خاص : كتبت – نشوى الحفني :
فيما يبدو أحد النتائج الإيجابية لـ”قمة دول الجوار”، التي عقدتها “بغداد”، أوائل الشهر الجاري، أعلن وزير النفط العراقي إن شركة النفط الفرنسية العملاقة، “توتال”، ستبني أربعة مشروعات عملاقة للطاقة جنوبي البلاد، بقيمة: 27 مليار دولار بموجب اتفاق وقع في “بغداد”، الأحد الماضي، فيما قال مسؤول في “توتال”، خلال مراسم التوقيع، إن الشركة ستبدأ باستثمار مبدئي قيمته: 10 مليارات دولار، مشيرًا إلى أن الأعمال الهندسية ستبدأ بنهاية العام الجاري، مضيفًا أن الخطة هي حشد فرق العمل في “العراق”، بنهاية العام الجاري.
وأضاف “إحسان عبدالجبار”، أن الغاز المُنتج من مشروع “توتال”، في الجنوب، سيساعد “العراق” على خفض وارداته من الغاز من “إيران”، وأن الغاز المُنتج محليًا سيكون أرخص من “الغاز الإيراني”.
وقال إن تكلفة الغاز المستورد من “إيران” تبلغ نحو ثمانية دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية؛ وإن الغاز الذي سينتجه مشروع “توتال” سيكون أرخص بواقع: 1.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
وأشار إلى أن المشروعين الآخرين سيكونان عبارة عن محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية ومشروع لزيادة إنتاج الخام من “حقل أرطاوي”.
يستهدف تحقيق الاستثمار الأمثل لثروات العراق..
وذكر بيان لمجلس الوزراء أنه: “جرى الأحد؛ وبرعاية رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، مراسم التوقيع بالحروف الأولى، على مظلة الاتفاق لمشاريع الاستثمار الأمثل للغاز المصاحب وتطوير الحقول النفطية، والمتضمن: 03 عقود بين وزارة النفط العراقية وشركة توتال الفرنسية، والعقد الرابع مشروع الطاقة الشمسية بين وزارة الكهرباء وشركة توتال الفرنسية”.
ويهدف الاتفاق، بحسب البيان؛ إلى: “تحقيق الاستثمار الأمثل لثروات العراق، من الاحتياطي النفط والغازي والثروة المائية، وتأمين درجة عالية من الاستقرار للطاقة الكهربائية، فضلاً عن رفع الطاقة الإنتاجية للنفط”.
ويتضمن المشروع الأول: “تطوير حقل أرطاوي النفطي، البالغ إنتاجه المتاح: 85 ألف برميل يوميًا، إلى إنتاج ذروة يصل إلى: 210 آلاف برميل يوميًا، وإدخال التكنولوجيا الحديثة، وتدريب الملاكات العراقية، وتوفير فرص عمل للمواطنين العراقيين”.
ويتضمن المشروع الثاني: “إنشاء مجمع غاز أرطاوي؛ بسعة: 600 مليون قدم مربع قياسي، (مقمق)؛ لغرض استثمار الغاز المحروق من حقول النفط، ما يؤدي إلى تقليل استيراد الغاز من دول الجوار، وإنتاج كمية مكثفات تقدر: بـ 12000 برميل يوميًا، وإنتاج كمية من الغاز المسال، (LPG)، تقدر: بـ 3000 طن يوميًا للسوق المحلية، فضلاً عن إدخال التكنولوجيا الحديثة، وتدريب الملاكات العراقية، وتوفير فرص عمل للمواطنين”.
أما المشروع الثالث، – بحسب البيان – فقد: “تضمن تجهيز ماء البحر المشترك، وذلك باستثناء جزء من شبكة الأنابيب بطاقة: 05 ملايين برميل ماء يوميًا، المحطة المعالجة وبطاقة تصميمية قدرها: 7.5 مليون برميل ماء يوميًا، بالإضافة إلى إدخال التكنولوجيا الحديثة، وتدريب الملاكات العراقية، وتوفير فرص العمل”.
ويتضمن المشروع الرابع: “إنشاء محطة توليد الطاقة الكهربائية تعتمد على الطاقة الشمسية، لإنتاج طاقة كهربائية بكلفة أقل من: 45 بالمئة من كلفة إنتاج الطاقة من المحطات الطاقة الحالية، وبقدرة إنتاج إجمالية تصل إلى: 1000 میغاواط”.
ولفت البيان إلى أن: “القيمة الإجمالية للمشاريع الأربعة تبلغ: 27 مليار دولار، فيما يصل العائد الإجمالي من الأرباح خلال مدة العقد إلى: 95 مليار دولار، باحتساب سعر البرميل: 50 دولارًا”.
اتجاه لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية..
وفي حزيران/يونيو الماضي، وقعت “وزارة النفط” العراقية أضخم عقد لإنتاج الطاقة النظيفة، مع شركة “مصدر” الإماراتية، بهدف إنتاج: 2000 ميغاواط من الطاقة، في وسط وجنوب البلاد.
ومع النقص الحاصل في ساعات تجهيز الطاقة الكهربائية في “العراق”، تبرز مشاريع توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بقوة في ملف إنتاج الكهرباء، خاصة أن الحكومة أنفقت نحو: 80 مليار دولار على الكهرباء؛ منذ تغيير النظام السابق، دون أن تتمكن من إنهاء الأزمة التي تصل ذروتها في الصيف.
تتجه الحكومة العراقية نحو استغلال الطاقة النظيفة؛ في مسعى لتغيير طبيعة الاقتصاد بشكل جذري، وتقليل الاعتماد على “الغاز الإيراني”.
وخلال الأعوام الماضية، عانى “العراق”، بشكل متكرر، من أزمة حادة في الطاقة الكهربائية، إذ تتصاعد بين الحين والآخر؛ بسبب تلكؤ الغاز المستورد من “إيران”.
وكانت “وزارة النفط” العراقية، قد أعلنت، في شهر آذار/مارس الماضي، توقيع اتفاقية مباديء مع شركة “توتال” الفرنسية لتنفيذ 04 مشروعات، بينها إنشاء مجمعات ووحدات لمعالجة الغاز المصاحب واستثماره، وذلك على مرحلتين بطاقة: 600 مليون قدم مكعب قياسي، بجانب مشروع تطوير “حقل أرطاوي” النفطي، جنوبي البلاد.
وضع المشاريع على الطريق الصحيح..
وتُعتبر شركة “توتال”، التي تتخذ من “باريس” مقرًا لها، واحدة من أكبر ست شركات نفطية في “العراق”، ولها استثمارات في مناطق متفرقة من “العراق”.
عن المشروع، قال مسؤول في “وزارة التخطيط” العراقية، إن: “التوجه العراقي، تعزز بعد عقد قمة دول الجوار التي عقدت الشهر الماضي، حيث بحث رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، مع الرئيس المصري والفرنسي هذا المسار؛ وكان هناك ترحيب من قبل فرنسا، وكذلك مصر، التي تتمتع بتجربة جيدة في هذا الجانب، فضلاً عن الإمارات التي وقعنا عقدًا معها”.
يضيف المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه؛ لـ (سكاي نيوز عربية)؛ أن: “العراق متأخر في مجال الطاقة الشمسية، وهناك دول سبقتنا كثيرًا، لكن المهم لدى الحكومة الحالية، وضع المشاريع على الطريق الصحيح، لاستكمالها فيما بعد”.
وتابع: “التجارب العربية جيدة وهناك تقدم واضح، خاصة وأن الأجواء ملائمة لمثل هذا النوع من الطاقة، بالإضافة إلى الحاجة الملحة لها”.
ويشمل التوجه الجديد، تعزيز موقع “العراق” على قائمة الدول التي تعتمد مصادر الطاقة المتجددة، كـ”الرياح والطاقة الشمسية”، واستبقت الحكومة العراقية، “قمة بغداد”، بإعلان تغيير اسم “وزارة الكهرباء” لتصبح “وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة”.
لملء فراغ رحيل القوات الأميركية..
وقال عضو “مجلس النواب” العراقي عن إقليم كُردستان، “عبدالعزيز حسن”؛ إن هذه الصفقات تأتي بعد زيارة الرئيس الفرنسي، “ماكرون”، ودعمه للبلاد، حيث يريد الفرنسيون الدخول إلى “العراق” لملء الفراغ الذي سيخلفه رحيل القوات الأميركية عن “العراق”، مشيرًا إلى أن “الكاظمي” لديه أجندة خاصة بالاستثمار في البلاد؛ وكيفية مراعاة دول الجوار والبلدان التي لها دور أساس في المنطقة.
لا يحق لحكومة تصريف الأعمال توقيع العقود !
من جهته؛ يقول الخبير الاقتصادي العراقي، الدكتور “رحيم الكبيسي”، إنه: “بكل أسف في العراق الآن لا تستطيع أن تفتش عن فراغ دستوري وإداري وقرب انتخابات، وهل يحق لحكومة تصريف أعمال أن توقع عقود بتلك المبالغ الطائلة، ولكن هذه ليست المرة الأولى، نحن نعرف أنه في آخر أيام رئيس الحكومة السابق، عادل عبدالمهدي، تم توقيع مذكرة تفاهم مع الصين، وهناك من كذبها وهناك من أكدها، وفي النهاية لم نحصل على شيء من الحقيقة”.
وأضاف في حديثه لموقع (سبوتنيك) الروسي، أن زيارة الرئيس الفرنسي لـ”العراق”، بالتأكيد لها طابع اقتصادي أكثر منه سياسي، حيث امتدت الزيارة لأكثر من يوم؛ إلى أن فوجئنا بالتوقيع بين الحكومة العراقية و”توتال” الفرنسية، بمبلغ 27 مليار دولار؛ لإنشاء محطات طاقة شمسية، معربًا عن أمنيته بأن يخدم هذا التوقيع المواطن العراقي، فهم يقولون إن: “كل العقود التي أبرمت سابقًا؛ والتي ستُبرم في قادم الأيام تخضع للمحاصصة، ويذهب: 20 بالمئة من قيمة العقد إلى الطبقة السياسية التي تتربع على الساحة السياسية في البلاد من خلال اللجان الاقتصادية الموجودة لدى هذا التكتل أو هذا الحزب أو ذاك”.
وتابع الخبير الاقتصادي، أنه رغم التوقيع مع الشركة الفرنسية بالأحرف الأولى، إلا أن التفاصيل ما زالت غائبة ولا يعلم الشعب من أين ستأتي الطاقة الشمسية، ولماذا تنبهت حكومة “الكاظمي”، بعد تلك السنوات الطوال؛ أننا نحتاج إلى توظيف الطاقة الشمسية لكي نحصل على الكهرباء، وقد ذكرت منذ فترة وجيزة أن هناك: 80 مليار دولار صرفت على الكهرباء، ثم تفاجأت بوزير المالية يُصرح بأن الدولة صرفت: 120 مليار على قطاع الكهرباء، ومع ذلك مازالت الكهرباء تنقطع ساعات طوال خلال اليوم.
وتساءل “الكبيسي”، هل هناك ضمانة أن تبقى هذه الحكومة ما بعد إجراء الانتخابات القادمة، هناك أمور سرية لا أحد يعلمها، لكن نرى بعض المؤشرات عليها، مثل عودة “مقتدى الصدر” للمشاركة في الانتخابات؛ وتبجيله لـ”الكاظمي” في كل خطاباته، وبالتالي قد تكون هناك اتفاقات على تسمية “الكاظمي” مجددًا بعد الانتخابات، لأن الكتلة الأكبر هي من تختار رئيس الحكومة، متوقعًا أن لا تكون هناك كتلة تستطيع بمفردها القيام بذلك، لذا سوف تتعطل عملية تشكيل الحكومة الجديدة لعدة أشهر، وهنا تُطرح فكرة استمرار حكومة “الكاظمي” وتتحول من حكومة تصريف أعمال إلى حكومة دائمة، خلال السنوات الأربع القادمة، وسوف نسمع عن الكثير من التوقيعات مع عدة دول قبل الانتخابات المقبلة.
الاستقرار يبدأ من مرحلة تصفير الأزمات..
ومن “بغداد”؛ أكد مدير مركز “بغداد” للدراسات الإستراتيجية، الدكتور “مناف الموسوي”، إن: “قمة بغداد” استطاعت أن تجمع الفرقاء المتخاصمين في منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف “الموسوي”، أن هدف القمة كان رسم خارطة للعلاقات التي تتحدث عن شراكات اقتصادية سياسية، مؤكدًا أن “فرنسا” لها أكثر مقبولية من جميع الدول الأخرى.
كما أوضح “الموسوي”، أن وجود “فرنسا” في “العراق” مرغوب فيه، لافتًا إلى أنه لا يمكن الفصل بين الأهداف الاقتصادية والسياسية، لأن الاستقرار يبدأ من مرحلة تصفير الأزمات.
النفط والسياسة وجهان لعملة واحدة..
ويرى الخبير الاقتصادي، الدكتور “حيدر عصفور”؛ أن: “هذا العقد يُعد من العقود الكبيرة والمهمة للعراق، كونه يوفر الكثير من مشاريع الطاقة، والتي العراق بأمس الحاجة إليها، وكذلك في مجال النفط الذي يعتمد عليه العراق، باعتباره بلدًا يعتمد بصورة كلية على النفط”.
وتابع “عصفور” بالقول: “يحتل العراق المركز الثاني في احتياطي النفط، والدول تتسابق للحصول على هذا الاحتياطي، سيما أنه كلما قل النفط كلما ارتفعت قيمته، وانفتاح العراق على الدول الغربية وعلى جيرانه يؤدي إلى احتدام المنافسة بين الدول والشركات”.
وأضاف “عصفور” قائلاً: “النفط والسياسة وجهان لعملة واحدة، ولا أعتقد أن الولايات المتحدة تعارض هذا العقد مع فرنسا، كون الأخيرة عضوًا في التحالف الأميركي، إذ أن الكثير من الدول تُشارك في التحالفات من أجل الحصول على مصالح معينة”.