الثلاثاء 29 نوفمبر 2022
16 C
بغداد

تجربة بناء الدولة في العراق

باستثناء الملك فيصل الاول ، فان ( مشروع الدولة ) كان غائباً عن الحكومات و الانظمة المتعاقبة في العراق ٠ بل انها لم تَأْلُ جهدا في اعاقته ، او ان سلوكها السلطوي فاقم الاشكالات في طريقه ٠
وقبل أن نمضي في الحديث ، لابد من التأكيد بأن لاقيمة لاية انجازات مادية لاي نظامٍ ، في غياب مشروع الدولة ٠ فتلك الانجازات او اغلبها لاتلبث ان تفقد قيمتها بعد عقد او بضعة عقود ٠ اما اقامة دولة حديثة تنتقل فيها السلطة بشكل سلمي سلس ، فهو الذي يضمن مستقبل البلد ، وتقدمه ، ووحدته ٠
فاقامة دولة قوية مستقرة ، هو الهدف الذي تنشده السياسة في كل زمان ومكان ، والذي لو قُدر له ان يتحقق ، لبرر او بالاحرى لهون اخطاء او خطايا مَن تحقق على يديه هذا الانجاز التاريخي العظيم ٠
ومع الاشارة الى أن مشروع الملك فيصل الاول لم يرَّ النور ، وتأسست دولة وصفها هو نفسه في مذكرته الشهيرة قائلا : ( العراق مملكة تحكمه حكومة عربية سنية تحكم قسما كردياً وأكثرية شيعية … الخ ) (البزاز . العراق من الاحتلال الى الاستقلال ص 231 ) . فللاسف انه مات مبكرا ( ٥٠ عاما ) ٠ ولو قُدر له أن يعيش لكنا – ربما – أمام عراق آخر ٠ فخلفه ابنه غازي ملكاً على العراق ، ولم يكن قد بلغ الثانية والعشرين ، وكان ينقصه – رغم مشاعره الوطنية المتدفقة – دهاء القيادة وحنكتها ، منغمسا في ملذاته الى حد الاسراف ٠ ثم قُتل – في ٤ نيسان ١٩٣٩ – بحادث سيارة مُدبر ، بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية ، ومطالبته بالكويت ، ومغازلته لالمانيا وايطاليا ٠
فخلفه عبد الاله بن علي ( ٢٧ سنه ) وصيا على العرش ، لان الملك فيصل الثاني لم يتجاوز الرابعة ٠ والحقيقة ان عبد الاله كان آخر مَن يصلح لقيادة العراق في مثل تلك الظروف الدوليه الخطيرة ( الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة فيما بعد ثم انبعاث الناصرية )٠ ففضلا عن انه كان موظفا بسيطا بوزارة الخارجيه ( اي بلا خبرة ) ، وفاشلا دراسيا ، وجاهلا بالشؤون العراقيه ، لم يكن رجل سياسة بل رجلا عاديا مغرما بسباق الخيل ومسرفا في الشراب ٠ وقد قضى سنوات حكمه ( نصفها في ملاحقة رجال حركة مايس والانتقام منهم ، ونصفها الاخر في ملاحقة الشيوعيين والتنكيل بهم ) ٠
وللاسف ان ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ ، هي الاخرى فشلت في بناء دولة عراقية حديثة ٠ فظلت الدولة العراقية ، عثمانية التفكير والروح والاساليب ، اي ظلت ( دولة ضد مجتمعها ) ٠ الامر الذي فاقم أزمة الكيان العراقي ، فانتهت الى ما انتهت اليه على يد صدام ثم الاحتلال الامريكي ٠
ان كل الانجازات السياسية والاجتماعية والاقتصاديه التي قام بها الضباط الاحرار – ومنها انجازات كبرى – ظلت انجازات فوقية ، وفقدت قيمتها مع مرور الزمن ٠ الانكى من هذا انهم وقد حطموا الدولة القديمة التي كانت قائمة ، وفشلوا في بناء دولة حديثة محلها ، كانت أُولى نتائج ذلك : انطلاق الثورة الكردية ، وتصاعد الانقسام الطائفي ، وانفلات الصراع السياسي ( ماحدث عام ١٩٥٩ ، ثم ١٩٦٣ مثالا ) ٠
وكانت أول خطوة على طريق تهديم الدولة ، هي تغيير العلم ( هذه العادة السيئة التي حولته من الرمز الوطني الاول الذي يلتف الشعب حوله – في السراء والضراء – الى علم النظام الحاكم ٠ مع الاشارة الى أن اتاتورك ورغم انقلابه على كل ماهو عثماني ، فانه ابقى على الراية الوطنية ) ٠ وكانت النتيجة المؤسفة لهذا العمل الاحمق ، اننا البلد الوحيد في المنطقة – وربما ايضا في العالم – الذي غير علمه خمس مرات ، وها نحن – حتى هذه اللحظة – لم نتفق على رايتنا الوطنية ٠ ومما يتصل بهذا ايضا اننا البلد الوحيد في العالم ، الذي لا يملك عيدا وطنيا ، فلازلنا غير متفقين على تحديد العيد الوطني ٠ وهكذا تم العبث بكل الرموز الوطنية التي توحد الشعب وتربط بين اجياله المتعاقبه وتعزز ذاكرته الجمعية ٠
لقد اعتبر الضباط الاحرار ثورتهم ، والبعثيون انقلابهم ، نهاية التاريخ ، وبالتالي فان كل شيء في الدولة ، يجب ان يرتبط بهذا الحدث ، أو يُعبر عنه ، ونسوا ان الوطن أبقى من الثورات والحكام ٠ وان اي ثورة – مهما كانت عظيمة – لا تلبث ان تصبح حدثا في التاريخ ، تأتي وراءه احداث واحداث ٠ وهكذا تمزق العراق على ايديهم ٠
ثم جاء الاحتلال الامريكي ، وحلت المكونات محل الشعب ، والطائفة محل الوطن ٠ وصرنا نختلف حول كل شيء ٠
ان مستقبل العراق مرهون ببناء دولته الوطنية الحديثة ، والتي تقوم على ثلاثة اسس : الالتزام بالدستور ، وسيادة القانون ، وتحقيق المساواة ٠ وعلى ذكر الدستور ، فان مشروع الدولة قد غاب تماما ، عند كتابة الدستور الحالي ، فاصابه تشوه كبير ، حتى يمكن القول انه زاد النظام السياسي الحالي تشوها على تشوه ٠ ورغم ذلك فلابد من الالتزام بالدستور ، علَّنا نستطيع يوماً تعديله ٠

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بداياتهم ..الكاتبة والروائية ذكرى لعيبي

تعتبر الاديبة الكاتبة ذكرى لعيبي مصداقا للمثل العراقي القائل : ( منين ما ملتي غرفتي ) فهي روائية ذا سرد يسلبك حواسك ولايتيح لك...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مول الشاهين الصرح التجاري في منطقة جنوب الموصل…

كانت قرى جنوب الموصل بالأمس القريب محرومة من الكثير من الخدمات وكان قسم منها غير متوفر في القرى نهائيا فتجد اغلب ابناء هذه القرى...

أبجدية تغير النظام الايراني لدى الامريكان من عدمه

ما يحدث في إيران هو الصراع القديم والصعب في المنطقة ولا يمكن حله بدون عوامل خارجية. حيث نرى أن إيران تمر بأزمة اقتصادية وسياسية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الخطوط الجوية العراقية تأريخ شوهته المحاصصة

المسافر الاخضر ، أو الطائر الآخر ، هو الطائر الذي انطلق من مطار بغداد سابقا (بقايا مطار المثنى حاليا ) لأول مرة عام 1946...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ما سيحدث على الساحة الرياضيّة سيحدث على الساحة السياسيّة

يُخطّط الإتحاد العراقيّ لكرة القدم لإنشاء منتخب وطنيّ جديد، من أجل الصعود إلى مونديال كأس العالم القادم عام ٢٠٢٦، وهذا ما تطمح أليه الجماهير...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كباب عثمان ومطعم سركيس

كانت كركوك متميزة بالمهن المختلفة المهنية واشتهرت عبر تاريخها الحديث بمطاعمها الشهيرة وخاصة مطاعم الكباب والباجة وجبات الغداء والعشاء ومن اشهر الكبابجية الكبابجي عثمان...