الجمعة 2 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

متحجرات الادارة؟

في علم الاثار هناك ما يطلق عليه مصطلح المتحجرات (Fossils) وهي بقايا كائنات حية عاشت في الماضي ثم ماتت وانطمرت بعوامل الطبيعة ومضى عليها آلاف او ربما ملايين السنين، حيث تتحول بتقادم الزمن في مكانها الى مواد حجرية او كلسية، ولا اعني هنا الخوض في موضوعة تلك المتحجرات إلا ما أقصده في تكلس أصحاب المناصب والإدارات في مكانها حتى وصلوا إلى مرحلة من التحجر السلطوي الذي حولهم إلى هياكل خشبية مزركشة على الطريقة الهندية، هؤلاء الموظفين السلطويين الذين أحالوا دوائرهم إلى مستنقعات آسنة بالفساد، وأصابوا بقية العاملين معهم أما بالإحباط أو الكسل أو الفساد من خلال التصاقهم بكراسي الإدارة.

وتبدوا هذه الظاهرة من متحجرات الإدارة في البلدان المتخلفة سواء كانت غنية أو فقيرة، فهي تعاني من هذا المرض المستشري في مفاصل إداراتها والذي تحول إلى مشكلة آلاف المدراء العامين والوزراء ووكلائهم الذين التصقوا وتحجروا فوق كراسي أو مكاتب الإدارات التي تولوها منذ سنوات مملة وطويلة حتى يخال المرء أن تلك المؤسسات إنما ورثوها من ذويهم حالها حال أي من الأموال المنقولة وغير المنقولة؟

هذا التحجر الإداري او السلطوي جعل أصحابه يتصرفون وكأن مديرياتهم أو وزاراتهم ضيعة مملوكة لهم، حيث يوهمون مرؤوسيهم بأنهم نعمة الله عليهم وأن لا بديل لهم، بل أن البديل هو خراب تلك الدوائر، وتتضح هذه الظاهرة في العراق ومعظم البلدان الشرق أوسطية، التي ينتاب فيها ذلك المسؤول شعور طاغ من النرجسية والتشبث بالموقع والشعور بالسلطنة، فقد أدمنت تلك الإدارات العامة والعليا وحتى الصغيرة منها مواقعها حتى أصبحت ممالك صغيرة ضمن الدولة، يتصرف فيها المدير أو المسؤول وكأنه وارث الدولة في تلك المؤسسة، وربما كان ذلك مبرراً في الأنظمة الشمولية التي لا تثق ببقاء أي مسؤول فترة طويلة في موقعه خوفا من تبلور أو تكلس مجاميع من الناس حوله ليؤسس شيئا يثير مخاوف النظام، الا ان ما يواجهنا اليوم في معظم الدول التي تغير هيكل نظامها فيما يسمى بالربيع العربي او كما حصل في العراق منذ عقدين هو مواصلة الالتصاق والتكلس على كراسي الإدارات، وبالذات ما دون كرسي الوزير او النائب، وما يترتب على ذلك من انتشار عنقودي للفساد المالي الذي طفح بشكل جعل هذه الأنظمة ومنها العراق في مستويات لا يحسد عليها تحت سقف الفساد، في ظل إدارات نافست المياه الراكدة في تعفنها وانتشار رائحتها التي تزكم الأنوف؟

ويبقى السؤال المهم في عملية التغيير؛ هل ستنجح التظاهرات التشرينية او غيرها سواء في العراق او بقية بلدان الحبو الديمقراطي والطائفية المقيتة في إزاحة هذه المتحجرات الإدارية من دوائر الدولة وغيرها من المؤسسات التي يعشعش فيها وزراء ومدراء ومسؤولين كبار وصغار، نمت حولهم عناقيد من بكتيريا الفساد ومجاميع من الانتهازيين والوصوليين الذين مسخوا تلك المراكز وحولوها الى إمارات وملكيات شخصية وتسببوا في تأخير نهوض البلاد وتقدمها وإضاعة فرص ذهبية للانتقال إلى الضفاف الأخرى مع النخب الكفؤة والأصيلة على حساب الأكثرية من السكان؟

[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةالكويت واللعب بالنار
المقالة القادمةلماذا قانون خدمة العلم ؟

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

السوداني في طهران، متى يكون في أنقرة..!!

تشكّل زيارة محمد شياع السوداني لطهران،فرصة لنزع فتيل أزمة مفتعلة،أرادت طهران بها تصديرأزمتها الداخلية الى الخارج،فكانت تهديدات قائد الحرس الثوري بإجتياح شمال العراق في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لافروف: أصعب فترة في تاريخ العالم قد جاءت !

 المؤتمر الصحفي الكبير الذي يضم جميع الصحفيين المحللين الروس ، والمراسلين الأجانب المعتمدين في وزارة الخارجية والذين يبلغ عددهم باكثر من 500 شخصية إعلامية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ "مثلث رعب" يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التسوية مع المتهم !

واجب القضاء التطبيق السليم للقانون، وهو ما نتوسمه في قضائنا، ولا سيما في القوانين الإجرائية التي تعدّ عماد الدعوى وأساسها الكفيل بحسن توجيهها، ولهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايها الشهيد نم قرير العين

ضمناسبة يوم الشهيد العراقي في الأول من كانون الأول. قال تعالى في سورة آل عمران169ـ 170((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظام الابتذال العالمي

كتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن نظام التفاهة، المسيطِر على العالم، غير إنّ هذا النظام في الحالة العربية، والعراقية، يؤسس لانهيار أعظم. بَلْ قلْ إنّ...