الإثنين 3 أكتوبر 2022
26.9 C
بغداد

من سيربح المليون

برنامج عالمي يقدم من شاشات عالمية مختلفة وبعدة لغات. الترجمة العربية لها هي (من سيربح المليون) والذي هو أنسب عنوان للبرنامج أسوة بالتراجم الموضوعة في اللغات الأخرى والتي اطلعت عليها.

منذ سنين ونحن نشاهد هذا البرنامج والفكرة ليست بخافية على أحد منا. (من سيربح المليون) عنوان فيه تساءل جميل مشوق فيمن سيكون مليونيراً في نهاية المطاف في سباق المال هذا. نجلس أمام التلفاز ليس للاستفادة من الأسئلة المطروحة بل كل ما يشغلنا أمر المبلغ الذي سيخرج به هذا المتسابق. منهم من يحصل على القليل ومنهم من يخرج بشيء كبير يؤمن به مستقبله. جلسة واحدة لمدة لا تتجاوز أحيانا النصف ساعة كفيلة أن تجعل من الشخص المتسابق صاحب مال. ومنهم من يكون صاحب ثروة دون كد أو تعب أو شقاء.

الأمر ليس أسئلة واختبار ذكاء وتباهي بالخزين المعلوماتي، بل هو الرقم الذي سيخرج به كل واحد منهم. المهم هو المليون أو شيء من المليون الذي سيحصل عليه المتسابق. وما دون هذا المبلغ هو فتات لا يستحق حتى النظر إليه حتى بطرفة عين.

البرنامج هذا ملخص الحياة في يومنا هذا. الحياة عامة هي سباق لمن سيربح المليون. حيث الكل يسعى جاهدا لان يحصل على المليون. كما لا قيمة للأسئلة المطروحة في البرنامج ولا أحد يعمل على زيادة ومعلوماته وتغذية فكره بما لا يعلم، الحياة اليومية اليوم كذلك لا أحد يجهد في العلم والتزود بالثقافة. فالمال أصبح غاية كل فرد في حله وترحاله. ليس لنا أن نعمل من أجل علم لا مردود مالي فيه وليس لنا أن نقرأ كتاباً ونصرف فيه وقتاً ما إذا لم يكن فيه مردود مادي.

المتسابق الذي يفشل في برنامج (من سيربح المليون) لا يخرج مهموماً بسبب ضآلة خزينه المعلوماتي وهزل ثقافته، بل يخرج مهموما لأنه لم يحصل على المليون. إنه لا يبالي أمام الملايين الذين يشاهدون جهله وعدم تمكنه من الإجابة بقدر ما هو يكشف عن أسفه لعدم الفوز بالمليون. الأمر المحزن اليوم هو فقدان المال ولا يهم العلم ولا الثقافة، فلم يستحي أحد يوماً من قلة درايته وشحة ثقافته.

البرنامج هذا صورة طبق الأصل من الحياة التي نعيشها. لا قضية ولا مبادئ ولا إيمان يستحق التضحية والعمل إذا لم يكن فيه مردود مادي دسم. الصورة العامة توحي بأن البرنامج فيه اختبار للمعلومات، لكن باطن الأمر هو المال المعروض وكيفية الوصول إليه. لو كان البرنامج لاختبار المعلومات دون دفع المليون لما شارك فيه أحد أصلاً.

كل ما نشاهده اليوم من عروض تتحدث بالسياسة والعلم والثقافة والمبادئ وكل ما يدعو الناس باسم الدّين والقيم والأعراف إنما حاله كحال برنامج من سيربح المليون. وإن تعددت الوسائل والسبل المؤدية إلى جذب المتسابقين، فإن الأمر في نهايته هو كيفية الوصول إلى المليون. الحكومات والدّول والأنظمة التي تتشكل باختلاف ألوانها إنما هي سباق للوصول إلى المليون. لا فرق بينهم وبين من يجلس على كرسي برنامج من سيربح المليون الذي ما جلس هنا إلا وفي بريق عينيه شدة المليون. الغاية تبرر الوسيلة وكل الوسائل المتاحة اليوم هي من أجل التحكم بزمام الأمور والهيمنة على المقدرات لغاية واحدة اسمها المال.

فمن سيربح المليون؟

المزيد من مقالات الكاتب

بيض وفـاســـد

من هي مديحة؟

حرب الجيل الرابع

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
876متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ما أشبه اليوم بالبارحة

ونحن نتابع خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حفل توقيع اتفاقيات قبول مناطق جديدة في الاتحاد الروسي " دونيتسك ولوغانسك و زاروبوجيه و خيرسون...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح

ترجمة د زهير الخويلدي "تتمثل المشكلة السياسية والثقافية الرئيسية لروسيا المعاصرة في أن اختفاء الضغط الأيديولوجي للماركسية الرسمية لم يكن كافيًا بحد ذاته لضمان الإحياء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

السيادة العراقية ومسعود واللعب مع الكبر

لا يوجد عراقي وطني نزيه وشريف لا يحزن ويأسف لما وصل إليه حال وطنه وشعبه في هذا الزمن الرديء الذي أصبح فيه التطاول على...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الوسائط الخيالية وعملية الإسقاط النفسي

هذا مايسمى في علم النفس باوالية الإسقاط حيث يسقط الإنسان مافي ذاته على وسيط خيالي في كل مرحلة كانت له أسماء مثل إيل ,...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الذكرى السنوية الثالثة لتظاهرات أكتوبر 2019 : عهد جديد يكتبه المظلومون والمضطهدون من أبناء الشعب

تجمع مئات المتظاهرين، يوم السبت، في العاصمة العراقية بغداد لإحياء الذكرى الثالثة لانتفاضة أكتوبر 2019، التي جاءت رفضا للفساد وسوء الأوضاع المعيشية، في البلد...

الى التشرينيين مع الود والمحبة

لا أشك في صدق نواياكم واقدر تضحياتكم البطوليه من أجل الإصلاح ولكن التشنج واستعجال الأمور ورفع سقف المطالب الى اعلى مدى دفعة واحده قد...