الأحد 27 نوفمبر 2022
15 C
بغداد

الحصان الخشبي!

لم تنتصر اسبرطة على غريمتها طروادة في حرب استمرت عشرة أعوام كاملة، إلا بخديعة ماكرة، وتخطيط متقن. ولم تكسب النزال إلا بعد أن استعانت بحصان خشبي هائل الحجم، تركته على أبواب المدينة المحاصرة. وأوهمت أهلها الذين برموا بطول الحرب أنه عربون محبة وصلح، ومقدمة لإنهاء الحصار. وحينما جن الليل خرج منه عدد من الجنود الإسبرطيين وفتحوا الأبواب لرفاقهم المختبئين في الجوار. وكان الطرواديون جذلين بسبب بشائر السلام، مما سهل مهمة الجنود الأسبرطيين، في الهزيع الأخير من الليل.
لقد ذهبت هذه الواقعة مثلاً على أسهل الطرق للإيقاع بالخصم، وأكثرها فاعلية، وأشدها إيلاماً. وزاد في الطين بلة جهل الأخير بما وراءها من تدبير. لكن زمن الأحصنة البشرية الصماء انتهى، ولم يعد هناك من تنطلي عليه مثل هذه الحيلة. وجاء الدور على “أحصنة” بشرية تؤدي ذات الغرض، وتضطلع بنفس المهمة. وتستغل من جانب الخصم، استغلالاً بشعاً. مثل هذه الأحصنة كثيرة. وبعضها من علية القوم. ولا تختلف عن الدمى الخشبية التي لا تعقل، إلا بوعيها بما يدور حولهم من نزاع.
ربما يبدو هذا التشبيه معقداً نوعاً ما. لكن الواقع أن مثل هذه العملية تتكرر على الدوام. ولا يكاد يمر عصر دون أن تقع فيه. فهي لازمة من لوازم الصراعات العالمية، القديمة منها والجديدة.
في العراق كما في غيره من البلدان، ظهر الكثير من الأشخاص الذين استخدموا للعبور. وكانوا أداة لإنزال الأذى بشعوبهم، واستغلوا في منافسات سياسية وحزبية. وكاد أحدهم ذات مرة أن يقلب الطاولة على مجموعته، لولا أن تدارك خصمه الأمر قبل فوات الأوان. وكان الذين احتضنوه يظنون أنه الأداة المثلى لقهر الطرف الآخر، بعد أن يضعوه على كرسي الحكم. ويديرون الأمور من وراء ظهره.
في هذا العصر تقف النخبة أحياناً الموقف ذاته، فتقدم للأجنبي كل ما يحتاجه للتغلغل في جسد الأمة. وتسهل له القبول لدى العامة. فلم تعد الإمبراطوريات القديمة قادرة على فرض هيمنتها العسكرية المباشرة. بعد أن وجدت أن مثل هذا الفعل بات مستهجناً ومكلفاً وغير مقبول من الرأي العام. فكان أن استعانت بأحصنة بشرية، تقوم بذات المهمة عن طيب خاطر حيناً، أو بثمن بخس حيناً آخر.
هذه النخبة تشبعت بالفكر الغربي، الذي حولها إلى أدوات غربية صرفة. وجعلها تقدم خدماتها السخية إلى الغير، باندفاع عجيب، دون أن تدرك أن دورها الحقيقي هو خلاف ذلك تماماً. حتى أن الصراع القديم بين الشرق والغرب، تحول إلى صراع داخلي محض، لا علاقة للأجنبي فيه من قريب أو بعيد.
إن ما نشهده اليوم من انقسامات داخل هذه البلدان إنما يحدث في الواقع بين وكلاء الأجنبي، وبين المجتمعات الشرقية. أما نسبة نجاح هذه العملية فهي عالية جداً. وتتم دون خسائر تذكر. ومع ذلك فمن الصعب إقناع بعض النخب، ومريديهم، أنهم يسيرون ببلادهم نحو الهاوية. ويشجعون البعض على الاحتجاج أو التظاهر ضد رغبة شعبه.
ربما سنجد بعد عقدين أو ثلاثة من يضع النقاط على الحروف، ويكشف هذه الحقيقة، من أبناء البلاد أنفسهم، أو من الغربيين الأحرار، بعد أن تكون حدة الصراع قد خفت أو تراجعت بشكل ملموس.

المزيد من مقالات الكاتب

تغيير النوع (2)

تغيير النوع (1)

بين الدين والدنيا

الحصان الخشبي!

الفكرة القومية

التحدي الإيراني !

المادة السابقةحلم على ذمة التحقيق
المقالة القادمةفانتزيا الرؤساء الامريكان

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

السوداني الارادة والواقع

ما يبعث على السعادة والتفاؤل  بالغد الافضل هو التصميم والارادة الموجودة لدى رئيس  مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، واجراءاته لتحقيق الاصلاح والتغيير النابع من الايمان باهمية وضرورة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

طباخ السم الإيراني يذوقه

اتهم المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الولايات المتحدة وإسرائيل بإثارة الاضطرابات. ووفقا لوكالة مهر الإيرانية للأنباء، قال في حفل تخرج مشترك لطلبة جامعات ضباط...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

في : تشظيات الأخوة اكراد المِنطقة .!

من بعضٍ من هذه الشظايا السياسية والإعلامية لحدّ الآن , فإنّ اكراد سوريا بعضهم يصطفّ مع حكومة الرئيس بشّار , وبعضٌ آخر يقف الى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سيادة العراق

- يستخدم سياسيونا ونوابنا وإعلاميون كلمة "سيادة" العراق.. في كثير من خطاباتهم وتحليلاتهم.. فما مفهومها وما مظاهرها؟!! وهل لعراق اليوم سيادة ؟؟ - بداية لابد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أدوات وصعوبات الحوار مع (الآخر) العراقيّ!

تحتاج العلاقات البشريّة الناجحة إلى بعض العلوم الإنسانيّة والنفسيّة، ويُمكن اعتبار فنون الحوار والإقناع ومناقشة الآخر والكتابة والتخطيط من أبرز الفنون والعلوم الضروريّة للتواصل...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البعد التاريخي للإسلام المتطرف

لا يغادر مخيلة اهل بلاد الرافدين ما فعله تنظيم داعش الارهابي من جرائم وفضائح ما بين عامي  2014 - 2018 , حتى تم القضاء...