الخميس 8 ديسمبر 2022
12 C
بغداد

آله من بشر

روايات الفنتازيا المشهورة في الحضارة اليونانية يكثر فيها الحديث, عن الآلهة الذين يحكمون أوطانهم، وتماثيلهم المنتشرة في أثينا تبين أنهم مفتولي العضلات، يمتازون بالحكمة والشجاعة، وتوحي بحبهم الوطن و رعاية الرعية، كل ذلك إيماناً منهم بأنهم المختارون لقيادة الأمة، فيجب عليهم أن يكونوا قدوة لرعيتهم.

أنتهت تلك الأساطير وأندثرت مع الزمن، ليأتي بعدها من هم أهم للبشرية، الأنبياء والمرسلين الأكثر حكمة.. يحملون رسالات لنشر السلام والرحمة، من إله واحد خالق لهذا الكون وما فيه، وبما أن لكل زمان رجالاته الخاصين، ونتيجة لتعاقب الأجيال ودورها في هيكلة المجتمعات، كان متوقعا ظهور الحاخامات والقساوسة والخلفاء والمراجع.. وهؤلاء يتبعهم مجموعة من الأفراد.. بعضهم تنحرف لديهم فناتازيا العقل، ويتضخم لديهم حب النفس، والنرجسية والكبرياء، فيلتف حولهم مجموعة من الناس، ترتفع أصواتهم وتنخفض حسب ما يصرح به تابعيهم, ويطبقون نظرية السلسلة ويبدأ الناس بالتكاثر حولهم حتى يكونوا عصبة، يشتركون فيما بينهم بمجموعة من الصفات، ويصبحون مجرد دمى يتحركون حسب ما يأمر به محركهم.

يطلق على هؤلاء المتحكمين مصطلح القائد أو الزعيم، حسب أنتمائه الديني ومذهبه الطائفي، وهذا القائد دائماً ما يتبع طريقة محددة، لتهيئة الأفراد للأنصهار داخل المجموعة وإنسلاخهم من ذاتهم، حتى تتكون لدينا ذات وشخصية للجماعة تتماشى مع أوامر القائد، ويجب أن تكون طاعتهم لهُ عمياء، وتنفيذهم للأوامر مجردة من أي تساؤل، وكل القادة الذين وصلوا إلى مرحلة “الألهة” طبقوا خطوات ثلاثة تجاه أتباعهم..

أولها الجانب النفسي فلا توجد أهمية للماديات في الحياة، حتى ينسلخ الفرد من الواقع ويدخل معترك الخيال، ليتيح له مواجهة الموت بلا تردد، لأن تفكيرهم سيكون خارج حدود الفرد الإنسانية، لأن قائدهم سيخلق لهم وهم الحقيقة، الذي يجعلهم في مسرحية خاصة بهِ، بعيدين عن ذاتهم، منغمرين في حركته الجماهيرية.

ثانياً خلق عدو مادي أو معنوي للجماعة، ليدخل الأفراد في مواجهة دائمة مع النفس، في أنها معرضة لخطر الأقصاء وتقييد حرية المذهب والدين، يكون العدو متغيراً أحياناً، حسب التوجه السياسي للقائد، أو ثابتاً إذا كان الزعيم ذو ميول طائفية، عندها يكون العقل الجمعي لا يؤمن بأهمية خسارة حياته، لأنه عندها لا يخسر سوى الحاضر، الذي يعتقد في داخله أنه ملوث لا قيمة له، تجاه ما سيحققه للجماعة في المستقبل، عندها يكون القائد قد حقق أهم نقاطه، بأنه قزم الحاضر بعقولهم، وجعله مجرد حلقة وصل ضعيفة، بين ماضي عظيم ومستقبل أعظم، ليخلق منهم أمواجاً تتفانى من أجل تلبية رغباته الدنيئة، معتقدين داخلهم أنها أسمى الغايات.

أخيراً البناء العقائدي فتعتبر العقيدة التي يزرعها القائد في نفوسهم، حاجزاً يحجبهم عن العالم، ويبعدهم عن ذاتهم الإنسانية، فتجعلهم متمسكين بها، ومستعدين للتضحية بما يملكون من أجل أحيائها، وهذا يجعلهم متطرفين عاطفياً تجاه كل ما يخص معتقدهم، فيخلق لهم جواً مشحوناً بالعاطفة، التي تتيح لهم تغييرات جذرية، من ركودهم البائس إلى إنفعالات مسيطر عليها، وهنا يعتمد القائد على إثارة المشاعر، لخلق فاعلية غير متوازنة بين الذات والنفس، حتى يجردهما من بعض، ويجعل الفرد يذوب في العقيدة الجماعية.

كل هذا يبين لنا أن الإنسان بفطرته عبارة عن مجموعة صفات، لو تكاملت ظروف معينة في بيئة خصبة، نستطيع أن نغير في طبيعته الأصلية، لأنها تجعل منه كالعجينة، تتشكل كيفما تكون الظروف، والكابح الوحيد للإنحرافات وتكوين آله من بشر، هو الوعي وعقيدة راسخة وقانون عادل, وهذه ضعيفة جداً في المجتمعات العربية حالياً، لذلك نجد أن مصطلح القائد والزعيم والخليفة، تكثر فيها ولا يمكن أن تنتفي ربوبيتهم إلا إذا تطور الوعي الذاتي للشعوب، والقادم سيثبت أننا مواطنين نصنع آله أكثر من آله اليونان.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
892متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

قانون جرائم المعلوماتيه يشكل انتهاكآ صارخآ لأحكام الدستور.. ويعمل على أعادة العراق لعصور الديكتاتوريه..؟

نستقرأ قيام مجلس النواب العراقي بأعادة مناقشة مشروع قانون جرائم المعلوماتيه سيئ الصيت.والذي تم رفضه سابقأ من قبل مجلس النواب في2019 بأستغراب ودهشة شديدين..؟ فالمتابع...

الغترة والعقال تلم شمل الثقافات في مونديال قطر ٢٠٢٢

إن المكاسب والفرص لجماهير كل دولة قادمة إلى قطر لحضور مونديال كأس العالم ٢٠٢٢ محدودة ومرتهنة بالحظ حيال الفوز والترقي في التصفيات أو الخروج...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بداياتهم .. الكاتب ابراهيم سبتي

القاص ابراهيم سبتي كاتب قصة وروائي وصحفي وناقد معروف على مستوى العراق وباقي البلدان العربية وهو كاتب قصة من طراز خاص ومن عائلة أدبية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سنارة السوداني في بحر الفساد

يثار الكثير من الجدل حول قدرة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لتعقب الفاسدين وفتح ملفاتهم التي أزكمت الأنوف، وقبل ذلك أثار ترشيح السوداني حفيظة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

موازنة 2023 .. بين الإنعاش و الاحتضار

بعد أن غابت الموازنة الاتحادية لسنة 2022 وما سببه هذا الغياب من آلام وأضرار لشرائح عديدة من المواطنين أفرادا ومنظمات ، وبعد أن تشكلت...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

من صفرو:لَـكِ الله يا سَـيِّـدتي

صور بديعة ؛ وخلابة بطبيعة خلـق الله ؛ كانت مترسخة في ذاكرتي منذ الصغـَر عَـن مدينة صفرو. صفرو في الذاكرة ( تلك) الجـَنة على...