الخميس 6 أكتوبر 2022
37 C
بغداد

من وحي شهريار وشهرزاد (70)

العباقرة
شهرزاد : برغم ذلك الأخذ والعطاء الذي جسد أرق معاني التكاتف الأسري في حكاية (أعظم رجل في العالم ) ، لكنني أتطلع الى أسباب أخرى تحول دون محبة معلنة بين الأشقاء والشقيقات ، صغيرهم وكبيرهم .

شهريار : كأن عليّ أن أذكّرك دائما بإن ( الأنا المتعالية ) سبب رئيس في ضياع المحبة بين الأخوة والأخوات ،ولا تنحصر مسؤولية الوالدين بتوصية المحبة المتبادلة بين الجميع ، وإنْ كانت أطلاقات المحبة الدائمة تطفئ نار الأنا المتعالية، وتجسد أنقى المشاعر الإنسانية بين أفراد الأسرة ، وترسم لوحة ( نحن فقط )، فإن ثقافات ضائعة في تلك الإطلاقات كـ( التواضع والإبتسامة والإعتذار والمسامحة) من شأنها أن تنسف ذلك الترابط ، ولعل أعظم إرشاد يقدمه الوالدان هو التحلي بتلك الإطلاقات أبتداءً ، لايمكننا بأي شكل من الأشكال أن نعلّم أولادنا تلك الثقافات من غير أن نكون سبّاقين لها ، فإن السلوك العام للوالدين يصنع أعمق مراحل الحتمية النفسية (التركيبة الشخصية للأبناء والبنات ) ، وعلى هذا الأساس : إنْ كان الوالدان متواضعين ، متسامحين ، معترفين باخطائهما ، معتذرين عن أي اساءة منهم عمت تلك الثقافات الضائعة في مجتمعاتنا عموما ،وصارت منهجا قويما لتعامل الأشقاء والشقيقات ، فإن عرفنا أن كل أسرة هي لبنة حيّة في مجتمع كبير ، حرصنا على إشاعة تلك الثقافات في منازلنا ، لنضمن إطلاقات محبة وسعادة وإستقرار في بيوتنا ثم في مجتمعاتنا وذلك هو غاية الغايات .

كل مشاكلنا إجتماعية ياشهرزاد ، فكل ما يحيط بنا من أمراض القلوب كالكراهية والضغينة والتنافس غير المحمود ، وتقديم مصالح الفرد على مصالح المجتمع ،وضياع الأوطان ، والحروب ، والتقاتل بين أبناء البلد الواحد تحت مسميات لانسمع عنها شيئا في أزمنة المحبة هو في الأصل مشاكل إجتماعية.

في المنزل الواحد ( المجتمع الصغير) نحن بحاجة الى التخلص من تلك الأمراض ، فإن كان تحقيق النصر الداخلي بمسامحة النفس وتقديرها ودعم مواهبها الخاصة والأعتذار لها عن أخطاء الماضي ، والتمسك بالقيمة العليا منطلقا لمسامحة الأشقاء والشقيقات والأبناء والبنات وتقدير ذواتهم ومهاراتهم وبالتالي تحقيق التكاتف والمحبة الدائمة ، فأن تلك الثقافات التي جعلت منازلنا في غاية السعادة والإستقرار ستكون قاعدة متينة ينطلق منها الجميع نحو تحقيق النصر العام في ميادين الحياة .

وقد نقترب من الصواب إنْ شبّهنا أحد تلك المنازل السعيدة بمجموعة من العباقرة الذين نجحوا في إعمار جزيرتهم الصغيرة ، وقاموا بإنشاء منازل ضخمة ،وزرعوا مساحات كبيرة بأشهى أنواع الفواكه والخضروات ، تسقيها جداول عذبة تمر بقرب تلك المنازل بشكل متساوٍ تقريبا ، وعلى أغصان الأشجار العالية تعيش كل أنواع الطيور ، وفي المزارع حقول دواجن ، ومياه البحر المحيطة بالجزيرة تغدق عليهم بأفخر أنواع الأسماك ، بل إنهم يحصلون على اللآلئ والمرجان بمهام غوص يسيرة ،وجادت عليهم الجبال بما يحتاجون إليه من المعادن والأحجار ومواد البناء لتنفيذ مشاريعهم ، ولأنهم مجموعة من العباقرة فقد أجاد كل واحد منهم في مجال تخصصه ، فمنهم من أمّن الإتصالات ، ومنهم من أوجد الكهرباء ، وآخرون أبدعوا في بناء الطرق والجسور، والأطباء حرصوا على بناء مستشفى كبير مجهز بأعلى التقنيات ، وكانت قليلا ما تصيبهم الأمراض لأنهم يعيشون وسط طبيعة غناء ، وليس في تلك الجزيرة شرطي واحد ، فكل فرد يعرف واجباته وحقوقه ، وهو يعمل من أجل تحقيق ذاته فهو ليس بحاجة الى المال .

أنهوا كل مشاريعهم وبنوا حضارة متكاملة ثم بدأوا يفكرون في نقل إبداعاتهم الى العالم الخارجي ، وتكاتفوا في مشروعهم لبناء مركبة فضائية تنقلهم الى تحقيق إنتصارهم الجديد ، فلما أكملوا بناءها ، إطمأنوا الى أن القواعد التي أسسوا عليها تلك الحضارة قادرة على تأمين إنطلاق آمن لمركبتهم العظيمة التي سرعان ما حطت في أرض شبه جرداء ، وأنطلق كل عبقري منهم يُعلّم مجموعة من البسطاء أسرار الحضارة التي جاء منها .

وقد يكون واضحا أن العبقرية في هذا التشبيه دلالة على القيم العليا والمهارات الخاصة التي أودعها الله في كل فرد منا ، والخيرات المحيطة بتلك المجموعة هي إطلاقات المحبة المتأصلة في النفوس التي تلهم الإبداع والرقي بالتعامل ، وتجسد مبدأ الأخذ والعطاء لإعمار القلوب قبل الأوطان ، وتلك الحضارة هي حصيلة التكاتف بين أفراد الأسرة ، ولأنه تكاتف مبني على أسس متينة فقد صار منطلقا الى المجتمع المتعطش الى أسرار السعادة المرسومة على وجوه الوالدين والأشقاء والشقيقات فهم مثل يحتذى لنشر ثقافة المحبة في ميادين الحياة .

يقول مؤسس علم النفس الفردي الدكتور النمساوي ألفرد أدلر : “ليس لدينا مشاكل في حياتنا سوى مشاكل أجتماعية ، وتلك المشاكل الإجتماعية يمكننا حلها فقط أذا كنا مهتمين بالآخرين “.

نعم ياشهرزاد إن الإهتمام بالآخرين دليل ، لا يقبل الشك ، على محبة حقيقية قوامها التكاتف والتقدير المتبادل ، ومن غيره لايمكن تحقيق النجاح الخاص أو العام ، فذلك الأهتمام أعمق رغبة في نفوسنا ونفوس الآخرين .

مقتبسات من مؤلفي : شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

للتواصل مع الكاتب : ammaralbaghdadi14@gmail.com

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةكربلاء برؤية جديدة / ح 5
المقالة القادمةالأمهر الطريد المؤدلج

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
878متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

مبادرة الخنجر لـ “عقد جديد” وعرقلة القوى الكبيرة

للمرّة الثانية يطرح الشيخ خميس الخنجر فكرة تبني عقداً جديداً لمعالجة المشهد السياسي الحالي المأزوم والمنتج للازمات الى حدود الصدام المسلح بين قوى مشاركة...

بين السرد والشعر القرآن الكريم والظّاهرة الإبداعيّة الشّاملة

لا يوجد في إنجاز الكتّاب، شعراً أو نثراً، كتاب قد يطلق عليه أنّه الكتاب الأبديّ الخالد، لأنّ من يعتقد أنّه قد وصل إلى هذه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نصوص قرآنية فسرت خطئاً … فأوقعتنا في محنة التخلف

يقصد بالنص الديني هو كل لفظ مفهوم المعنى من القرآن والسنة النبوية او نصاً عاماً..وهو الكلام الذي لا يحتمل التأويل ،أي ثابت المعنى لا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ثلاث ساعات : أعوام طويلة

براعة المونتاج في السرد (جحيم الراهب) للروائي شاكر نوري إلى (راهبات التقدمة) إذا كانت رواية (شامان) قد نجحت في تدريبنا على الطيران الحر. فأن رواية(جحيم الراهب)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حوار بلاسخارت

ذات يوم كان ولدي الصغير يشتكي من تسلط الطلاب الكبار في المدرسة ووصل الامر بهم الى ضربه هو واصدقاؤه الصغار فقرر ان يبلغني بذلك...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الثقافة والتيار!!

لا قيمة للثقافة إن لم تصنع تياراً جماهيريا , قادراً على التفاعل المتوثب والتغيير الناجز وفق منطلقات واضحة ورؤى راسخة. وقد برهنت الثقافة العربية فشلها...