الجمعة 2 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

دراسة السلوك.. بوابة فهم الأحداث

لا بديل عن الفكر والدراسات والتخطيط مهما بلغت الأوضاع سوءاً، وأغرت الكثير باعتماد الارتجالية سبيلاً للتعامل مع الأحداث، وتحليل الظواهر، على اختلاف اتجاهاتها واشكالها، يشكل حجر الأساس في فهمها والتعاطي معها، ومن ثم اتخاذ الموقف المناسب لها.

ولعل واحدة من الفعاليات المغيبة اليوم، عمداً أو زهداً او جهلاً، دراسة السلوك السياسي والمجتمعي للأفراد والكيانات والدول والمجتمعات، ذلك ان الكثير من الأحداث التي ترتبط بهم تبقى مجهولة الفهم، أو في احسن الأحوال غامضة المضمون والجوهر والنهايات بسبب إهمال هذا الجانب الضروري.

يحدث هذا ويتزايد ويتفاقم أثره، في وقت يزهد البعض بالبحث العلمي الرصين، ويكتفي بتلمس ظواهر الأشياء في حين أن قيمتها ما تزال رهينة الأعماق السحيقة، وفك ألغازها وفهم أسرارها يتطلب العودة إلى الوراء واستجلاء الكثير من العوامل والحيثيات.

تمنحنا هذه الممارسة الفاعلة فوائد جمة ربما في مقدمتها القدرة على فهم الحاضر واستشراف مستقبل الأشياء، مما جاء في بعض صوره – على سبيل المثال – موجزاً وبتركيز بديع في الآية القرآنية: {إن الله لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}، فتضمنت الآية الكريمة تقرير عظيم لنهايات لازمة تخص سلوك لا يسير بصاحبه إلا إلى الهاوية لفساد مضمونه، وربما كانت هذه الآية أحدى الأسس التي بنى عليها العلامة الكبير عبد الرحمن بن خلدون (ت808هـ) مقولته الشهيرة (ان الظلم مؤذن بخراب العمران) تأثراً واستيعاباً.

ان دراسة السلوك المطلوبة للأفراد والكيانات والمجتمعات ينطلق ابتداءً من حقيقة أن هذه السلوكيات هي انعكاسات للبناء النفسي، والبيئة الحاضنة، ومقومات الشخصية، والعوامل المتجذرة في تكوينها، مما يتجمع في علوم (النفس والاجتماع والتاريخ اي ماضي الأشياء).

ونحن لو حللنا الشخصيات المهمة والكيانات المختلفة وغيرها وفق هذه العوامل لأمكننا تفسير لماذا يقع هذا الفعل؟ ولم يتخذ فلان هذا القرار، وما سبب سيره نحو نهاياته السوداوية دون اكتراث… وهكذا، بل لعل حادثة ماضية غلب عليها النسيان تركت في نفس هذا الشخص أو ذاك أثراً لا يمحى وظل هو يحركه في حياته ويؤثر على مساراته!.

بل هذا السبيل بالغ الاهمية في تقييم ما مضى من فعل وتاريخ، وتمييزها بدقة دون الوقوع في فخ التعميم والتسطيح، فالكثير من التصورات الذهنية تجاه الحكام والدول والأقوام تأتي مرتبطة بفعل خاص ودون تمييز بين المراحل المختلفة التي مروا بها ولكل واحدة منها خصوصيتها وفرضياتها والتزاماتها.

انارة الوعي بالمعلومة الدقيقة، والتحليل الرصين، والتقييم المحايد والمهني، كل ذلك سيمنحنا القدرة على إدارة شؤوننا بشكل أكثر جدية وانتاجية وفاعلية، وعلينا ألا نتأخر في فعل ذلك كله.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

السوداني في طهران، متى يكون في أنقرة..!!

تشكّل زيارة محمد شياع السوداني لطهران،فرصة لنزع فتيل أزمة مفتعلة،أرادت طهران بها تصديرأزمتها الداخلية الى الخارج،فكانت تهديدات قائد الحرس الثوري بإجتياح شمال العراق في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لافروف: أصعب فترة في تاريخ العالم قد جاءت !

 المؤتمر الصحفي الكبير الذي يضم جميع الصحفيين المحللين الروس ، والمراسلين الأجانب المعتمدين في وزارة الخارجية والذين يبلغ عددهم باكثر من 500 شخصية إعلامية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ "مثلث رعب" يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التسوية مع المتهم !

واجب القضاء التطبيق السليم للقانون، وهو ما نتوسمه في قضائنا، ولا سيما في القوانين الإجرائية التي تعدّ عماد الدعوى وأساسها الكفيل بحسن توجيهها، ولهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايها الشهيد نم قرير العين

ضمناسبة يوم الشهيد العراقي في الأول من كانون الأول. قال تعالى في سورة آل عمران169ـ 170((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظام الابتذال العالمي

كتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن نظام التفاهة، المسيطِر على العالم، غير إنّ هذا النظام في الحالة العربية، والعراقية، يؤسس لانهيار أعظم. بَلْ قلْ إنّ...