جلنا يذكر عبارة “صفحة الغدر والخيانة” التي أطلقها النظام المقبور على الانتفاضة الشعبانية، تلك الثورة العارمة التي أججها القمع والظلم وتضييق الخناق، وكذلك الكبت والحرمان وغمط الحقوق، التي عانى منها العراقيون مجتمعة، ولاسيما سكان محافظات الفرات الأوسط والجنوب، والتي أضحى نظام صدام حينها قاب قوسين او أدنى من السقوط والانهيار، ولولا “صحوة” آل سعود آنذاك وتنبههم الى أن خطر المد الثوري في العراق سيشكل خطرا على مملكتهم، لأتت الانتفاضة أكلها يانعة نضرة، ولأصبحت قطوفها دانية ووصلت أفواه العراقيين. إذ أن الجانب السعودي وقع في شرك مخططاته لإسقاط نظام صدام، وخانته حساباته، وخذلته التداعيات التي ظهرت على سطح الأحداث، بُعيد انسحاب الجيش العراقي القسري من أرض جاره الجنوبي الكويت، فتجسدت في آل سعود الأرجوزة العراقية الشعبية؛ (الماگدرها يغص بيهه)..! ومعلوم أن المقبور -او الملعون او المرحوم- بنظامه العدواني، بات يشكل خطرا على جيرانه بعد أن وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها في آب عام 1988، إلا أن نهايته بانتفاضة السواد الأعظم من شعبه لم تكن هي الصورة التي ترغبها مملكة آل سعود، فسعت الى تغيير النتائج وتجيير الأحداث لصالحها بأقرب السبل وأسرعها، فكان التدخل الأمريكي عين الطلب، وكانت أمريكا نعم المستعان، إذ سرعان ما قدمت الأخيرة العون الى الدكتاتور وقلبت الحسابات رأسا على عقب، وأدارت بوصلة الأحداث باتجاه يضمن سلامة نظامه من السقوط، وبالتالي يتحقق الضمان للسعودية -وكذلك دول الخليج- من تهوره وبطشه وسياسته العدوانية بتصفيد أذرعه الشيطانية بالحصار ولجان التفتيش وغيرها من القيود، فكان ماكان من أحداث استعاد بعدها صدام قوته، وإن كانت جوفاء محصورة بأبناء جلدته العراقيين.
أعود الى “صفحة الغدر والخيانة”، لو استحضرنا ماحدث عام 1991 واستذكرنا انتفاض الشعب العراقي على نظامه الحاكم آنذاك، وقارنا بينها وبين مايحدث في الشارع العراقي اليوم من تظاهرات، لتوصلنا الى حقيقة أن الدوافع في الحالتين واحدة، ودواعي الانتفاض بالأمس هي ذاتها دواعي التظاهر اليوم، فالمواطن العراقي ما عاد يطالب بغير الحد الأدنى من حقوق المواطنة التي تتمتع بها شعوب العالم، وكما يقول مثلنا؛ (تريد عنب لو چتل الناطور) فالعراقي يريد من خيرات بلده نصيبا بأية نسبة كانت، كذلك هو يروم الى نيل مفردات حياتية من واجبات حكومته توفيرها له، ومن المؤكد أنه ينتفض ويثور ويتظاهر إن لمس العكس من هذا، فكيف به إذا عانى سرقة حاكميه لثروات بلده برمتها! ومايكون رد فعله إذا سلبوه حقوقه في وطنه بدءا من توفير الخدمات، الى تهميش مصلحته بل سحقها وتمويعها امام مصالحهم؟ وفوق هذا وذاك تعريضه الى أخطار داخلية وخارجية، ووضعه موضع المواجهة مع تداعيات دولة لاقانون يفرض سيطرته فيها، ولا قوة تحميه من المافيات العديدة والمتنوعة التي تتولى إدارة البلاد بشكل خفي، الأمر الذي جعل الموت أول جني يحصده من أرض أجداده التي أضاعوا ثلثها على يد عصابات غازية، ورُبعها صار حكرا على شريحة من المجتمع دون أخرى، وخُمسها يتسيد فيها قانون العشائر وتبسط التقاليد البالية نفوذها فيه، وسُدسها خرج من سيادة الدولة كإقليم يحكمه دكتاتور، وسبعها تصحر وجف وآل الى أرض قاحلة غير صالحة للعيش، وثُمنها استحال الى أرض متنازع عليها، وتسعها وعشرها… وتبدد الوطن وتشتتت بقاع البلاد بين طامع وغازٍ ومنتهز ومتهور وجاهل وأخرق.
بعد هذا كله، مَن بطل صفحة الغدر والخيانة اليوم؟ من الذي غدر ومن الذي خان؟ هل الشعب غدر بحكوماته؟ أم الحكومات لها قصب السبق في غدر الشعب وخيانته!.