نصر العرب على إسرائيل: ينتظرون إعادة سردية كرامتهم المسحوقة من أنياب عضة قط بري ؟

نصر العرب على إسرائيل: ينتظرون إعادة سردية كرامتهم المسحوقة من أنياب عضة قط بري ؟

قبل أيام، انفجرت واجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة من النشوة والابتهاج من خلال الواقع الافتراضي تتغنى بأهازيج مدوية من قبل الشارع العربي الذي يبحث عن أي نصر حتى وإن كان من حيوان مفترس؟ السبب؟ حادث تافه لا يستحق حتى أن يذكر؟ خبر مهاجمة “وشق” – قط بري بالمصري – لجنود إسرائيليين، أصابهم بجروح. حادث عادي جدآ قد يتعرض له أي إنسان في مواجهة حيوان مفترس عندما يشعر أي حيوان بري بان هناك خطر يوشك أن يقع عليه ويهدد حياته ,وهو رد فعل طبيعي وغريزة أودعها الله في جميع الحيوانات دون استثناء للدفاع عن نفسه، لكن خواء العقل الجمعي العربي الأجوف، ذلك الحفرة السوداء التي تعفنت من كثرة الهزائم والفراغ المظلم الذي استوطنته الهزيمة عقودًا، وجد في سردية مهاجمة “قط بري” نشوة نصر زائفة يستحق الاحتفاء بها . يا للعار والقرف! شعوب تدّعي التاريخ والحضارة والعراقة والكرامة، تنحدر اليوم إلى هذا المستوى وتتهافت على احتفاء وتتراقص فرحا ؟ لأن حيوانا مفترسا للفئران والأرانب قد نال من عدوها في غفلة، كأن ذلك يعيد لها كرامة سُلبت أو يمحو ذل الانكسارات التي تراكمت كالجبال على صدورها. أي انحطاط هذا الذي وصلنا اليه ؟ أي ذلٍّ أعمق من أن يصبح العقل الجمعي العربي كجثة متعفنة تبحث عن بقايا كبرياء في أنياب وحش؟ 

التاريخ يصرخ في وجوهنا وعلّمنا أن الحروب تُحسم في خواتيم نهايتها دائمآ ، لا في بداياتها الجوفاء المبهرجة . هذه ألمانيا النازية اجتاحت ودكت أوروبا في الحرب العالمية الثانية، لكنها انتهت إلى هزيمة مدوية وجيفة قُسمت بين الذئاب أو كالغنيمة بين المنتصرين . اليابان سحقت ودكّت بيرل هاربر بضربة مذهلة، لكنها ركعت في النهاية تحت وطأة القنابل النووية الأمريكية . لكن العرب، في مواجهتهم مع إسرائيل، لم يتعلموا الدرس لغاية الان . منذ نكبة 1948 حين انهارت جيوشهم النظامية كالقش أمام ميليشيات وعصابات صهيونية، وهم ما يزالون يتوسلون النصر من حفرة الذل والعقل العربي وما يزال لغاية الآن يتخبط في مستنقع الهزيمة. تلك العصابات والميليشيات لم تكتفِ بتمزيقها لهذه الجيوش العربية وبالنصر لهم ، بل أسست دولة فوق جثثهم وأذلّت العرب وجعلتهم يتوسلون ظلال النصر منذ ذلك الحين ولغاية الآن وحتى وان كان من حيوان مفترس ؟، ميليشيات أسست لها دولة بصقت في وجوههم وجعلتهم عبيدًا للخيبات. ثم جاءت هزيمة نكسة 1967، ذلك الزلزال الذي هزّ أوهام القومية العربية وحيث جمال عبد الناصر – ذلك البهلوان القومي وبطل الخطابات النارية الخاوية – باع شعبه في سوق أوهام النصر، وبنى دولة بوليسية قمعية حيث عسعس زوار الليل التي كانت تعد انقاس المصريين يغرقهم في أعمق مستنقع لهزيمة جديدة. ستة أيام فقط، كانت كفيلة بان سحقت جيوش عربية مجتمعة كانت مدججة بالسلاح والعتاد , ولكن تبين لنا بعد أن صحي الجميع على أخبار الهزيمة النكراء المشينة , بان هذه الجيوش العرمرم كانت بالأساس لقمع وإسكات المعارضة والكلمة الحرة وتغيبها في غياهب المعتقلات والسجون والتعذيب الوحشي وليست لمواجهة إسرائيل ؟ وسقطت فيها واحتلت سيناء والجولان والضفة والقدس تحت أقدام الاحتلال، بينما كان العرب يلعقون جراحهم مثل الحيوانات المفترسة والتي احتفى بها خواء العقل العربي قبل أيام بالنصر من خلال الترند ؟ كان ذلك درسًا قاسيًا آخر في فن الهزيمة، لكن العرب لغاية الإن لم يتعلموا ففي فرقتهم نصرا وفي جمعهم هزيمة هكذا ما يزالون يعتقدون الملوك والرؤساء والحكام العرب وهم يطعنون ظهور بعضهم البعض . حتى حرب 1973، التي يتباهون بها كانتصار، لم تكن سوى كرٍ وفرٍ، انتهت ببقاء سيناء تحت السيطرة الإسرائيلية حتى تفاوضوا عليها لاحقًا كجزء من صفقة خضوع مذلة ما يزال يدفع ثمنها الفلسطينيين . 

اليوم نرى بصورة أوضح من السابق ، بعد عقود من الذل وخيبة الأمل، ها هم العرب يبحثون عن بصيص أمل لنصر في مخالب حيوان . إسرائيل اليوم نراها وبكل وضوح تستبيح سوريا وفلسطين ولبنان، تضرب بعرض الحائط كل القوانين الدولية،  بينما من يدّعون “المقاومة” يهرولون للتنصل من أي عمل قد يزعج العدو ؟ “حزب الله اللبناني”  الذي كان يومًا يحسبه معظمهم رمزًا للمقاومة والتحدي والصمود بوجه إسرائيل وصدع رؤوسنا بالشعارات الرنانة الطنانة ، أصبح مجرد شبح ينتظر من يطلق عليه رصاصة الرحمة وبعد أن تم تصفية وقتل جميع قياداته ونخبة مقاتليه , نراه اليوم يتبرأ بسرعة البرق من إطلاق صواريخ قبل أيام على بعض مناطق شمال إسرائيل ، كأن الهزيمة قد نُقشت في جيناته منذ زمن , ولكن لم نكن نراها بصورة واضحة , ولكن اليوم وبعد كل هذه الهزائم اصبحنا تتكشف شيئا فشيء حقيقة محور ما كان يسمى بالمقاومة والممانعة ووحدة الساحات وكذلك جيوش الدول العربية وحكامنا ونحن نرى بما وصل إليه أهل “قطاع غزة” باستشهاد أكثر من 50 ألف معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ وأصبحوا مجرد أرقام تذكر وليس بشر كانوا قبل قليل لهم حياتهم وأحلامهم , يا لها من مهزلة ! شعوب تتغنى بالبطولة، لكنها تركع أمام أول اختبار حقيقي ، تاركة مصيرها للصدفة أو لعضة قط بري لجنود إسرائيليين؟.   

هذا هي حقيقية خواء العقل العربي الجمعي , مجرد خرقة بالية ممزقة بالهزيمة , عقل استسلم للانكسار وتعفن فيها كل أمل حتى بالمستقبل، فقد الثقة بنفسه ، وصار يترنح بين الأوهام والذل. ومنذ 1948 حين انتصرت المليشيات والعصابات الصهيونية على جيوش عربية متهاوية كانت في حقيقتها أضعف حتى من خيوط العنكبوت، وصولًا إلى يومنا هذا، حيث تكتمل توراتية خارطة الشرق الأوسط الجديد تحت أقدام إسرائيل، والعرب يتفرجون كالأيتام على مائدة المنتصرين. مصر والأردن خرجتا من المعادلة بسلام مذل وباعها قضية فلسطين في اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة، العراق وسوريا دُمرتا وتحولت إلى أنقاض ينهش جسدهما ضباع الميليشيات والفصائل الولائية المسلحة، وحزب الله أصبح يترنح كالمخمور ينتظر الذبح على مقلصة الولي الفقيه واليوم الذي يطلق عليه رصاصة الرحمة. وبينما إسرائيل تُرسم حدود الشرق الأوسط والمنطقة من جديد، يظل المواطن العربي لخواء يبحث ليصفق ويبتسم فرحا عن نصر وهمي زائف حتى وان كان هذا النصر سراب في أنياب حيوان مفترس، كأنه سيخلصنا من عار الهزائم طول العقود الماضية وكأن ذلك سيرد له كرامة نهشتها أنياب أنظمته الحاكمة الوحشية والقمعية وعجزه المزمنأي حماقة هذه؟ أي غباء أعمق من أن نعلق كرامتنا الميتة على ومخالب حيوان؟ 

بل سارع أحدهم منتشينا ومن خلال مقال طويل عريض كتبه يشرح فيه تاريخ هذا الحيوان البري وطريقة عيشه وتكاثره وكأننا في درس لعالم الحيوان والجغرافية وأين يستوطن وطريقة تكاثره ثم يختم مقال بعبارة:” وفي ختام رحلتنا مع الوشق، ذلك المخلوق المذهل الذي يجسد البراعة في التكيف والبقاء، نجد أنفسنا أمام عجيبة من عجائب الخلق -التي أتاحت لنا واقعة عقره جنود الاحتلال الإسرائيلي- فرصة الغوص في تفاصيلها المذهلة”.

لكن الحقيقة المرة والمخجلة لن تمحى , وليس المشكلة القط البري من يجب أن يُخجلنا نحن العرب ، بل هذا العقل العربي المكسور والمحطم والمقزز الذي صار يرى من خلال البهائم والحيوانات والنصر فيهم ليس بطلًا وحيدا ولكن أبطالًا لأنه عاجز عن أن يكون بشرًا. إنه ليس نصرًا، ولا نحتاج نصرآ يأتي لنا من حيوان مفترس على إسرائيل وأعداء الإمة العربية والإسلامية ه بل شهادة دامغة على عمق الهزيمة التي نعيشها. متى سيتوقف العرب عن انتظار الخلاص من البهائم ومخالب الحيوانات الوحوش، ويدركون أن النصر لا يُستجدى، بل يُصنع؟ لكن، مع عقلٍ أجوف وإرادة مكسورة ومنهزمة وأنظمة عربية حاكمة خانعة بل رصاصة رحمة تُنهي هذا العفن الذي يُسمى العقل الجمعي العربي. هذا التريند ومن حيث لا يدري الأخر قد أصبح سيفًا يقطع الوهم، ويعري مدى هشاشة ذلك الفراغ الفكري العربي، حيث يترنح العقل العربي في انتظار “حيوان مفترس” ليمنحه نشوة نصر كاذبة تذوب كالسراب في لحظة!

 خواء العقل الجمعي العربي وتعلقه بوهم النصر الزائف يتجسد لنا اليوم بصورة حقيقية ومن خلال الترندات التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا قبل أيام ؟ ومن حيث لا يدري الأخر قد أصبح هذا الترند سيفًا يقطع الوهم ، ويعري مدى هشاشة ذلك الفراغ الفكري العربي، حيث يترنح العقل العربي في انتظار “حيوان مفترس” ليمنحه نشوة نصر كاذبة تذوب كالسراب في لحظة ! متى سنتوقف عن التسول من التاريخ العربي والإسلامي ونصنع نصرًا حقيقيًا ؟ الجواب واضح : ليس اليوم، وليس غدًا، ولا حتى بالمستقبل ؟ هكذا نرى الآن ؟ إلا إذا حدثت معجزة إلاهية ونحن مع الأسف لسنا في زمن المعجزات ولا الأنبياء والرسل والقديسين , ما دمنا نرقص كالمهووسين لعضة حيوان قط بري !، وربما تبقى هذه الأسئلة بلا إجابة، معلقة في فراغ التاريخ كما نحن اليوم .

[email protected]