الأحد 14 أغسطس 2022
32 C
بغداد

حلب الشعب الزنكَلاديشي

اعتمد العرب فن الإشارة في الكلام حتى قيل: وكل حكيم بالإشارة يفهم، واعتبروا ذلك من البلاغة، ولهذا كانت لغة القران فيها من الإشارة الشيء الكثير، وهكذا ديدن العرب في ضرب الامثال (وهي عبارات مختصرة توصل حكمة ومعرفة كبيرة وقد يكون وراء المثل قصة في اغلب الأحيان،وكذلك اعتمد الشعراء قول بيت شعر او عدة ابيات لإيصالفكرة معينة وحكمة دالة، وكما قلنا: فكل حكيم بالإشارة يفهم، وبما ان الناس اكثرهم لا يعقلون كما عبر القران، أيليس لديهم جهاز استقبال الاشارة فتفوتهم الحكمة، بل اكثر من ذلك فهم يأخذون الحكمة من مثل او بيت شعر وينزلونه مكان السخرية، وانما يدل ذلك على قصر فهمهم وأن الإشارة لم تصل اليهم.

  يردد الناس بيت الشعر القائل: بعيتي رأيت الذئب يحلب نملةً       ويشرب منها رائباً وحليبا

هو بيت شعر غريب نوعا ما، يتناقله الناس على أساس الفكاهة والسخرية، والكثير لا يعرف معناه الحقيقي أوقصته، فهل الذئب يستطيع أن يحلب نملة؟ وهل النملة لديها حليب أصلا؟! وما كمية حليب النملة حتى يكفي أن يكون غذاءً للذئب؟ لكن هل فكروا في تلك الأسئلة عندما قرأوا بيت الشعر؟! هل عرفوا أن بيت الشعر لأحد عمالقة الشعر العربي وأجلزهم لفظاً وأحسنهم نظماً وأعظمهم شأناً، إنه الشاعر أبو الطيب المتنبي، بكل تأكيد لم تصلهم الإشارة، لأنهم ما عرفوا القصة ولا الحكمة التي أرادها المتنبي، يقول المتنبي عن قصة هذا البيت: كنت في أحد أسواق الكوفة واقفاً قرب امرأة فقيرة تبيع السمك. فجاء رجل غني جداًأعرفه، يرتدي ملابس غالية الثمن، تدل سيماه على الغنى الفاحش. قال للمرأة: بكم رطل السمك؟ فقالت له: بخمسة دراهم يا سيدي، قال لها بتكبر: بل بدرهم للرطل الواحد. فقالت له باستعطاف: أنا امرأة فقيرة والسمك ليس لي بل لرجل أبيعه له فيعطيني ما قسم الله لي. فقال الرجل باستعلاء: بل بدرهم ليس أكثر. فقالت المرأة بقلة حيلة: بل بخمسة دراهم. فقال الرجل الغني وهو يشير باستخفاف: أوزني لي عشرة أرطال. فأعدت له المسكينة عشرة أرطال من السمك على أمل أن تحظى بالثمن كاملاً، فأخذهم الرجل منها بقسوة ورمى عليها عشرة دراهم وذهب مسرعاً فنزلت دموع المسكينة وأخذت تنادى عليه فلم يجب، يقول المتنبي: فناديت عليه بنفسي فلم يجب، لقد كان ذئباً في غناه وبخله ولؤمه، وكانت نملة في ضعفها وفقرها وأنشد يقول:

بعيني رأيت الذئب يحلب نملة        ويشرب منها رائباً وحليبا

  ما يعانيه الشعب الزنكَلاديشي من ظلم وطمع وجشع المسؤولين، لهو أشد وأفظع وأكبر من ظلم هذا الذئب البشري لتلك المرأة الفقيرة، فكل يوم نستهل يومنا بسرقة جديدة ومصيبة عظيمة، يتحدثون عن التريليونات كأنهم يتحدثون عن فلسات! هم لا يرون الفقراء الذين يقتاتون على بقايا طعام المتنعمين الملقى في حاويات القمامة، ويدلاً في أن يجدوا حلا لهؤلاء الفقراء، يطل علينا وزير التخطيط الزنكَلاديشي ليقول: ندرس اتخاذ قرار او تشريع قانون لتحديد النسل. انا لست ضد هذا القانون، لكن اجعلوه ثقافة ووعياً يتبعه الناس، ولا تقولوا عنه قانون، لأنكم بقولكم قانون سيخالفونكم وسيزيدون انتاجهم الولادي وفق قاعدة (كل ممنوع مرغوب)، ولكن ثقفوهم، ليكون هذا العمل نابعاًمن ارادتهم لا مفروضا عليهم. فافهموا واني لأعلمُ انكم لا تفهمون.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
867متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حروب المظاهرات ومستقبل البيت الشيعي العراقي!

ذكرت بمقال الأسبوع الماضي (الصفيح العراقيّ الساخن ومطالب الصدر ونهاية المالكي!)، في صحيفة (عربي 21 الغراء) أنّ " الإطار التنسيقي برئاسة نوري المالكي قد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

وطن بلا كهرباء

تستمر معاناة الشعب مع الفساد والفشل وهدر الثروات مقابل انعدام الخدمات وخاصة الطاقة الكهربائية مطلع كل شهر من شهور الحر الشديد تبدأ المعاناة ولا تنتهي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

عراقياً: مضاعفاتٌ تُضعِف السلوك السياسي !

لو افترضنا أنّ الإطار التنسيقي قام فعلاً بتشكيل حكومةٍ جديدة وفقَ آخر اخباره < مع او بوجود التضادّات الصدرية وربما القضائية وسواها ايضاً ,...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

امساك أنصار دعم الشرعية بورقة الشارع قد يجبر الصدر الى الحوار

يزداد المشهد العراقي سخونة على وقع حراك التيار الصدري في الشارع واعتصامه امام مجلس النواب العراقي، مقابل فعاليات شعبية مؤثرة للإطار التنسيقي الذي اعلن...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مسعودبارزاني ضمير الكرد النابض! ‏

مسعودبارزاني زعيم كردي سياسي مخضرم رئيس حزب الديمقراطي الكردستاني اكبر الأحزاب الكردية واشدها بأسا في مقارعة الحكومات العراقية الشوفينية المتعاقبة وابرزها دفاعا عن مصالح...

التطور الفكري.. والإنسان العاقل

خمسة سنوات كانت كافية لداروين لرحلته في أنحاء الأرض، لتقدم بعدها نظرية تقسم العالم إلى صنفين، أحدهما يؤمن بأصل الأنواع، وأنها جائت حسب إنتقاء...