خاص: قراءة – سماح عادل
في رواية “المرآة” للكاتب العراقي “حميد العقابي” نعاين التناقض الذي تعيشه شخصية البطل، الذي هرب من جحيم وطنه، والذي تنقل في البلدان ليستقر في بلد أوروبي هو الدنمارك.
الشخصيات..
“سامي عبد الحسين كاظم”: البطل، رجل خمسيني، تبدأ به الرواية، يذهب إلى السجن بسبب جريمة قتل، ثم نتعرف على حكايته من بدايتها، شيوعي كان منضما للحزب الشيوعي في العراق ثم ترك جحيم بلاده، ليعيش في الدنمارك ويستقر هناك.
سهاد: حبيبته وزوجته، تنتمي هي أيضا للتيار الشيوعي ويهربان معا، لكن السنوات والحياة تغيرها فتتحجب وتقترب إلى الدين، كما أنها تعيش بمعزل عن زوجها وتترك فجوة كبيرة بينهما.
روز: ابنة البطل، تولد وتتربى في الدنمارك، وبعد أن كانت مبهورة بتاريخ وطن أبويها وتفكر في دراسته، تكرر أن تغير تخصصها الدراسي، وتندمج كليا في المجتمع الذي تعيش فيه بقيمه وعاداته وأخلاقه مما يؤدي إلى النهاية المأساوية لبطل الرواية.
زوجته الثانية: سيدة تعيش في الدنمارك، لكنها محجبة، وتتزوج من البطل بعد علاقة تعارف على الانترنت لكنها بعد أن تنجب منه تتركه ولا نعلم سبب الهجر.
الراوي..
هو البطل، الذي يحكي عن نفسه وعن الأحداث في الوقت الحاضر بضمير المتكلم، وحينما يتذكر يخاطب نفسه بضمير المخاطب، حيث يحكي عن الماضي. ثم يقرر راو عليم نهاية البطل في نهاية الرواية.
السرد..
الرواية تقع في حوالي 162 صفحة من القطع المتوسط، وتبدأ في الوقت الحاضر حيث البطل مقاد إلى السجن بواسطة اثنين من عناصر الشرطة الدنماركية، ثم وهو في رحلة الذهاب إلى السجن يحكي ويستعيد ماضيه بدء من شبابه وانضمامه للحزب الشيوعي في بلاده العراق، ثم تنتهي الرواية بالكشف، الكشف عن المقتول ثم نهاية البطل نفسه الذي يموت في السجن.
تناقضات وصراعات..
تكشف الرواية عن تناقضات البطل “سامي” وصراعاته النفسية، واعترافه هو نفسه بحجم تناقضاته، فهو حين يحكي يرصد تقلباته وتشظيه وصراعاته النفسية، يحكي أيضا عن الحزب الشيوعي الذي تحالف مع الحزب الحاكم مما أدى إلى خسارات كبيرة على مستوى الأعضاء وعلى مستوى حركة الحزب وأدائه لينتهي الأمر بقمعه تماما واختفاءه من الوجود.
يحكي عن ضعفه النفسي والذي هو ضعف إنساني مشروع حين اعترف واستسلم لطلبات جلاده الذي عذبه بشكل وحشي، ووقع على ورقة اعتراف، ويشعر البطل بالخزي من اعترافه. لكنه مع ذلك يصر على أن تراه حبيبته على هيئته وقت خروجه من المعتقل لتعرف مدى معاناته. ثم يستمر في حياته..
ويتزوج منه “سهاد” بناء على رغبتها ورغبة والدتها، ويستفيد من عمل أبيها وثرائه لكي يرتاح، ويعترف في أثناء حكيه بذلك أيضا، فهو يتذكر مع ذاته ويواجهها بنقائصها، ويعترف بها لكن فقط أمام ذاته.
تناقضات المناضل في علاقته بالنساء..
أبرز ما في الرواية أنها ترصد تناقضات ما يمكن تسميتهم المناضلين، أو الذين يقررون أن ينضموا لحركات التغيير، فمثلا حين كان يحكي عن خطبة له عن حقوق النساء يرصد الكاتب تناقضاته نحو علاقته بالنساء، فهو يسير إلى أقصى الطريق ويخطب خطبة عن حقوق النساء والمساواة لكنه مع ذلك يفكر في “سهاد” كذكر، ويشتهيها، ويريد أن يستمتع بجسدها بأقصى سرعة ممكنة وحين ترفض ينصاع لذلك. لكنه يبقى يحلم بامتلاكه، إن ذلك المناضل الذي يؤمن بحقوق النساء في داخله يحب امتلاكها، ولم يتخلص من رواسب المجتمع الذي تربي فيها على أن الرجولة من إحدى تجلياتها امتلاك جسد المرأة، والتسيد عليها.
وحين يكتشف بعد زواجه منها وهروبهما سويا في طرق وعرة أنها ليست عذراء وأن هناك من سبقه إليها، ينهار نفسيا، ويشعر بالخزي أيضا، لكنه يسامحها، ربما مضطرا أو مجبرا، لأنهما معا في ظروف إنسانية غاية في السوء، أو ربما لأنه يسامحها بالفعل، لكنه يختزن ذلك الموقف داخله.
وحين يمارس معها العلاقة يقول لها “امتلكك وعاهرتي” ويحب أن يتسيد عليها كذكر، وهي تستجيب له، كل ذلك كم من التناقضات في علاقة البطل “سامي” بالمرأة والتي لم تنته عند هذا الحد.
وإنما حين شعر بالجفاء من ناحية زوجته التي انصرفت عنه كلية بعد إنجابها لابنته “روز”، لم يحاول الاقتراب أو تبديد الجفاء، وإنما استسلم له تماما كعادته في علاقته بها يبدو مستسلما، ويتعرف على سيدة أخرى من الانترنت، ويتقرب منها بشكل حميمي ويذهب لمقابلتها وينتوي إقامة علاقة جنسية معها، لكنها ترفض وتطالبه بالزواج وينصاع لها أيضا على غير إرادته وحين تنجب منه لا نعلم سبب الجفاء بينهما وتتركه.
يظل “سامي” يتذكر وهو في طريقه إلى سجن طويل تداعيات حياته، ويتذكر كيف أن زوجته “سهاد” لم تنس “صارم” ذلك الشاب الذي أحبته والذي أقامت معه أول علاقة حميمية، حتى أنها في إحدى مرات اقترابهم وكانت مخدرة بتأثير الشراب تناديه بلهفة ب”صارم”، ولم يأخذ منها موقف كما هي العادة، وإنما استمر في سلبيته في علاقته معها.
لكن ومع كل تلك السلبية في تعامله مع زوجته الأولى “سهاد” وزوجته الثانية التي جرته لزواج لا يقبل به ويخاف منه ثم أنجبت منه رغما عنه، نجده، وبعد أن تتكشف جريمته للقراء، يقتل ابنته “روز” التي تمردت عليه وعلى أمها، وأصبحت تجاهر بكراهيتها لموطنهما الأصلي وتعايرهما بعدم اندماجهما في المجتمع الجديد الذي يعيشان فيه، وتعلن في جرأة علاقتها بشاب دنماركي، علاقة حميمية دون زواج.
فنجد البطل يخرج عن سلبيته المعهودة ويقتل ابنته، لكنه حتى حين حكي عن تلك المأساة التي أدت به إلى مصير السجن لسنوات طويلة لا يتذكر سوى أنه قتل نفسه.
لا نعلم لما قتلها وهو الذي تقبل علاقة أمها ب”صارم” قبل الزواج واستمر في زواجه منها وسامحها، وهو الذي كان ينتوي إقامة علاقة مع سيدة أخرى وهو متزوج، وهل قتلها لأنه يرفض نمط الحياة الغربية التي تبيح للمرأة ممارسة الجنس دون زواج، وتمسكه بعادات وقيم مجتمعه أو قتلها لشعوره أنها خرجت تماما عن سيطرته وسلطته، فهو نفسه لم يقل السبب وربما لم يعي هو نفسه سبب قتله لابنته، لأنه حتى وهو يحكي تخيل أنه قتل نفسه الممزقة.
وهنا نفهم كقراء مدى تناقض البطل وصراعاته النفسية تجاه مسألة المرأة ككل، وهي صراعات مألوفة ومتواجدة بكثرة بين صفوف من يدعون الرغبة في التغيير والرغبة في الثورة على المجتمع وقيمه وتقاليده وطبقيته وظلمه.
التمزق النفسي بين مجتمعين..
كما ترصد الرواية التمزق النفسي الذي يعانيه البطل الذي عاش في مجتمع شرقي محافظ ومغلق، بل وتحكمه سلطة غاشمة وتجعل أفراد شعبه يدورون في دوائر من الحزن والهرب والقتل والاغتيالات والحروب، وكيف عاني أفراد كثيرون من هذا الشعب من الهرب والتشتت بين البلاد ومباشرة المخاطر ومخاوف والسجون والمعتقلات، سواء في بلدهم أو بلدان أخرى.
كل تلك التجارب الحياتية القاسية انحفرت عميقا في نفوس هؤلاء الأفراد الذين أصبحوا لاجئين في بلدان غربية مفترض أن تكون متحضرة ومتقدمة. لكنهم ومع أرواح مجروحة ونفوس معذبة لم يستطيعوا التأقلم تماما مع تلك المجتمعات الجديدة، ظلوا يعيشون التوزع النفسي ما بين وطن أصبح مستحيلا العيش فيه أو العودة إليه، وبين مجتمع ليس بوطنهم ولا ينتمون إليه أو يألفوه أو اعتادوه لكنهم يعيشون فيه مغتربين يحلمون بوطنهم الأصلي وفردوسه الضائع، ويقتلهم الحنين إليه.
الرواية مميزة ترصد أعماق البطل وتناقضاته ومخاوفه وأفكاره وحتى وعيه بتناقضاته وتمزقاته النفسية، استخدمت لغة جميلة وفلسفية، حين كان البطل يعبر عن نفسه أمام رجلي الشرطة، وأيضا حين كان يتذكر ماضيه.
لم يهتم الكتب بسبر أغوار باقي الشخصيات وإنما فقط البطل “سامي”، وإن كنا قراء فهمنا مدى التوزع النفسي الذي عاشت فيه “سهاد” أيضا وشعورها بعدم التأقلم في تلك البلد الجديدة، وتذبذبها النفسي حين شكت أن لديها مرضا خطيرا، ومدى تعاستها لأنها كانت تحتفظ بحبها ل”صارم” الذي هجرها لكي يتزوج من ابنة عمه التي جعلها تتحجب، وهو يعكس نموذج آخر من الشيوعي المتناقض مع نفسه وأفكاره، وعيشها مع “سامي” الذي ربما لم تحبه بما يكفي لكي ينسيها ذكرى “صارم”، وإنما وجدته فرصة سانحة للزواج.
الكاتب..
“حميد العقابي” هو شاعر وقاص وروائي عراقي، ولد في مدينة الكوت في العراق في 1956، رحل عن العراق في 1982، تعرض للأسر في إيران ثم عاش في سوريا وبعدها أقام في الدنمارك منذ 1985.
كتب “حميد العقابي” الشعر والقصة القصيرة والرواية وله حوالي عشرون عملا إبداعيا، لكنه كان يعاني من صعوبة النشر، ومن قلة انتشار أعماله في البلدان العربية مثل معظم الكتاب العراقيين، ورغم ذلك كان بارعا في أدبه واستمر يكتب حتى فاجأه الموت بسكتة قلبية في منفاه بالدنمارك . توفي “حميد العقابي” في مدينة (فايله) الدنماركية بتاريخ 4 أبريل عام 2017.