الثلاثاء 6 ديسمبر 2022
16 C
بغداد

مقبرة الأحلام

يعز في نفسي أن أسمع أحدهم يسأل تلميذاً صغيراً في بداية حياته الدراسية السؤال الذي مفاده “ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟”.
هذا السؤال الذي يؤلمني للغاية ولا سيما عندما أجد التلاميذ يجيبون على السؤال بكل اندفاع.
التلاميذ يسارعون في الإجابة: أنا سأكون طبيباً الآخر يقول أنا سأكون مهندساً ومنهم من يقول أنا سأكون ضابطاً في الجيش أو الشرطة وهكذا..
أنا أيضاً سألوني نفس السؤال عندما جلست في رحلة الصف الأول الابتدائي. عندها كنت مفعماً بالحب ومليئاً بالآمال وكنت أشاهد الدنيا باللون الوردي. أحلامنا كانت مصدر قوتنا التي تدفعنا لخوض غمار الدراسة والمدرسة وتحمل برودة الشتاء وحرارة الصيف. كنا نعمل جاهدين لنصل إلى مبتغانا في الحياة ونحقق أحلامنا ونعيش كما نحب ومع من نحب ونحيا حياة سعيدة. لم نكن نعلم شيئاً عن المؤامرة والتآمر وإنكار الآخر الذي سنجابه به في المستقبل الذي ينتظرنا. كنا نسير بنيتنا الصافية دون أن نبصر الحقائق الأليمة التي تحيط بنا من كل نحو وصوب. الأب والأم يحرصان كل الحرص لتوفير الأجواء التي من شأنها أن تقودنا إلى ما نريد أن نكون ولا يذخرون جهداً في إسعادنا. لم نكن نفكر قط بأن سفينة الحياة ستنشر أشرعتها بعكس رياح أحلامنا ولم يخطر ببال أحد منا بأن هذه السفينة ستواجه أمواجاً عاتية تمنعها من أن ترسو في بر أمنياتنا. أمواج المحسوبية والحزبية ورياح الانتماءات التي حطمت السفينة وأغرقتها ومن عليها وبما يحملون من أحلام وردية.
ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ هذا السؤال الذي يرهقني جداً عندما أسمع أحدهم يوجهه إلى تلميذ بريء لا يعرف أن البيئة التي يعيش فيها ملغومة وقد خبأت له من الخفايا ما لا يستطيع عقله الصغير استيعابه. يصعب عليّ للغاية رؤية الابتسامة المعصومة على خدود التلاميذ وهم يجيبون على هذا السؤال. أنا سأكون طبيباً، أنا سأكون مهندساً، أنا سأكون طياراً، أنا سأكون مدرساً ولا أحد منهم يدري بأن أحلامهم سوف تقبر. فلا هذا يكون طبياً ولا ذاك سيكون مهندساً ولا أحد منهم يستطيع أن يكون ضابطاً أو أي شيء من الذي يحلم فيه والأقدار هي من تخطط لهم وتسوقهم إلى المصيرهم الذي ينتظرهم في بلد لا يعلمه إلاّ عالم الغيب والشهادة.

المزيد من مقالات الكاتب

التعـــين

عشوائيات نظامية

شعارات

يوم الخميس..

مقبرة الأحلام

مختار القرية

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الامبراطورية الخائفة من أهلها

تتحدث الأنباء عن تمارين عسكرية أمريكية إسرائيلية ترجَمَها بعضُ العراقيين والعرب والإيرانيين المتفائلين بأنها استعداد لضربة عسكرية مرتقبة لإيران. ولنا أن نتساءل، إذا صحت هذه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل يتجزّأ الإقليم .؟

 العنوان اعلاه مشتق ومنبثق من الخبر الذي انتشر يوم امس وبِسُرعات لم تدنو من بلوغ سرعة النار في الهشيم , وكانت وسائلُ اعلامٍ بعينها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قراءة في كتاب “لماذا فشلت الليبرالية”

بعد تفكك المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة عام 1990 اعتبر الغرب أن ذلك يمثل نجاحا باهرا ونهائيا للرأسمالية الليبرالية والتي يجب أن يعمم نموذجها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فشل بناء الدولة الوطنية الديموقراطية بغداد .طهران .دمشق نموذج ,الاستبداد الشرقي

التطور سنة الحياة وحياة بني البشر في تطور مستمر ودائم .تتطور قوى الانتاج وطرق المعيشة و الثقافة و القوانين والنظم وشكل الدولة وتتطور الثقافة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

وصلتني سير الدعاة

في كربلاء الحسين التقيت بالدكتور شلتاغ الذي صنع التأريخ بقلمه, وضم في موسوعته أساطين الكلمة ممن اعتلى مشانق الجهاد لترقص اجسادهم فرحين مستبشرين بمن...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المتقاعدون.. والسوداني.. ومأساة المتاجرة الدعائية برواتبهم المتدنية !!

تعد شريحة المتقاعدين ، وبخاصة ممن شملوا بقانون التقاعد قبل عام 2014 ، من أكثر شرائح المجتمع العراقي مظلومية ومعاناة معيشية ، وهم من...