الجمعة 2 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

ومن حب (بطانة الرئيس) ما قتل!

تكتسب شهادات العاملين مع الحكام والرؤساء والوزراء وغيرهم قيمة كبيرة، لما تكشفه من خبايا وخفايا ما وراء الجدران والكواليس، وتبينه من طبيعة الشخصيات المسؤولة وسلوكياتها، مما ينفع وبشدة في الوصول إلى تصور عام حولها وتقييم تلك المراحل الزمنية بدقة أكبر.

وهذا كله لا يعني بطبيعة الحال تزكية الشخص المتحدث، فغالبية هؤلاء ممن يدافع عنه نفسه، ويحاول الخروج بريئاً من كل السيئات التي ارتبطت بالعهد الذي وجد فيه، كما هو حال كتّاب المذكرات.

شاهدت مؤخراً شهادات متواصلة للدكتور مصطفى الفقي، سكرتير المعلومات عند الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، وضمن استضافات متعددة وافادات قدمها الرجل وحملت معلومات غنية، على الرغم من نرجسية صاحبها التي ينبغي وضعها في الاعتبار حين المشاهدة.

المهم، يتحدث الفقي في واحدة من تلك الوقفات عن التحول في شخصية الرئيس مبارك، بين حقبة الثمانينات وما بعدها، ويسرد وقائع تتشابه في مضمونها مع ما كان سابقاً، وما يقع حالياً، ولا نبالغ ان قلنا ما سيقع لاحقاً!!

هذا التحول في شخصية الحاكم بالغ الأثر، فهو ينتقل من مستمع جيد، وحريص على الانجاز، وزاهد في البقاء، إلى مستبد حالم، وماسك بالسلطة بكافة تفاصيلها، وعاشق حدّ المرض لكرسي الرئاسة الذي يحمل معه سحراً ووباءً ليس من السهل الفكاك او الشفاء منه!

وواحدة من أهم أسباب ما حدث ــ وكما يفيدنا الفقي ــ يكمن في البطانة التي توجد بتتابع الوقت والزمن وبالتدريج مع الرئيس، والتي تشكل حاجزاً عازلاً عما يحدث خارج القصر والمكتب والمنزل، وتستبعد كل صوت مخلص، أو عين صادقة للواقع ولما يحدث وتنقل له الحقائق دون تزويق، وكل ذلك من منطلق الحب للرئيس والحيلولة دون ازعاجه!

ولا يعلمون أن من الحب ما قتل… للأسف!!

ان هذا الموضوع ليس جديداً، ولعل هذا هو سبب التأكيد عليه، فتكرار الوقوع في نفس الخطأ غريب وعجيب، واستعادة الإخفاق وبامتياز وبراعة يحمل ألف علامة سؤال يعلوها الاندهاش.

ولو راجعنا أدبيات هذا الباب في تراثنا الإسلامي لوجدنا تركيزاً بالغاً على مسألة البطانة، بل نجد ان ابن الأزرق ( المتوفى سنة 896 هـ) في كتابه الرائع الماتع بدائع السلك في طبائع الملك، يجعلها ضمن أركان الملك وقواعد مبناه ضرورة وكمالاً وفي الأفعال التي تقام بها صورته ووجوده، فيقول: (اتخاذ بطاقة الخير لما يراد بهم، واجب في حفظ الملك أصلاً وفرعاً)، وغير ذلك كثير جداً جداً… اما التراث الانساني العام فهو يعزز هذا الجانب ويدعمه ويؤكد على ضرورته.

ان مصائب الأمم، وأزمات المجتمعات والدول، تحتاج إلى قائد متميز، وحاكم عادل، والأخير لا ينفك عن الحاجة إلى صاحب رأي سديد، ومخلص امين، يفك عنه حصار المقربين من المحبين المزعومين، ويجعله وسط الأحداث كما هي دون تجميل او تزييف.

وليتذكر كل صاحب سلطة مسيرة التاريخ العميقة الطويلة، والشواهد العديدة التي تؤكد ان كل حاكم سلم أمره وسلطاته إلى بطانة السوء كانت نهايته لا تقل سوءاً عمن يحيط به، ولمن لا يعلم او يقتنع فليتابع حديث الدكتور الفقي على سبيل المثال، والذي يربط ببراعة بين هذا التحول الذي أشرنا إليه أعلاه، وبين نهايات نظام مبارك، إلى درجة وصف حكمه بسنوات الفرص الضائعة!

فهل من معتبر… قبل ضياع السنوات وفرصها التي لا تتكرر؟!

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

السوداني في طهران، متى يكون في أنقرة..!!

تشكّل زيارة محمد شياع السوداني لطهران،فرصة لنزع فتيل أزمة مفتعلة،أرادت طهران بها تصديرأزمتها الداخلية الى الخارج،فكانت تهديدات قائد الحرس الثوري بإجتياح شمال العراق في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لافروف: أصعب فترة في تاريخ العالم قد جاءت !

 المؤتمر الصحفي الكبير الذي يضم جميع الصحفيين المحللين الروس ، والمراسلين الأجانب المعتمدين في وزارة الخارجية والذين يبلغ عددهم باكثر من 500 شخصية إعلامية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ "مثلث رعب" يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التسوية مع المتهم !

واجب القضاء التطبيق السليم للقانون، وهو ما نتوسمه في قضائنا، ولا سيما في القوانين الإجرائية التي تعدّ عماد الدعوى وأساسها الكفيل بحسن توجيهها، ولهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايها الشهيد نم قرير العين

ضمناسبة يوم الشهيد العراقي في الأول من كانون الأول. قال تعالى في سورة آل عمران169ـ 170((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظام الابتذال العالمي

كتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن نظام التفاهة، المسيطِر على العالم، غير إنّ هذا النظام في الحالة العربية، والعراقية، يؤسس لانهيار أعظم. بَلْ قلْ إنّ...