الأحد 27 نوفمبر 2022
18 C
بغداد

الأعمى والبصير

كلنا يذكر درس الإنشاء في منهاج اللغة العربية لمراحل دراستنا الابتدائية والثانوية، وكيف كان معلمونا ومدرسونا يولونه اهتماما خاصا لايقل شأنا عن درس قواعد اللغة العربية، ولم يتأتَ هذا الاهتمام إلا لأن الكتابة لاتقل شأنا هي الأخرى عن المحادثة وجها لوجه او الخطابة المباشرة، إذ كلها تهدف الى إيصال معلومة او نشر فكرة او بث شكوى، او طرح مشكلة او البحث عن حل لها، وأحيانا تكون بوحا لآلام تعتصر قلب الكاتب او الخطيب او المتحدث، وفي الأحوال كلها يجتمع الكاتب والقارئ،والمتحدث والسامع، والخطيب والمتلقي، ليكمل أحدهما الآخر فتكون حينذاك فائدة عامة، ومنفعة شاملة، وبخلاف هذا ليس للنطق حاجة ولا للكتابة أهمية، ويتساوى إذاك الذين يعلمون والذين لايعلمون.

 في سطوري هذي بوح ألم وبث شكوى، وطرح مشكلة، وبحث عن حلها، أما الألم فلأني أعيش في بلد ذي عمق حضاري غائر في التاريخ، وأما الشكوى فلأني لاأرى -بعد الله- غير منبري هذا أعرض من خلاله شكواي، بعد أن أُتخِمت صناديق الشكاوى المركونة على أبواب المسؤولين الصغار والكبار و -الكبار جدا-. وأراني معذورا لو رددت أبيات الشاعر:

 وددت لو يسـتعيد الدهر دورتــه

       ولو لحظة من زمان الأمس تسـترق

ماذا سأشكو على الأوراق من ألـم  

        أقــل شـكـواي لايقـوى لـه الورق

نحـن انتمينـا الـى تاريخنـا بدم

      وآخـرون علـى تاريخهـم بصقـــوا

  اليوم نمر -جميعنا- بظرف ليس فيه مساحة للوم او العذل، فكما نقول(الطاوة حارة) و-جميعنا- في غنى عن متاعب التقريع والتوبيخ، وكشفحساباتٍ ونشر غسيل قديم، وكما للأعمال أولويات، كذلك للمشاكلوالمصائب أولويات أيضا، ولحلولها قطعا أكثر من أولويات وعلينا إيلاؤها درجات اهتمام قصوى، نشترك -جميعافي صياغتها على النحو الأمثلوالوجه الأكمل. و كلنا مسؤولون عن النتائج كيفما كانت، وليس لنا مناصمن المواجهة الحقيقيةوإن كانت صادمةمع الأمر الذي وقع والذي واقعلامحالة. وليس من مصلحتنا التهرب بعيدا، او الانزواء جانبا أمام ماتفرزهلنا الأحداث ومايستجد منها يوميا. أما -جميعنا فأقصد بهم:

العراقيون المجنسون ليس بوثائق وأوراق ثبوتية فقط، بل بهوية عراقية لهاامتداد روحي صادق قلبا وقالبا.

– العراقيون الذين يستنشقون نسمات مدنهم ملء صدورهم، ولايستبدلونهابهواء بلاد غير بلادهم.

– العراقيون الذين تمتد جذورهم مع امتداد حضارات سومر وأكد وبابلوآشور، فيلتصقون بتراب الأرض المعطاء على مر العصور الغابرةواللاحقة.

– العراقيون الذين يجري في عروقهم دم لايستغنون عنه، كما هملايستغنون عن الماء الذي يجري في أحضان دجلة والفرات، ويستطعمونمذاقه ماءً عذبا سلسبيلا سائغا شرابه.

– العراقيون الذين لاينام لهم طرف إذا مس شر او ضرر شبرا منمحافظات عراقهم، وإن لم يكونوا قد رأوه او مكثوا فيه ولو لحظة.

– العراقيون المتألمون لما حدث بالأمس ومايحدث اليوم على أرضه،والشاكون لأنفسهم عن سوء ما جناه رعاع خونة محسوبون على العراقوالعراقيين، وهم لاينتمون اليه من قريب او من بعيد.

 العراقيون هم ماذكرتهم حصرا، إذ من غير المعقول أن يستوي الأعمىوالبصير، ومن غير المستساغ ان يتساوى المحب للخير والارتقاء، مع الذينفي قلوبهم مرض لا يفقهون شيئا عن معنى الجمال وأشكاله وألوانه، فهمصم بكم عمي عن كل ماله صلة بالحياة، الذين لايرون في دوران الأرضغير الصداع و (دوخة الراس) ولايرون في النجوم الزهر غير ضوء آفلٍ،ليس له في قاموسهم أي معنى، فيما يراه الطيبون الخيرون لآلئ تضيءصفحة السماء، فتبعث في نفوسهم التأمل في جمال الكون وعظمة صنيعةالخالق. اليوم نحن -جميعنا- مطالبون بالوقوف أمام من يودون إرجاععقارب كل الحضارات الى الخلف، وليس لهم من الحب والجمال والحياةالكريمة من شيء، هم بأسماء عديدة فمنهم:الداعشيومنهمالطائفيومنهمالسارقومنهمالفاسدومنهمالمزورومنهمالمرتشيوكثيرون آخرون بمسميات ليس لها حصر، عليناجميعنامواجهتها، فهل نتفقجميعناعلى هذا؟.  

[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

أوراق مبعثرة

مفردات باتت مألوفة

أتشريف أم تكليف؟

أنصلح ما أفسد الدهر؟

احذروا بطونا جاعت

المادة السابقةتعديل الدستور العراقي
المقالة القادمةالاقربون-3

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

السوداني الارادة والواقع

ما يبعث على السعادة والتفاؤل  بالغد الافضل هو التصميم والارادة الموجودة لدى رئيس  مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، واجراءاته لتحقيق الاصلاح والتغيير النابع من الايمان باهمية وضرورة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

طباخ السم الإيراني يذوقه

اتهم المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الولايات المتحدة وإسرائيل بإثارة الاضطرابات. ووفقا لوكالة مهر الإيرانية للأنباء، قال في حفل تخرج مشترك لطلبة جامعات ضباط...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

في : تشظيات الأخوة اكراد المِنطقة .!

من بعضٍ من هذه الشظايا السياسية والإعلامية لحدّ الآن , فإنّ اكراد سوريا بعضهم يصطفّ مع حكومة الرئيس بشّار , وبعضٌ آخر يقف الى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سيادة العراق

- يستخدم سياسيونا ونوابنا وإعلاميون كلمة "سيادة" العراق.. في كثير من خطاباتهم وتحليلاتهم.. فما مفهومها وما مظاهرها؟!! وهل لعراق اليوم سيادة ؟؟ - بداية لابد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أدوات وصعوبات الحوار مع (الآخر) العراقيّ!

تحتاج العلاقات البشريّة الناجحة إلى بعض العلوم الإنسانيّة والنفسيّة، ويُمكن اعتبار فنون الحوار والإقناع ومناقشة الآخر والكتابة والتخطيط من أبرز الفنون والعلوم الضروريّة للتواصل...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البعد التاريخي للإسلام المتطرف

لا يغادر مخيلة اهل بلاد الرافدين ما فعله تنظيم داعش الارهابي من جرائم وفضائح ما بين عامي  2014 - 2018 , حتى تم القضاء...