الجمعة 2 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

الساعة السابعة صباحاً!

كانت السماء صافية على غير عادتها، وهي تعانق بعضاً من الغيوم النقية، والقليل من البرد الخفيف يطرق الأبواب مستأذنا للحضور في حياءٍ لطيف، والشمس الباعثة على البهجة يتسع مداها شيئاً فشيئاً، فكأنها تمنح القلوب الدف، والأرض السعادة، فيقول الجميع بلسان عراقي واحد: مرحباً بهذا الصباح!

ولأول مرة أجد نفسي مستيقظاً وأنا احمل تفاؤلاً غريباً لم أعهده.. فلما خرجت إلى العمل أدركت السبب، فكأني اطالع لوحة رسمها كبار الفنانين امامي، شوارع نظيفة، وسيارات قليلة، وانتظام عجيب في السير، وحركة المرور لا زخم فيها ولا اضطراب، ولا تكاد تسمع صوتاً يخالط صوت العصافير إلا بعض الناس ممن يحادث بعضهم البعض في وئام كبير وأدب جم يعلوه الابتسام!

ولما وصلت مكان عملي بعد وقت وجيز وسرعة فائقة لم أشهدها من قبل، ازداد انشراح نفسي لهذا اليوم الاستثنائي، فالزهور تستقبلك قبل الأشخاص، والبناية المتقنة المتطورة في عمرانها وانظمتها تكاد تحتضنك قائلة: اهلاً بك، والابتسامات تطالعك يمنة ويسرة، ومعاملات المواطنين تنجز في دقائق، ولافتات تحيط بك مفادها: لا للروتين، لا للهدايا، لا للفساد!

فإذا ما طالعت شاشة التلفاز لأشاهد نشرة الأخبار، وجدتها تفيض نعومة، فكلها منجزات ومبشرات، ولا يعكرها إلا خبر مزلزل، عن طالب صغير في الابتدائية خاصم زميله فتكدرت نفوس البقية ورفعوا شعار: لا للخصام!!

ولما عدت بعد انتهاء العمل، كانت نسائم الظهيرة التي تشعرك بأجواء أوربا هي الرفيق، حتى إذا دخلت البيت، طرق الباب، فإذا بعطايا الدولة تأتيك بعد السلام إلى عندك مع الاعتذار للتأخير في الوصول، ثم يكتمل المشهد حين يسألك الموظف بعطف كبير: هل لديكم كبير بالسن؟ فليس من المقبول ان يظل بلا رعاية ولا عناية، وواجبنا ان نحيطكم جميعاً بالاهتمام!

كان ذلك كله في الساعة السابعة صباحاً تماماً.. حين رن المنبه واستيقظت في فزع، فأدركت أن ما جرى كان حلماً جميلاً لم يكتمل، فالغبار ما زال يعلو نفوسنا، والشمس الحزينة قد غادرت أيامنا، والضجيج يحاصرك في كل مكان، ولافتات المبادئ والقيم حطمها المفسدون الذين أحالوا المؤسسات إلى محطة ابتزاز للمال العام، ونشرات الأخبار تفيض ألماً وكآبة، والحال هو الحال، والشعب الصبور ما زال بالانتظار!

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

السوداني في طهران، متى يكون في أنقرة..!!

تشكّل زيارة محمد شياع السوداني لطهران،فرصة لنزع فتيل أزمة مفتعلة،أرادت طهران بها تصديرأزمتها الداخلية الى الخارج،فكانت تهديدات قائد الحرس الثوري بإجتياح شمال العراق في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لافروف: أصعب فترة في تاريخ العالم قد جاءت !

 المؤتمر الصحفي الكبير الذي يضم جميع الصحفيين المحللين الروس ، والمراسلين الأجانب المعتمدين في وزارة الخارجية والذين يبلغ عددهم باكثر من 500 شخصية إعلامية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ "مثلث رعب" يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التسوية مع المتهم !

واجب القضاء التطبيق السليم للقانون، وهو ما نتوسمه في قضائنا، ولا سيما في القوانين الإجرائية التي تعدّ عماد الدعوى وأساسها الكفيل بحسن توجيهها، ولهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايها الشهيد نم قرير العين

ضمناسبة يوم الشهيد العراقي في الأول من كانون الأول. قال تعالى في سورة آل عمران169ـ 170((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظام الابتذال العالمي

كتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن نظام التفاهة، المسيطِر على العالم، غير إنّ هذا النظام في الحالة العربية، والعراقية، يؤسس لانهيار أعظم. بَلْ قلْ إنّ...