الأربعاء 30 نوفمبر 2022
18 C
بغداد

سُفراء عراقيون طالوا في مناصبهم…!

مستل من كتابه (من ذاكرة الأيام والأزمان)

تُعرّف الدبلوماسية بأنها عِلم وفن إدارة العلاقات بين الأشخاص الدوليين، عن طريق الممثلين الدبلوماسيين، ضمن ميدان العلاقات الخارجية للأشخاص الدوليين في إطار ما يقرّه القانون والعرف الدولي.

أما السفير فهو الموظف الدبلوماسي الذي يترأس سفارةبلده لتمثيلها في الخارج، والسفراء هم دبلوماسيون من أعلى رتبة يمثلون رسمياً رئيس الدولة، ويتمتعون بحصانة دبلوماسية يمنحها لهم البلد المضيّف. وتنشأ العلاقات الدبلوماسية بين الدول وتوفد البعثات الدبلوماسية الدائمة بناء على الاتفاق المتبادل بينها.

ومن المتعارف عليه بين الدول أن يكون السفراء على درجة عالية من الثقافة والكياسة والسياسة، ويتقنوا التكلّم بلغة أجنبية عالمية واحدة على الأقل، فضلًا عن لغة بلادهم، ويقضي السفير خدمة خارجية في البلد الواحد مدة قانونية أمدها خمس سنوات وأحيانًا تُمدّد سنة واحدة كحد أقصى، ويبذل السفير الحاذق خلال سنوات عمله أقصى جهد مُمكن لتطوير العلاقة بين البلدين وتقريب وجهات النظر، بما يحقق المصلحة المشتركة. بعدها يعود إلى بلاده أو يُنقل إلى دولة أخرى حسب الحاجة أو ما ترتئيه سياسة حكومته.

إذا كنت في حاجةٍ مُرسلًا

فأرسِل حكيمًا ولا توصِهِ

في العراق الحديث ثمّة شخصيات محترمة من عهود متباينة وأنظمة وحكومات واتجاهات مختلفة، قضوا في مناصبهم سفراء محترفين ومسلكيين أكثر من المدّة المقررة بموجب القانون، حتى زادت عن العَقْد من الزمن، ولم تعترض الدول المضيّفة على ذلك أو تطلب استبدالهم بسفراء آخرين، بل كانوا محط إعجاب وتقدير من رؤساء وحكومات تلك الدول.

ولّما كان السفير في التعامل الدبلوماسي يُعدّ ممثلا شخصيًا لرئيس الدولة، لذلك لم يكن ثَمَّة ضير كبيـر في أن يختار الحاكم بنفسه شخصًا صديقًا له أو يعرفه ويثق به لتمثيله، حتى وإن لم يكن دبلوماسيًا، خصوصًا إذا ما توافرت فيه مؤهلات جيدة من وجهة نظره.

فالرئيس الأمريكي جون كندي، عيَّن صديقًا شخصيًا لهومقرّبًا منه سفيرًا في باريس، ومن بعده  الرئيس رونالد ريغان، الذي كان نجمًا سينمائيًا معروفًا في شبابه، عيَّنَ عددًا من الممثلات والممثلين من زملائه في ستوديوهات هوليوود سفراء في دول مهمّة. ومثلهم في العراق أيضًا فالرئيس صدام حسين، عيّنَ في نهاية عام 1988، أخاه برزان التكريتي، سفيرًا في المقر الأوربي للأمم المتحدة في جنيف لأسباب اجتماعية وأمنية، وبقيَّ في منصبه هذا لغاية عام 1998، وكان بالنسبة لبرزان، حلم حياته الذي تحقق وهو أول منصب دبلوماسي له، وأخر منصب وظيفي في حياته.

وتطول القائمة لمثل هكذا حالات وفي دول متعدّدة من العالم، فمنصب السفير فضلًا عن كونه منصبًا دبلوماسيًا وسياسيًا مهمًا وخطيرًا أحيانًا لكن في النهاية هو موقع برتوكولي لأثبات الوجود في الدولة المضيّفة والأكثر منه منصب (ترفيهي) ليس إلا…!

ونوجز فيما يأتي نُبذ لمسيرة ثلاثة من هؤلاء السفراء، وما رافقت حياتهم الدبلوماسية، من ظروف وملابسات أدّت إلى بقائهم في مناصبهم  مدّةً أطول في هذه الدول من بقية أقرانهم:

الأمير زيد بن الحسين:

ولدَ الأمير زيد بن الحسين، في إسطنبول عام 1898، وهو الأخ الأصغر للأشقاء الملك علي، والملك عبد الله، والملك فيصل، أبناء الشريف حسين. عملَ في الجيش العربي الذي دخل دمشق عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى.

حارب مع لورنس العرب في الحجاز سنة 1916-1918، حيث قال عنه لورنس (أنه مقاتل باسل متين الأعصاب يتمتع ببرودة أعصاب، ضابط محترف … إن طبيعة زيد المرحة كانت تفعل في نفوس الضباط المحترفين أكثر مما تفعل شاعرية فيصل وحماسته). ()

قَدمَ إلى العراق عام 1922 والتحق بسلاح الفرسان العراقي، وعمل مدّة قصيرة نائبًا عن الملك أثناء غياب الملك فيصل الأول، عام 1924. وكان الملك فيصل قد أرسله إلى الموصل في كانون الثاني من عام 1923، وهناك شكّل جيشاً لمواجهة تركية. ()

كان للأمير زيد دورًا بارزًا في أحداث مهمّة مرّت بالعراق خلال العهد الملكي ابتداءً من مشكلة ولاية الموصل والحفاظ على حدود المملكة الناشئة من الأطماع والتشبثات التركية بتلك الولاية وأقام علاقات طيّبة عندما توجّه واستقرّ بالموصل مع سكانها العرب والأكراد على حدٍّ سواء. وبرز دوره الدبلوماسي في توطيد العلاقات العراقية مع بعض الدول كتركيا وألمانيا وبريطانيا. ()

وفي عام 1925، التحق بجامعة أوكسفورد، ودرس الزراعة وتخرج فيها. واستفاد منه الملك فيصل أثناء وجوده هناك في المفاوضات مع بريطانيا من أجل إيقاف القتال في الحجاز. ()

وبعدها التحق بوالده في منفاه بقبرص عام 1928، واستمرَّ معه حتى وفاته عام 1931. هو يجيد التحدّث بالإنكليزية والتركيابطلاقة.

وبعد وفاة والده الشريف حسين، عُيّن وزيرًا مفوضًا في أنقرة في 27 شباط 1932، في وقت كانت فيه العلاقات العراقية التركية قد بلغت درجة كبيرة من الحساسية والحرج. وقد تمكّن الأمير من أن يخفّف من حالة التوتر التي كانت تشوب العلاقات بين البلدين المتجاورين بما عُرف عنه من حنكة دبلوماسية كان يتمتع بها، مما مكنه من النجاح في مهمته هذه. وفي أثناء وجوده في إسطنبول تزوج من الأميرة فخر النساء ابنة شاكر باشا، سفير تركية لدى اليونان. ()

وفي عام 1934، نُقل إلى القاهرة إلا أنه رفض قبول ذلك المكان. فُعيّنَ في شهر أيلول عام 1935، وزيرًا مفوضًا في برلين. لكنه عاد إلى العراق عام 1938 عقبَ اندلاع الحرب العالمية الثانية وقطع العلاقات الدبلوماسية بين بغداد وبرلين. ()

وكان الأمير زيد، أرشد رجل في العائلة المالكة وصاحب تجارب سياسية مسبقة، وعند وفاة الملك غازي عام 1939، أصبح هو المرشّح الأوفر حظًا للوصاية على عرش العراق، لكن اتهام الأمير زيد بعطفه وميوله نحو دول المحور بسبب اشتغاله مدّة طويلة سفيرًا في ألمانيا، وعدم ميله للإنكليز جعله غير مقبول لدى الحكومة البريطانية، فضلًا عن زواجه من سيدة تركية مطلّقة، هي الأميرة فخر النساء، التي كانت دائمًا تتباهى بالتقائها بهتلر وأن الأخير قد قبّل يدها واهتمَّ بها …! كل هذه الأسباب أدت إلى استبعاده عن الوصاية وترجيح كفّة الأمير عبد الإله، عليه.

والأميرة فخر النساء، التي تتمتع بشخصية قوية، كانت قد تزوجت من الأمير زيد سنة 1933، وأنجت منه ولدها الوحيد الأمير رعد. هي فنانة تشكيلية مقتدرة، حققت نجاحات باهرة في معارض فنّية في لندن وباريس، وبيعت لوحاتها بأسعار باهضة جدًا وتلاقي رواجًا إلى يومنا هذا. توفيت في عمان عام 1991.

وغداة حركة مايس1941، قررت الحكومة الجديدة إرسال ناجي شوكت إلى تركية لدعوة الأمير زيد -المتواجد فيها وقتئذ-وتنصيبه وصيًا على العرش، ولكن بُعد المسافة بين العراق وتركية وضيق الوقت رجّحت كَفّة الشريف شرف لاختياره لذلك المنصب. ()

وفي عام 1946، وافقت بريطانيا على رفع تمثيل العراق الدبلوماسي من مفوضية إلى سفارة، لذلك اختارت الحكومة العراقية شخصية تُليق بهذا المنصب المهم وبقدر حجم ومتانة العلاقة بين البلدين، وعليه صدرت الإرادة الملكية بتعين الأمير زيدبن الحسين، كأول سفير للعراق في بلاط سانت جيمس، وقدّم أوراق اعتماده إلى ملك بريطانيا جورج السادس يوم 19 كانون الأول عام 1946.

كان الأمير زيد، شخصية ودودة ومهذّبة ومراقبًا داهية، ويتّبع أسلوبًا ساخرًا في التعبير عن وجهات نظره ذات الصلة بسياسات العراق والعرب.

هو متواضع جدًا ولكن في الوقت نفسه شديد الاعتزاز بكرامته ومكانة أسرته، وكان يفرض احترامه على الجميع بقوة شخصيته. ولدى وصوله إلى لندن وقبل تقديمه أوراق اعتماده، حدثت مشكلة تتعلق بلقبه، فقد وجّهت وزارة الخارجية البريطانية كتابًا أو مذكّرة، خاطبته فيها بلقب (صاحب السعادة) أو (His Excellencyوهو اللقب المعتاد الذي يخاطب به السفراء والمفوضون.

وامتعض الأمير زيد من ذلك وأبلغ وزارة الخارجية البريطانية أن لقبه هو (صاحب السمو الملكي)، وإنه سيرفض مستقبلًا أية مخاطبة تأتيه بغير هذا اللقب، لأن هذا اللقب هو حقّه الطبيعي فقد كان أبوه ملكًا اعترفت به بريطانيا، وثلاثة من أخوته ملوكًا. لذلك لم يسع وزارة الخارجية البريطانية إلا الانصياع لذلك الطلب، وصدرت القائمة الدبلوماسية تحمل أسمه مع اللقب المطلوب، كما أن جميع المذكرات والرسائل الموجّه إليه أو إلى السفارة صارت تحمل ذلك اللقب (). وفي عهد سفارته وقّع العراق وبريطانيا عام 1948 معاهدة مثيرة للجدل لتحل محل معاهدة 1930، سُميت بمعاهدة بورتسموث، لكنها ألغيت فيما بعد.

وكان الأمير زيد يحضر سنويًا إلى بغداد لتولي أمور وصاية العرش بالإنابة عند غياب الوصي الأمير عبد الإله خارج البلاد، وأظهر جدارة بإدارة المملكة وكان الناس يثنون عليه (). وكانت أخر إنابة له عن العرش في شهر تموز من عام 1957، عندما غادر الملك وولي عهده إلى إستانبول للاصطياف حتى عودتهم في شهر أيلول (). وفي السنة القادمة أي في أوائل شهر تموز 1958، وجهت إليه الدعوة ليكون نائبًا للعرش عندما قرر الملك فيصل الثاني السفر إلى روما للقاء خطيبته في 9 تموز، فاعتذر الأمير زيد عن تلك الإنابة، لأنه كان بحاجة إلى بعض الفحوصات الطبية في إيطاليا وقضاء الصيف فيها، لذا اختير الأمير عبد الإله بديلًا عنه، فأنقذه هذا الاعتذار من مذبحة 14 تموز …! ()

واتخذ الأمير زيد، خلال قيامه بأعمال المملكة كثيرًا من القرارات الملكية المهمّة والخطيرة داخليًا وإقليميًا حظيت بإجماع مجلس الوزراء ومجلس الأمّة. واتجهت النيّة في وزارة أرشد العمري الأولى التي تشكلت في حزيران من عام 1946، بتنصيبه رئيسًا للديوان الملكي، إلا أن بعض الصعوبات القانونية حالت دون ذلك. ()

والشخصية البغدادية المعروفة والدبلوماسي والكاتب أمين المُميّز، قال كلمة للحقيقة والتاريخ عن الأمير زيد، جاء فيها: (لقد قابلت وتعرّفت في حياتي على كثير من الشخصيات العراقية والعربية والأجنبية من مختلف الطبقات والمناصب والمشارب المختلفة، قليل منهم تنطبق عليه صفة (Gentleman) كالأمير زيدبن الملك حسين شريف مكة. فقد تعرّفتُ إليه في بغداد، عندما كان يشغل منصب نائب الوصي، ونائب الملك، وكنت أزوره في البلاط في المناسبات، ويزورني بين حين وآخر في بيتي في الصرّافية، وخصوصًا في أُمسيات الصيف. وعملتُ بمعيته في لندن عدّة أشهر، فمكنتني تلك الاتصالات من التوصل إلى النتيجة المدرجة أعلاه). ()

في عام 1956، تم تكليفه من قبل الملك فيصل الثاني للتوجّه نحو الرياض للتفاهم مع ملك السعودية حول تحسين العلاقات بين البلدين وطيّ صفحة الماضي. ()

ولم ينافس منصبه هذا أي شخصية عراقية سياسية أو دبلوماسية طيلة مدّة وجوده على رأس البعثة، حتى أن بعض الساسة في بغداد عند مناقشتهم مستقبل الأمير عبد الإله بعد تولي الملك فيصل سلطاته الدستورية، اقترح نوري السعيد، في هذا الشأن تعيين الأمير عبد الإله سفيرًا في لندن، لكن الأمير عبد الإله رفض ذلك، قائلًا: إنه لا يريد أن يزعج عمّهُ بذلك!لأن الأمير زيد كان مُحبًّا لذلك المنصب بالذات ().

منحته الملكة إليزابيث الثانية وسام الملكة فكتوريا (G.C.V.O)

يوم 12 تموز 1958، بدأ مجلس وزراء الاتحاد العربي بين العراق والأردن أو ما يُعرف بالاتحاد الهاشمي، عقد أولى جلساته ومنها وزارة الخارجية، وفي مساء ذلك اليوم أُقرّت التعينات الجديدة بالنسبة للحركة الدبلوماسية ومنها تعيين السيد نجيب الراوي، سفيرًا للاتحاد العربي في لندن خلفًا للأمير زيد، بناءً على رغبة الأخير بالاستقالة من منصبه ()، لكن هذه الأوامر لم ينفّذ فعليًا لحدوث الانقلاب المشؤوم، حيث أُبعدَ الأمير زيد عن وظيفته في السفارة العراقية، وقال قبل مغادرته: (لا شأن لي بهذه الأمور). فقد كان الأمير زيد، غير راضٍ عن سياسية أبن أخيه الأمير عبد الإله، وأعماله في العراق.

ويوم 14 تموز 1958، كان الأمير زيد، في حينها بإيطاليا وبعد مدّة وجيزة من وقوع الانقلاب تلقى اتصالًا من السفير العراقي في روما يطلب منه العودة إلى لندن وإفراغ كل ممتلكاته الشخصية من السفارة هناك، فالحكومة العراقية الجديدة أمهلته 24 ساعة فقط لإنجاز هذه المهمّة. وعلى الفور استقلَّ طائرة هليكوبتر واتجه إلى مدينة نابولي، ومنها طائرة إلى لندن. وبمجرّد وصوله السفارة، وضع على عجل جميع معلّقاته في صناديق وحقائب سفر، بينما كان بعض أعضاء السفارة ممن بايعوا (الجمهورية العراقية الجديدة) يراقبونه؛ لقد كانت تجربة مذلّة ومهينة …! ()

لكن بقيت في السفارة ممتلكات تعود للأمير زيد، لم يسعفه الوقت لإخراجها، وهي ثلاثة لوحات كبيرة رُسمت بالألوان الزيتية له وللملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله، وحقيبتا أوراق خاصة. وعن هذه الأوراق يقول ابنه الأمير رعد: (بعد مرور نصف قرن من ذلك التاريخ، قرّرت الحكومة العراقية في عام 2008، أن تخلي مبنى السفارة العراقية القديم في لندن وأن ترحل إلى مكان جديد في المدينة وقيل لنا إنه خلال هذه العملية ترك مسؤولو السفارة أشياء مختلفة في المبنى للتخلص منها. وكان من بين عمال التنظيف موظف من أصل عربي، وقد عثر على مجموعة من الأوراق القديمة وبعد أن قرأها أدرك أنها قد تكون مهمّة وأخذها إلى جهة متخصّصة بالوثائق القديمة، وهذا المكان بدوره اتصل بالسفارة الأردنية في لندن، فظهرت أنها أوراق تاريخية أصلية تتعلق بالثورة العربية الكبرى والحكومة العربية في دمشق، وهي تعود للأمير زيد بن الحسين، ومن حسن حظ الطالع أنها لم تتلف أو تنقل إلى مكان آخر، إذ بقيت في زاوية مظلمة في سرداب السفارة لأكثر من خمسين عاماً …!) ()  

وبعد الانقلاب أصبح الأمير زيد رجلًا محطّمًا لأنه فقد كل إيمان وأمل بالعالم العربي، وتحدّث مرّةً مع عائلته بمرارة قائلًا: (يتفق العرب على أمر واحد فقط هو عدم الاتحاد …! تخيّل كم هي القوة التي ستكون عندهم لو فعلوا ذلك …؟ كل ما يفعلونه هو التخاصم والتآمر ضد بعضهم البعض …!). ()

بعد ذلك اعتزل السياسة نهائيًا وأخذ يتنقّل بين فرنساوبريطانيا بعد خدمة متوالية في العمل الدبلوماسي في لندن استمرّت اثنتي عشر سنة.

في منتصف شهر تشرين الأول من عام 1970 اشتدَّ عليه الدّاء وأصيب بتصلّب في شرايين القلب، فنُقل إلى إحدى مشافي باريس، حتى وافاه الأجل يوم الأحد 18 تشرين الأول، ونقل جثمانه إلى الأردن ويُدفن في الأضرحة الملكية بعمّان. ()ليقوم بعدها المؤرخ الأردني سليمان موسى، بنشر مذكراته عام 1975.

مدحه أحد الشعراء في دمشق عام 1920، أيام اشتراكه في الثورة العربية الكبرى وأيام حكم أخيه الملك فيصل لسورية قائلًا:

سل المعارك من خوّاض غمرتها

تجبكَ زيدٌ سليل السادة النجب

المورد الفيلق الجرار يوم وغى

موارد الحتف بالهندية العضب

والتارك الصيد لم تعقد عزائمهم

إلا على طلب لأمن أو هرب

*          *          *

عبد القادر الكيلاني:

هو عبد القادر بن عبد الله بن علي الكيلاني، المولود في بغداد سنة 1343ه الموافق 1904م، يعود نسله إلى الإمام الحسن بن الإمام علي، وسلطان الأولياء الشيخ عبد القادر الكيلاني، وحفيد رئيس أول حكومة في تاريخ العراق الحديث ونقيب أشراف بغداد، السيد عبد الرحمن الكيلاني، والأخ الأكبر للسيد يوسف الكيلاني، متولي الأوقاف القادرية، وابن عم رشيد عالي الكيلاني قائد حركة مايس عام 1941.

درس في بغداد ثمَّ انتقل إلى المملكة المتحدة لدراسة الاقتصاد. التحق بالعمل الوظيفي عام 1926، وبعدها بوقت قصير تمَّ تعيينه ملحقًا في المفوضية العراقية في لندن. ومنها نُقل إلى منصب سكرتير ثالث في المفوضية العراقية في القاهرة، وفيها مُنح درجة سكرتير ثان. تزوج من إحدى نساء العوائل المعروفة في مصر، وحظية بشعبية داخل المجتمع المصري.

وكانت شخصيته محبوبة ومحترمة للغاية ولديه ابتسامة لطيفة على وجهه، لكن فيها الكثير من ملامح الحزن، ويوصف أحيانًا بالمتغطرس والأناني.

انخرط في السلك الخارجي في تشرين الأول عام 1931، إذ عُيّن سكرتيرًا ونائب قنصل في المفوضية العراقية في القاهرة، وأصبح في تموز عام 1938، سكرتيرًا ثانيًا وعاد إلى بغداد ليكون رئيسًا للتشريفات الملكية. ()

وعند قيام حركة مايس 1941، عيّنهُ رئيس الوزراء الجديد وابن عمه رشيد عالي الكيلاني، رئيسًا للديوان الملكي. وبعد فشل الحركة هرب إلى إيران لكنَّ القوات البريطانية ألقت القبض عليه وأرسلته إلى جنوب روديسيا. أُعيد إلى العراق عام 1944، وحكمت عليه محكمة خاصة في شهر آب من السنة نفسها بالسجن ثلاثة أشهر بتهمة اشتراكه في أحداث مايس 1941، وإساءته للملكة عالية عند مهاتفتها.

وبعد إطلاق سراحه أُعيد تعيينه في سلك الخدمة الخارجية ليتولى منصب القائم بالأعمال في كراجي، ثمَّ نُقل عام 1951، إلى القاهرة في سلك الخدمة الخارجية العراقي للمهمات الخاصة مع الجامعة العربية.

وفي عام 1953، عُيّن وزيرًا مفوضًا في الباكستان، ثمَّ أصبح سفيرًا في العاصمة كراجي عام 1956، وبعدها انتقل إلى إسلام أباد العاصمة الجديدة لباكستان، لكن ظلَّ يتنقل بين المدينتين للضرورة المهنية، واعتبر عميدًا للسلك الدبلوماسي كونه أطول سفير خدم في البلاد. ()

وأصبحت لديه مكانة مقدسة دينيًا لدى الحكومة ولدى الشعبالباكستاني أكثر منها دبلوماسيًا. ولهذا التأثير الديني المبجّلفإن الحكومة الباكستانية كانت تتعامل معه خلافًا للعرف الدبلوماسي في بعض الظروف.

وزارة خارجية الاتحاد العربي (الهاشمي) الذي تشكّل بين العراق والأردن اتخذ قرارًا في 12 تموز 1958، بتعيين عبد القادر الكيلاني سفيرًا لهذا الاتحاد في باكستان () مع تعيينات أخرى لسفراء آخرين إلا أنها أُلغيت بعد انقلاب 14 تموز وحلّ الاتحاد إثر ذلك.

وعند زيارة الرئيس عبد السلام عارف إلى باكستان في 26/3/ 1964، كان الرئيس أيوب خان في استقباله في المطار. ولحظة توجه الرئيس الباكستاني إلى الطائرة لاستقبال ضيفه أبى إلا أن يمشي خلف السفير عبد القادر الكيلاني احترامًا لمقامه الديني وقدسيته، خلافًا للتقاليد السائدة والمتعارف عليها.

والشيء نفسه يحدث في المناسبات الوطنية التي يحضرها أو يرعاها الرئيس الباكستاني ويُدعى لها السيد الكيلاني، فالرئيس يرفض أن يسير أمامه بل يقدّمه على الجميع، مما يضع السفير أحيانًا في موقف محرج أمام بقية السفراء. أما إذا أراد السفير مقابلة وزير الخارجية فإن وزير الخارجية هو من يذهب إليه لمقابلته في مبنى السفارة العراقية التي كانت تعتبر بالنسبة لهم مكانًا شبه مقدّس نظرًا لوجود السفير الكيلاني فيه.

وفي نهاية كل أسبوع وبعد خروج السيد عبد القادرالكيلاني من المسجد بعد صلاة الجمعة فإن الناس يتهافتون على لمس سيارته الشخصية، (نوع كاديلاك) بدافع التبرّك والتفاؤل حتى يصل بهم الهياج أحيانًا حد محاولة رفعها عن الأرض بجهد جماهيري موحد.

وعندما قاربت مهام عمل الكيلاني على الانتهاء، فإن الرئيس الباكستاني تدخّل لدى الرئيس العراقي وطلب منه تمديد عمله. وبناءً على هذا الالتماس فقد أصدرَ الرئيس عارف، قرارًا يقضي باستمرار السيد عبد القادر الكيلاني، في عمله مدّة أخرى نظرًا لمكانته الدينية وما يحظى به من إجلال وتعظيم لدى الحكومة والشعب الباكستاني، وتنفيذ رغبة الرئيس الباكستاني.

وبعد خدمة طويلة لبلده ناهزت الأربعة عقود، منها خمسة عشر عامًا متوالية من العمل الدبلوماسي في الباكستان، أحيل السيد عبد القادر الكيلاني، على التقاعد لبلوغه السنّ القانونية، وفضّلَ البقاء في باكستان على العودة إلى العراق، وعيّنه الرئيس أيوب خان، مستشارًا فخريًا لوزارة الشؤون الدينية حتى توفاه الله عام 1970، ودُفن في مدينة كراتشّي، التي فيها أُسس (المركز القادري للتعليم الديني وتعاليم الشيخ عبد القادر الكيلاني).

وعرفانًا منها لهذا التقدير والمهابة من الحكومة الباكستانية تجاه هذه الشخصية وعائلته الدينية فقد عيّنت الحكومة العراقية من بعده بسنوات قليلة، سفيرًا من العائلة نفسها هو الدبلوماسي أحمد الكيلاني.

*          *          *

قيس المختار: ()