حماية المواطن من الأخطار والأضرار والأذى تُعدّ من أبرز الوظائف الأساسية لأي حكومة وطنية، وهي مسلَّمة لا يُجادل فيها عاقل، بل تُجمع عليها أغلب الشرائع والقوانين والدساتير، إن لم تكن جميعها، إذ تنص صراحةً على وجوب صون حياة المواطن وحريته وكرامته، وحماية ممتلكاته ومصالحه المشروعة.
نعم، إن حماية المواطنين هي إحدى الوظائف الأساسية للدولة، وأن أيَّ خللٍ أو تقصيرٍ في أداء هذا الواجب يضع الدولةَ والحكومةَ – التي تمثل السلطة التنفيذية – أمام مسؤولياتها الوطنية، ويعرِّض سمعتها الدولية للتشويه، بل وللعقوبات الخارجية التي تمسّ سيادتها ومكانتها بين الأمم أحيانًا؛ فضلًا عن المساءلة القانونية والأخلاقية والإنسانية.
هذا هو المبدأ السائد في المجتمعات المتحضرة والدول التي تحترم نفسها وشعبها، حيث تُبنى العلاقة بين الحاكم والمحكوم على الثقة والعدالة… , ولأن أي تقصير في هذا الواجب المقدس يُعدّ خيانةً للعهد، ويعرّض الحكومة للسقوط في المجتمعات المتحضرة… ؛ لكنّ المشهد يختلف جذريًا في دول العالم الثالث، وخاصةً تلك التي تعاني من الفشل المؤسسي والانهيار الأخلاقي والتبعية الخارجية والتفكك الداخلي، فتتفشى فيها آفات الفساد والظلم والعنف، وتنتشر فيها الجريمة المنظمة بكل أشكالها، من تجارة المخدرات إلى تهريب الأعضاء البشرية، مرورًا بالإتجار بالبشر ونهب المال العام؛ فضلًا عن سوء استخدام السلطات والصلاحيات… ؛ والأخطر من ذلك كله أن بعض الحكومات في هذه البلدان إما أن تكون عاجزة عن مواجهة هذه الكوارث والمشاكل والتحديات، أو أنها – في حالاتٍ كثيرة – شريكةٌ فيها، بل قد تكون هي نفسها مصدر التهديد للمواطن وهي الجانية!
الواقع العراقي لا يختلف عن واقع دول العالم الثالث والمجتمعات المأزومة ؛ نعم، هنالك تغييرات إيجابية كبيرة وكثيرة حدثت في العراق بعد سقوط الأنظمة الشمولية القمعية الطائفية عام 2003؛ إلا أنها لم ترقَ إلى مستوى طموح الفرد العراقي، فقد تخللتها الكثير من السلبيات والمنغصات… ؛ إذ لا يزال العراق يعاني من مشاكل جمة وظواهر سلبية عديدة، ولعل من أخطرها ظاهرة تفشي الفساد في الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، وانتشار ظواهر العنف والقسوة والتعذيب والابتزاز وسوء المعاملة في السجون والمراكز وغرف التحقيق وغيرها… , لذلك أضحى المواطن في العراق لا يعيش حالة الأمان والاستقرار والإنصاف في حياته العامة، ولا يشعر بالعدل والطمأنينة والتعامل الإنساني عندما يراجع دوائر الداخلية وسجون وزارة العدل، أو عندما يضطر للتعامل مع عناصر الجيش والأمن وغيرهما…؛ بل في الكثير من الأحيان، يشعر بالخوف والقلق واليأس والإحباط.
من المهم أيضًا أن نلاحظ أن انتشار الفساد بين عناصر الجهات الأمنية والجيش، فضلًا عن تفشي الأمراض النفسية والسلوكيات الخطيرة بين أفرادها، سيؤدي عاجلًا أو آجلًا إلى انهيار مؤسسات الدولة وانتشار الفوضى واندلاع الانتفاضات والتظاهرات والاحتجاجات… , ولا يقتصر الأمر على الفساد المالي فحسب، بل يتعداه إلى فسادٍ أخلاقي يتمثل في العنف المفرط والتعذيب والإفلات من العقاب وابتزاز المواطن واستغلاله، مما يهزّ ثقة الشعب بمؤسساته الأمنية وغيرها ويُغذّي الاحتقان الاجتماعي… ؛ فالكبت لا يُنتج إلا الانفجار، والظلم حالةٌ شاذة تتناقض مع كل القيم الدينية والإنسانية.
ومع ذلك، نحن نسمع كثيرًا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن حملاتٍ إعلاميةٍ تُعلن عن محاربة الفساد، وعن مذكرات قبض صادرة من هيئة النزاهة وغيرها، بحق مدراء وموظفين ومسؤولين وضباط ومنتسبين، بتهم الفساد وإهدار المال العام وتعذيب المواطنين وابتزازهم، وما شابه ذلك… لكنّ المواطن ينتظر عبثًا رؤية عقوباتٍ رادعة تُنفَّذ بحقّ هؤلاء، أو إصلاحاتٍ حقيقية تُغيّر من واقعهِ المرير.
إلا أننا نصدم كالعادة ونصاب بالخيبة واليأس والإحباط؛ لأن الإجراءات التي تتخذها الحكومة غالبًا ما تكون شكليةً، وكأنها مسرحياتٌ مُخرَّجة لإيهام الناس بأن الدولة “تعمل” بينما الجوهر لم يتغير… , فالشعارات البرّاقة مثل “محاربة الفساد” و”القضاء على الجريمة” تتحول إلى حبرٍ على ورق، بينما المواطن لا يزال يعاني من الخوف واليأس والابتزاز، والمعتقل العراقي يتعرض للظلم والتعذيب والقسوة وسوء المعاملة، ولا يجد من يحميه من ظلمِ المُتنفذين والمنتسبين والضباط والجلادين… , وهنا يصدق المثل العراقي الساخر: “حاميها حراميها”، الذي يعكس انعدام الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة… , فكثيرٌ من العراقيين – على سبيل المثال – يخشون حتى الاقتراب من مراكز الشرطة أو المحاكم، لأنها في نظرهم أماكنُ للابتزاز والتهديد بدلًا من أن تكون ملاذًا للعدالة والإنصاف والإنسانية… ؛ بل إن العراقيين يشعرون بالرعبِ من الدخول إلى دوائر وزارة الداخلية أو سجون العدل، ولا يأمنون شرَّ رجال الشرطة أو عناصر الأمن، خاصةً أولئك الذين يُعرفون بـ”المسلكيين” أو “الصداميين”، ويتعوذون بالله من نصبهم وابتزازهم وتهمهم الكيدية!
المطالبة بمكافحة الفساد علنًا:
تطالب الجماهير العراقية والنخب الوطنية ومنظمات المجتمع المدني الحكومة – إن كانت جادةً في استئصال حالات الانحراف والفساد والتخريب والتعذيب – أن تعرض أسماء الفاسدين والمخربين والمشبوهين والجلادين ، وتسلط الأضواءَ على جرائمهم ومخالفاتهم بشكلٍ تفصيلي، وتُبيّن ارتباطاتهم الداخلية والخارجية إن وُجدت… ؛ ثم تتبع الأموالَ التي حصلوا عليها عن طريق الرشوة والفساد والابتزاز ونهب المال العام، وتحصيها جميعًا، ثم تصادرها وتُعيدها إلى الضحايا… ؛ كما ينبغي أن تجري المحاكماتُ علنًا أمام الرأي العام، مع تحشيدٍ إعلامي وثقافي شامل؛ ليكون الفاسد والمشبوه والعميل والجلاد عبرةً لكل من تسوّل له نفسه بارتكاب الجرائم، أو فعل المخالفات القانونية، أو انتهاك الأمن المجتمعي والسلم الأهلي، أو التآمر على الوطن.
الواقع المرير وغياب التغيير الحقيقي :
مع ذلك، لا نلاحظ أي تغييرٍ ملموس على أرض الواقع… ؛ فالمواطن لا يشعر بأي تحسنٍ إيجابي، وكأن الأمرَ مجردُ مسرحياتٍ مُفبرَكة، وإعلامٍ يعمل على تخدير الجماهير وتثبيط عزيمتهم وتغيب وعيهم… ؛ و هذه الإجراءاتُ شكليةٌ لا تعالج الظاهرةَ معالجةً علميةً وعمليةً وجذرية… ؛ وشعاراتُ محاربة الفساد والقضاء على المخالفات والانتهاكات داخل دوائر الدولة ووزارات الداخلية والعدل والدفاع والأجهزة الأمنية ليست سوى حبرٍ على ورق كما ذكرنا انفا … ؛ لذلك، أصيب المواطنُ العراقي بالإحباط واليأس من هذه الأوضاع الشاذة .
استطلاع الرأي المُحزن:
لو أُجري استطلاعٌ جادٌ لرأي المواطن العادي عن مدى ثقته بالأجهزة الأمنية والقوات المسلحة المنتشرة في الشوارع، لَظهرت نتائجُ محبطةٌ تكرّس اليأس… ؛ فلن تجدَ أحدًا يصدق أن “الشرطة في خدمة الشعب”، بل سترى أن الجميعَ يعيشون بين خياري الصمتِ خوفًا أو الانفجارِ غضبًا… ؛ فأين هي الدولةُ التي يفترضُ أن تحمي مواطنيها؟!
الحقيقة المُرّة:
ها هو العِرفُ ببابك، كما يُقال… ؛ انزل إلى الشارع، واستطلِع آراءَ العراقيين، وأجرِ استبياناتٍ دقيقة، فستصدم بالحقيقة: لا أحدَ يشعر بالأمن أو العدل أو التعامل الإنساني في تلك الدوائر والسجون، أو مع تلك الشخصيات الحكومية… ؛ ولا أظنُّ أن عراقيًا واحدًا يصدق اليومَ عبارة: “الشرطة في خدمة الشعب”!
ولا نستطيع الادعاء بأن هذه الظاهرة المزدوجة – المتكونة من الفساد والظلم والعنف والتعذيب معاً – وليدة اليوم أو الظروف الراهنة، بل هي ممتدة عبر سنوات وعقود طويلة… ؛ فقد تزامنت تلك الظواهر السلبية مع تشكيل الدولة العراقية الحديثة برعاية بريطانية خبيثة… ؛ فما نشهده اليوم هو نتاج عشرات السنين من إدارة هذه الأنظمة الهجينة والقمعية والفاسدة، لاسيما أن العراق ظل ضيفاً دائماً في قائمة الدول الأكثر قمعاً وانتهاكاً لحقوق الإنسان، سواء في العهد الجمهوري العارفي الطائفي، أو في العهد البعثي التكريتي الإجرامي.
فنحن نشعر ونلمس أنه منذ ذلك التاريخ الأسود لنشوء الدولة العراقية الحديثة وحتى هذه اللحظة، أصبحنا مهمشين كأفراد، وتحولت جميع الدوائر والمؤسسات الأمنية والحكومية إلى كتلة متراصة تشبه البنيان المرصوص… ؛ فهي تمثل واجهة حضارية بمباني شاهقة، لكن في جوفها يكمن العذاب… ؛ فهي خالية من الانضباط والنظام الإداري الذي تسير عليه الدول المتقدمة، وفارغة من الرحمة والإنسانية والعدالة والوطنية والقيم الأخلاقية… ؛ وهي في مجملها تمثل رمزاً للفساد والرشوة والعنف والتعذيب والتعسف والظلم والابتزاز وتعطيل مصالح الناس، بل وتلفيق التهم الكيدية ضدهم أحياناً.
فمن دفع الرشوة (المقسوم) خُفف العذاب والحكم عنه، أما البقية الباقية – وهم عامة الناس الذين لا يملكون قوت يومهم، فضلاً عن وجود الأموال الكافية لدفع الرشاوى – فإنهم يعانون الأمرين في إنهاء معاملاتهم أو تخفيف معاناتهم ومعاناة أبنائهم وذويهم داخل السجون وغرف التحقيق والتعذيب… ؛ فتقع عليهم نقمة الأجهزة الأمنية والدوائر الحكومية، حتى يكره الواحد منهم الساعة التي جاء فيها إلى هذا العالم…!!
مأساة المخدرات في أرض الرافدين:
لنأخذ مثالًا واحدًا من أمثلة العذاب الدائم في أرض الرافدين : فبعد أن فُتحت الحدود على مصراعيها أمام المخدرات، وتواطأ بعض الساسة والمسؤولين والضباط والمنتسبين والموظفين الفاسدين مع تجار المخدرات والجهات الخارجية المعادية، وغَرقت الأسواق والشوارع والمدارس والكليات والقرى والمدن بالمخدرات – وذلك بالتزامن مع نشاط شبكات الترويج المدعومة داخليًا وخارجيًا والمرتبطة ببعض السفارات وبعلم الأجهزة الأمنية – وُجّهت الضربة القاضية للشباب والمراهقين والصبايا والطلبة والايتام و(المكاريد) المساكين والجهلة والمغرر بهم .
ضحايا السياسة الفاسدة:
لقد وقع هؤلاء الشباب ضحايا لهذه المصيبة التي حلّت بنا بسبب تلك المقدمات التي ذكرناها، خاصة في مناطق الأغلبية العراقية المظلومة… ؛ والأمر الأكثر إيلامًا أن معاملة هؤلاء الضحايا المساكين تتم بالقسوة والعنف والاضطهاد والتعسف، وكأنهم مجرمون وقتلة!
بل إن المفارقة الصادمة أن معاملة الإرهابيين في السجون أفضل من معاملة هؤلاء المرضى والبائسين من العراقيين.
جحيم التعذيب المنظم:
يتعرض الضحايا في المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية / في بغداد وغيرها لتعذيب متواصل لمدة ثلاثة أيام، حيث يُعلّقون ويُضربون حتى حد الانهيار التام , والاعياء بحيث يصل صراخهم الى عنان السماء … ؛ وبعد هذا الجحيم الذي لا تطيقه الجبال الرواسي ، يُجبرون على التوقيع على اعترافات باطلة لا أساس لها من الصحة… ؛ كل هذا لأنهم وقعوا ضحايا لسياسة التوريط المتبعة في العراق، وأصبحوا مدمنين على المخدرات التي انتشرت في البلاد بعلم الحكومة وتواطؤ العناصر الفاسدة في الأجهزة الأمنية.
المفارقة المأساوية:
لقد بلغ الأمر حدًا من السوء أن امتلأت السجون بالضحايا من صغار السن والشباب والمراهقين، بل وحتى من الصبايا والنساء… ؛ وقد تناهى إلى سمعي أن أحد المسؤولين والضباط في المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية / في بغداد صرخ في منتسبيه قائلًا : “كفى! لا نريد المزيد من قضايا تعاطٍ ومدمنين، ائتوني بتجار مخدرات!”
الجشع والفساد:
بهذه العقلية الفاسدة، وهذه الإجراءات الاعتباطية القائمة على استغلال المنصب وأخذ الرشاوى من التجار – حيث إن معظم أهالي الضحايا المساكين من مناطق فقيرة وبائسة وقد دفعوا كل ما يملكون – ؛ يأمر هذا الضابط بالقبض على صغار التجار، لا حبًا في تطبيق القانون، بل طمعًا في المال الحرام! وهكذا تُدار أمور البلاد، وتُعالج شؤون العباد!
جريمة تعكس واقعًا مريرًا:
أثناء كتابتي لهذه المقالة، شاهدت صورةً لمهندس عراقي مسجّى على سرير المستشفى في حالة حرجة وغيبوبة تامة، نُشرت في صفحة الكاتب والناشط عباس شمس الدين تحت عنوان: “ما لم يُؤخذ بحق هذا الإنسان، فملعونة هذه الدولة، وملعون من يثق بها”… ؛ وبعد التحقق من تفاصيل الحالة – التي تمثل واحدةً من مئات الحالات اليومية التي تُنتهك فيها كرامة المواطن العراقي – تبيّن أن المهندس بشير خالد تعرّض للضرب المبرح والتعذيب بعد مشاجرة مع ضابط برتبة لواء في الشرطة الاتحادية، حيث أُودع في مركز شرطة حي حطين قبل نقله إلى المستشفى إثر إصابته بضربة قوية خلف الرأس أدت إلى وفاته سريريًا… ؛ وقد ناشد أهالي الضحية – كما ورد في وسائل الإعلام – رئيس الوزراء للتدخل وإنصافهم.
ضرورة الاعتراف بالعجز وإصلاح المنظومة:
في ظل هذه الأوضاع، يتوجب على الحكومة والأجهزة الأمنية الاعتراف بعجزها عن إدارة ملفات حساسة كملف المخدرات والإرهاب والفساد المالي والإداري والتعذيب وسوء استخدام السلطة… ؛ ولا بد من طلب العون من المجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المدني والنخب الوطنية لتقديم الدعم التقني والقانوني واللوجستي… ؛ لكن الإشكالية الأعمق تكمن في تجذر الفساد داخل مفاصل الدولة نفسها، حيث انتشرت الرشوة والمحسوبية في صفوف الجيش والأجهزة الأمنية، بل وتحوّل بعضها إلى أدوات لقمع المواطنين وابتزازهم تحت حجج واهية… ؛ وهذا يستدعي الاستعانة بجهات محايدة من خارج الدوائر الحكومية الموبوءة بالفساد.
القوانين تحتاج إلى إرادة حقيقية:
إن تشريع القوانين الرادعة لمكافحة الفساد والعنف والتعذيب، وعقد المؤتمرات والندوات الإعلامية الداعية لحماية حقوق الإنسان في العراق، تبقى إجراءات غير مجدية ما لم تُترجم إلى أفعال ملموسة على الأرض، وتُطبق بصرامة دون استثناءات أو محسوبيات.
نداء أخير للمسؤولين:
ها نحن نناضل بعد أن تقطعت بنا السبل لإيصال صوت الشعب المظلوم إلى من تقع على عاتقهم مسؤولية حمايته من بطش الفاسدين والمتسلطين والجلادين والمشبوهين الذين يستغلون مهامهم الأمنية تحت شعارات مكافحة الجريمة أو تطبيق القانون… ؛ ونخص بالذكر رئيس الوزراء السيد محمد شياع السوداني، ووزير الداخلية الذي أجرى إصلاحات مشهودة، ووزيري العدل والدفاع، سائلين الله أن يوفقهم لتحقيق العدل وإنصاف المظلومين وصون كرامة المواطنين .