الجمعة 2 ديسمبر 2022
20 C
بغداد

الحكم بين السلطة والمعارضة

تحدد النظريات السياسية نوع الحكم السائد في الدول بين شمولي وفردي (دكتاتوري) وديمقراطي، ناهيك عن طبيعة الحكم بين جمهوري وملكي وثيوقراطي، وفي كل الانواع هناك تفرعات وتوصيفات وربما نظريات وقوانين تدعم كل منها وتمنحها شرعية الدستور الذي فرضته على تلك الدولة ونظامها السياسي، وفي بحثنا هنا لن نتطرق الى تلك التفاصيل التي غدت من المفاهيم السائدة والمعروفة خاصة في بلداننا التي ادمن الاهالي فيها السياسة بعيدا عن كونها مهنة كباقي المهن حيث ترى الغالبية من الأهالي ومن كل الشرائح منهمكة في الحديث والتحليل والتمحيص في قضايا السياسة، ولذلك سنتعرض لمسألة غاية في الأهمية خاصة في البلدان ذات التجارب الديمقراطية الحديثة التي يتم استنساخها على الطريقة الغربية بعيداً عن واقع وظروف مجتمعاتنا التي تختلف في العديد من مظاهر الحياة وممارساتها وتراكم عاداتها وتقاليدها التي أصبحت جزءاً من شخصيتها كمجموعة وكفرد.
هذه المسألة تتعلق بالسلطة وكيفيتها بعيداً عن نوعها كما ذكرنا في مدخل مقالنا هذا، حيث السؤال الأهم في ماهية السلطة هدفاً أم وسيلة لتطبيق برنامج يتعلق بالحاكمين سواء كان فردياً أو شمولياً أو ديمقراطياً ومدى علاقته بالأهالي من السكان واستحقاقاتهم المواطنية في الحقوق والواجبات، وإزاء ذلك هل يمكن أن يعترض البعض على كيفية التطبيق وحيثياته فيما يتعلق بالوطن والمواطن، وهذا يقودنا الى فكرة المعارضة الوطنية وتبلورها سواء على شكل أشخاص مستقلين أو أحزاب ومنظمات مجتمع مدني.
هذه المعارضة التي لم تتبلور بعد في كثير من البلدان حديثي التجربة الديمقراطية حيث تم تقزيم مفهوم المواطنة وحصره بالولاء للفرد الحاكم أو للحزب المتفرد وبذلك واجهت تلك الأنظمة الجديدة إرثاً متراكماً من حب التسلط والانتقام بما يُغيب المواطنة المنتجة لمعارضة وطنية.
من المعلوم أن أولى دوافع ظهور المعارضة يكمن في حدوث التناقض بين الحاكمين والمحكومين، أو بين الفائزين بالسلطة وبين الخاسرين، مما يدفع مجموعات تتفق فيما بينها على منظومة عمل يطرح بدائل للمشروع الحكومي أو البرلماني يتضمن اتجاهات ومقترحات إصلاحية لما يظنوه هدماً سياسياً واجتماعياً، وهكذا ممارسة تصطدم دائما بموروثات سياسية وقبلية او اجتماعية لا تمتلك إرثا ولا منظومة تربوية في السلوك الديمقراطي الذي يعتمد أساساً على قبول الآخر مهما كان مختلفاً في الرأي أو في الحجم.
وفن المعارضة وثقافتها يقوم في الأساس على فكرة المواطنة وقبول الآخر المختلف كما أسلفنا، وهي بالتالي ضرورة رقابية وتنافس من أجل الوطن وليس من أجل اقتسامه، وهي الأخرى تتصف بتعدد أشكالها ووسائلها ومكان تواجدها وأسلوبها في التعبير عنها، وهنا يقول الاستاذ خيري منصور:
“منها ما يولد في المنفى وما يرتهن لإرادات دولية كما ان منها ما هو اصيل ولا يخرج عن الثابت الوطني، لكن ما شهده العالم العربي في خريفه السياسي الذي ارتدى قناعاً اخضر اً من معارضات كان وما يزال يراوح بين ما هو راديكالي ويطرح شعارات تعجيزية وما هو واقعي وقابل لأن يترجم ميدانيا، والفيصل في الحالتين هو الدور الخارجي في تغذية وتسليح المعارضة الحالمة بالسلطة حتى لو كان ذلك على خازوق او على دبابة عدو”
وواضح جدا هذا التعريف وتطبيقاته في الساحة العراقية والسورية والليبية ومدى تأثير العامل الخارجي الذي يهيمن على اتجاهات البوصلة السياسية سواء كانت في السلطة او ما يسمى بالمعترضين عليها الذين يصرون هم ايضا على اعتلاء كراسي السلطة بأي ثمن كان، ولذلك ستبقى فكرة المعارضة مجرد حديث نظري لا يمكن تطبيقه واقعا لأن ثقافة المواطنة ما تزال تتأرجح بين الانتماء للوطن والولاء الجزئي، وفي كلتا الحالتين تبقى السلطة متفردة حتى فيما يسمى بالديمقراطية مالم تتطور وترتقي ثقافة المواطنة والولاء الوطني الجامع المشترك للجميع.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

السوداني في طهران، متى يكون في أنقرة..!!

تشكّل زيارة محمد شياع السوداني لطهران،فرصة لنزع فتيل أزمة مفتعلة،أرادت طهران بها تصديرأزمتها الداخلية الى الخارج،فكانت تهديدات قائد الحرس الثوري بإجتياح شمال العراق في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لافروف: أصعب فترة في تاريخ العالم قد جاءت !

 المؤتمر الصحفي الكبير الذي يضم جميع الصحفيين المحللين الروس ، والمراسلين الأجانب المعتمدين في وزارة الخارجية والذين يبلغ عددهم باكثر من 500 شخصية إعلامية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ "مثلث رعب" يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التسوية مع المتهم !

واجب القضاء التطبيق السليم للقانون، وهو ما نتوسمه في قضائنا، ولا سيما في القوانين الإجرائية التي تعدّ عماد الدعوى وأساسها الكفيل بحسن توجيهها، ولهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايها الشهيد نم قرير العين

ضمناسبة يوم الشهيد العراقي في الأول من كانون الأول. قال تعالى في سورة آل عمران169ـ 170((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظام الابتذال العالمي

كتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن نظام التفاهة، المسيطِر على العالم، غير إنّ هذا النظام في الحالة العربية، والعراقية، يؤسس لانهيار أعظم. بَلْ قلْ إنّ...