون لتصرفات الأمس عواقب غدا. يقوم الكاتب أيضا بتقييم أميركا اليوم (الاختلالات السياسية والاستقطاب الاجتماعي والتقاعس البيئي) وأميركا الغد (زيادة الكوارث الطبيعية، والهجرات الجماعية بسبب الظروف المناخية القاسية، وزيادة عدم المساواة الاجتماعية).
إنه أمر تقشعر له الأبدان، ملفت للنظر، استعجالي، واقعي، ومتطلب في بعض الأحيان. وأخيرا، إذا أراد الأميركان النظر إلى أنفسهم في المرآة، فعليهم بقراءة هذه الرواية الرائعة.

أحدث المقالات

أحدث المقالات