الثلاثاء 16 أغسطس 2022
30 C
بغداد

بيت بوشكين في اكاديمية العلوم الروسية

ولد بوشكين عام 1799 , و قد احتفلت الامبراطورية الروسية عام 1899 بالذكرى المئوية الاولى لميلاده , وفي تلك الاحتفالات المتنوعة في روسيا ظهرت فكرة تأسيس ( بيت بوشكين ) , او , حسب الترجمة الحرفية – ( البيت البوشكيني ) , اعتزازا بابداعه وحفاظا على قيمة هذا الابداع ومكانته واهميته في تاريخ الفكر الروسي عموما , وقد حظيت الفكرة بعدئذ بدعم وتأييد الدولة الروسية ورعايتها , ووصل الامر الى صدور موافقة تحريرية (وأمر اداري تفصيلي بشأن تنفيذها و تحقيقها وتمويلها) من قبل القيصر الروسي نيقولاي الثاني نفسه ( آخر قياصرة الامبراطورية الروسيّة كما هو معروف ).
الفكرة بدأت عندما تمّ جمع اكثر من (700) مادة متحفية ثمينة ماديّا ومعنويّا , و ترتبط ( بشكل مباشر او غير مباشر ) ببوشكين ومسيرة حياته وابداعه , وذلك لغرض تنظيم معرض خاص بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده , وبدأ الحديث آنذاك عن ضرورة اقامة تمثال جديد لبوشكين في هذه المناسبة , وقد اقترح رئيس اكاديمية العلوم الروسية عندئذ تشكيل لجنة خاصة من المثقفين الروس الكبار لمناقشة موضوع التمثال , واثناء سير المناقشات وتشعباتها في جلسات تلك اللجنة ولدت فكرة جديدة كليّا , وهي تاسيس ( بيت بوشكين ) بمثابة متحف او مركز ادبي يجمع كل المواد الارشيفية المرتبطة ببوشكين (وبقية ادباء روسيا في القرن التاسع عشر) , وذلك تخليدا لهم و حفاظا على تلك المواد الثمينة من الضياع والتلف اولا , ولدراستها وتحليلها من قبل المتخصصين ثانيا نظرا لاهمية تلك المواد لتدوين تاريخ و مسيرة الادب الروسي , وحدث ذلك يوم 15 ديسمبر/ كانون الاول عام 1905 , ولهذا تم اعتبار هذا اليوم – تاريخ تأسيس ( بيت بوشكين ) منذ ذلك الحين والى يومنا الحالي , وقد وافق القيصر عام 1907 على تمويل هذا المشروع المهم من قبل الدولة الروسية كليّا , بما فيها – جمع كل ما له علاقة بحياة بوشكين وابداعه وحفظها هناك , وكذلك جمع كل ما له علاقة بحياة وابداع الادباء الروس الكبار الآخرين لنفس الغرض النبيل هذا . وكانت مكتبة بوشكين طبعا اول خطوة تطبيقية في هذا المجال , وتم شراء هذه المكتبة فعلا باكملها من قبل الدولة ,وتمّ وضعها في ( بيت بوشكين ) , كبداية لتأسيس مكتبة عامة في ذلك ( البيت !) , واعقبت تلك الخطوة التخطيط لشراء مكتبة اخرى اسسها أحد المواطنين الروس , الذي كان معجبا جدا بابداع بوشكين لدرجة انه أطلق على نفسه لقب ( اونيغين ) , اي مثل لقب بطل الرواية الشعرية لبوشكين ( يفغيني اونيغين ) , وقد هاجر هذا المواطن الروسي في حينها للعيش في باريس , وهناك أقام متحف لبوشكين في شقته الباريسية , وهو أول متحف لبوشكين بشكل عام , والذي عرض فيه كل ما حصل عليه حول بوشكين , واهمها طبعا الكتب التي نشرها بوشكين نفسه وكل المؤلفات حوله , والتي جمعها طوال حياته , وتمّ فعلا شراء كل محتويات ذلك المتحف وحسب الشرط الذي وضعه اونيغين نفسه , و ينص هذا الشرط على استلام كل تلك الكتب بعد وفاته , و قد توفي اونيغين عام 1925 , وتمّ نقل تلك المكتبة الثمينة عام 1928 من ذلك المتحف في باريس الى بيت بوشكين في روسيا , وتوسّع مشروع (بيت بوشكين) هذا , وضمّ بعدئذ مكتبات ومخطوطات ومسودات كل من تورغينيف وليرمنتوف ونكراسوف وتولستوي ودستويفسكي , وقررت الدولة السوفيتية تحويّل بيت بوشكين عام 1930 الى ( معهد الادب الروسي ) في اكاديمية العلوم , مع الاحتفاظ بالاسم التاريخي له , وهو بيت بوشكين , وهكذا اصبح يسمّى منذ ذلك التاريخ ولحد الان – معهد الادب الروسي ( بيت بوشكين ) في اكاديمية العلوم الروسية .
معهد الادب الروسي ( بيت بوشكين ) في اكاديمية العلوم الروسية يقع في مدينة بطرسبورغ الروسية , وهو معهد بحوث ودراسات تابع لوزارة العلوم والتعليم العالي الروسية , ويحتوي هذا المعهد على اقسام علمية – بحثية عديدة , وتوجد فيه مراكز علمية ومجاميع متنوعة وعدة مختبرات , ومتحف أدبي فريد من نوعه , وقسم فخم للمخطوطات والتسجيلات ( بما فيها تسجيلات فولكلورية لشعوب العالم ) , و قد أصدر هذا المعهد الكثير من الكتب والمصادر الاكاديمية في الادب الروسي , منها مثلا ( وليس حصرا ) – مجلة فصلية تصدر منذ عام 1958 ولحد الان دون انقطاع ( اي طوال 64 سنة ) , واسم المجلة – الادب الروسي , وتعد هذه المجلة واحدة من أشهر المجلات الاكاديمية العلمية المعتمدة بروسيا في مجال دراسات الادب الروسي بمراحله كافة ( من الادب الروسي القديم الى الادب الروسي المعاصر ), وتشترك في هذه المجلة معظم اقسام اللغة الروسية وآدابها في الجامعات العالمية , وأصدر المعهد ( 62) مجلّدا من أعمال قسم الادب الروسي القديم , و( 33) مجلّدا للفلكلور الروسي , و(40) مجلّدا بعنوان بوشكين ومعاصروه …و.. و.. و.. , ولا مجال هنا لذكر الندوات والؤتمرات العلمية العديدة جدا , التي قام هذا المعهد بتنظيمها حول الادب الروسي طوال كل هذه السنين …
معهد الادب الروسي ( بيت بوشكين ) في اكاديمية العلوم الروسية – مثل رائع يُحتذى به عالميا ,ولكل الشعوب, لدراسة آدابها وتوثيقه , وما أحوج أدبنا العربي العملاق الى مؤسسات أكاديمية مماثلة …..

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
867متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المؤرخون الإسلاميون والباحثة بثينة بن حسين

شخصيا أثمّن الجهّد المبذول من قبل الباحثة التونسية في كتابها الموسوعي (الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية) وهو من الكتب الضرورية ويستحق...

لماذا لم يكتب الشيعة تاريخهم بايديهم

عندما تبحث عن أي حدثٍ ما في تأريخ الشيعة سياسياً أو عقائدياً أو اقتصاديا ،أو كل ما يهم هذه الطائفة من أسباب الوجود والبقاء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محاولة اغتيال سلمان رشدي: جدلية التطرف في الفكر وممارسة العمل الإرهابي؟

في نهاية القرن العشرين واجه العالم عملية إحياء للأصولية الدينية إذ شكل الدافع الديني أهم سمة مميزة للإرهاب في الظروف المعاصرة، بعد أن أصبح...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لقد ابكيتنا يا رأفت الهجان…

اليوم وانا اعيد مشاهدة المسلسل المصري القديم رأفت الهجان من خلال شاشة الموبايل وبالتحديد لقطات لقاء بطل الشخصية مع عائلته في مصر بعد عودته...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أموال ( النازحين ) تحولت إلى خزائن اللصوص ؟!

معظم النازحين في العراق وإنا واحد منهم سجل أسمه في قوائم وزارة الهجرة وتم توزيع تلك القوائم إلى منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى والأطراف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الإنسداد السياسي في العراق… ومتاهات الفراعنة

يبدو المشهد السياسي في العراق مثل متاهات الفراعنة أو دهاليزهم السِريّة كمن يحاول الخروج من غرفة مظلمة عِبرَ باب دوار حتى يجد نفسه قد...