الأربعاء 30 نوفمبر 2022
22 C
بغداد

تأتي الرياح…

نسمع كثيرا -وقى الله القارئ- عن السكتة القلبية، وهي توقف القلب المفاجئ عن العمل، وعادة مايفارق الحياة كل من يصاب بها إلا من حباه الله فينجيه منها، لأسباب يعلمها وحده جل وعلا، فيعاود إذاك قلبه ضخ الدم الى أنحاء الجسم. والأطباء قطعا لا يقفون مكتوفي الأيدي إذا ما وقعت حالة مثل هذه أمامهم، إذ هم يفعلون كل ما بجهدهم لإنقاذ حياة المريض. وبما أن العضو المصاب بالسكتة هو القلب، الذي يتربع وسط الصدر يحيطه جدار يحميه من المؤثرات الخارجية، لذا فإن يد المسعف لايمكنها الوصول اليه وإجراء اللازم من الإسعافات الأولية ومحاولات إعادة الحياة اليه. الأمر الذي حث الأطباء وحفزهم على البحث عن حل لهذه المعضلة، فتوصلوا الى ابتكار طريقة، تتمثل باكتشاف جهاز جديد من شأنه توليد فولتية عالية جدا لجزء معلوم من الثانية، يوجه مباشرة على صدر المصاب بالسكتة، في محاولة لتنشيط عضلة القلب وإعادتها الى العمل -بإذن الله طبعا- وهي عملية يثاب عليها صاحب الفكرة وصانعو الجهاز ومستخدموه، في حال إنقاذ المصاب اوعدمه، إذ (الأعمار بيد الله). وتسمى هذه العملية بـ (Cardiopulmonary resuscitation) أي (الإنعاش القلبي) وهو آخر الدواء.

ماتقدم ليس محاضرة طبية، او درسا من دروس كلية الطب، بل هو تشبيه أراه قريبا الى حد ما مما يجري في ساحتنا العراقية، ولن أتناول ما كان يحدث قبل عام 2003 فشماعة الإخفاقات والتداعيات تعلق دائما على النظام الحاكم المتمثل برأس الحكم صدام، بل سيكون حديثي مقتصرا عما جرى بعد ذاك العام، إذ الجميع هلل واستبشر خيرا بالتغيير الجذري الذي حصل فيه، وخال بعضنا أن العراق سيسابق الريح، ويعدو وسط أمم العالم المتحضرة ليكون أولها، كما كان قبل أربعة آلاف عام أولها. وأول بشائر ذاك الإحساس هو كمّ الحرية الهائل الذي أمطرته علينا سماء (عام السعد). كذلك شكل الحكومة وآلية انتقاء الحكام، هو الآخر كان صدمة للعراقيين بعد سنوات القمع والدكتاتورية.

غير أن سكتة دماغية وقلبية وضميرية أصيب بها أغلب قادة البلد، أدت إلى شلل مفاصله، وأتت الرياح بما لايشتهي الشعب، فبعد ان صار أمر الحكومة والرئاسات انتخابيا، حصل ما لم يكن يحصل في زمن الدكتاتور، إذ تلبست نعمة الحريات الممنوحة للمواطن العراقي بلبوس النقمة والوبال عليه، ولم يعد يرى من خيرها غير كثرة الاتصالات وأبراج الشبكات بمسمياتها العديدة، بين عنكبوتية وإلكترونية، ومن الفضائيات، هلّت عليه من على شاشات تلفازه قنوات ماكان يراها في عالم الخيال، ومن الأجهزة المنزلية ما يسد عليه كل حاجاته وحاجات ربة بيته وأولاده، وكذلك من المركبات والعجلات والسيارات موديلات وماركات يحار في عدّها.

ولكن في حقيقة الأمر كانت هناك مأساة تغرق فيها البلاد والعباد، أودت أخيرا الى مآل لايسر أي عراقي ينتمي لأرض العراق واسم العراق روحا وهوية وكيانا ووجودا، فالأرض احتلها أوباش، والعرض هتكه رعاع، والمال سلبه قراصنة، والدين لوثه كفرة، والرموز هدمها تكفيريون، والحريات اغتصبها معتوهون لايعرفون معنى الإنسانية.

هو نداء الى ساسة العراق الجدد، فلتشكل لديكم هذه المصابات والانتكاسات والتداعيات جميعها صعقة كهربائية، كتلك التي يحدثها جهاز (الانعاش القلبي) لتشحذ فيكم طاقة العمل الدؤوب والنيات الخالصة، لحل المعضلات والعقد التي أصابت الجسد العراقي، وإخراجه من توأمه المقحم فيه قسرا، والذي تسمونه (الانسداد) لإعادة أمجاده وإنقاذه مما وصل اليه.. “لعلكم تنعشون”.

[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

ما الوطن بنظرهم؟

أوراق مبعثرة

مفردات باتت مألوفة

أتشريف أم تكليف؟

أنصلح ما أفسد الدهر؟

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

صخب وتهويل لمشاريع مسروقة التمويل

درج المسؤولون منذ العام 2003 على ملئ الساحة الإعلامية بضجيج وصخب لا يتناسب وحجم المشاريع المقترحة ولا يتناسب ايضا مع الاهمية النسبية لتلك المشاريع...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مجلس حسيني النفقة في التشريع الاسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ملف الصحافة والاعلام .. وانتهاك حرية الصحافة والاعلام ..

تقرير .. الامم المتحدة ( الاخير ) نهاية عام ( 2014 ) ان اوضاع الصحفيين والعاملين في وسائل الاعلام غير جيدة ، ويعتبر ملف الاعلام...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مونديال قطر 2022 وأستفتاء التطبيع مع اسرائيل!؟

تعتبر البطولات الرياضية العالمية الكبرى مثل الأولمبياد وبطولة كأس العالم لكرة القدم التي تجري كل 4 سنوات أشبه بكرنفال انساني وبشري يجتمع العالم كله...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مونديال قطر……خسارة المطبعين

بعيدا عن التباين في الموافق من حيث سماح قطر برفع شعار المثليين وكيفية منحها او بالأحرى سماحها لوفود إعلامية صهيوني بحضور المونديال, نقول بان...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بداياتهم .. الأدبية رائدة جرجيس

هي رائدة رشيد توفيق جرجيس غادرت العراق منذ عقدين من الزمان وطافت تركيا سوريا لبنان ماليزيا ثم استقر بها المطاف في أمريكا وهي أديبة...