الأربعاء 7 ديسمبر 2022
11 C
بغداد

من قصص الحروب الاستاذ يونس الحديدي وكرم الشهداء

قصة من الواقع العراقي كتبتها بجزئيين (( الجزء الاول))
نشأ السيد يونس محمود الجدوع في اسرة فلاحية تنتمي بنسبها الى قبيلة السادة الحديديين وتربى فيها وواصل دراسته لحين اكماله كلية المعلمين في حينها والتي تسمى الان كلية التربية الاساسية وتخرج منها وتم تعيينه معلم في احد المدارس الابتدائية في قرية نائية تابعة لمحافظة نينوى وتتكون عائلة السيد يونس من عدة افراد ستة ابناء وستة بنات تجمعهم الاخوة وتربط بينهم روابط اسرية متينة كان للأستاذ يونس احد اخوانه الذين يتشاور معه بكل صغيرة وكبيرة اسمه محمد ولكن الحروب ابعدت الاخ عن اخيه والابن عن امه وابيه.. وابعدت الرجال عن نسائهم وعوائلهم…
مارس الاستاذ يونس وللظروف الصعبة التي يمر بها البلد عمل ثانوي في محل بيع الخضار والفواكه قد بنى علاقات واسعة مع الناس والتجار من خلال عمله ولكونه انسان يعرف مخافة الله ويحمل الاخلاق العالية ولايتدخل في شؤون الاخرين لا من بعيد اوقريب.. وعودة للحرب ومأساتها ونتائجها الوخيمة التي دخلت كل بيوت العراقيين وربما احيانا ادت الى تمزق النسيج الاجتماعي لبعض العوائل وبينما كان الاستاذ يونس ذاهبا لعمله الثاني في سوق المعاش الذي كان في منطقة الصناعة القديمة ولكونه اصبح يعيل عدة عوائل لان اغلب اخوانه في المسلك العسكري وفي احد الايام صباحا تلقى خبر فاجعة قوية جدا وبعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت اتى اليه احد الجنود من معارفه يسكن احد مناطق مدينة الموصل تسمى محلة الزنجيلي وابلغه باستشهاد اخاه محمد ومن شدة الصدمة شعر بدوار قوي في جسمه اجلسه على الارض وهو لا يعرف ماذا يفعل وتمنى ان بكون الخبر كاذب ولكن الجندي الذي ابلغه سلمه شهادة الوفاة وقال له يجب ان تذهب الى محافظة البصرة وتأتي بجثة اخاك الشهيد كونه لم يستطيع ايصالها معه لقطع الطرقات والقصف الجوي الذي تتعرض له كل القطعات العسكرية ومارافقها من فوضى عارمة هناك…
هنا اعادة الذاكرة صورة اخيه الشهيد محمد وبدأت الذكريات امامه منذ ان عاشا طفولتهما الى هذه اللحظة… يتمتم مع نفسه غير مصدق لما سمع او قرأه في شهادة الوفاة.. ويسأل نفسه لماذا فارقتنا يا اخي العزيز وانت في ريعان شبابك.. ماذا اقول لأمي وابي وبأي حال سوف القاهم عندما يسمعون هذا الخبر الفاجع.. وبدون تردد اتخذ قراره ز بدون علم والديه بان يذهب الى البصرة وحده يبحث عن جثة اخيه فابلغ والديه واهل بيته بانه سوف يذهب الى بغداد من اجل جلب المعاش من هناك وبيعه في مدينة الموصل ولكن اباه رفض الفكرة وبإصرار استطاع اقناعه بذلك…توجه الى محافظة البصرة وكانت الظروف صعبه جدا فلا وجود للسيارات بصورة مباشرة وانما يجب
ان يكون السفر على عدة مراحل ورغم خطورة الطريق والقصف الجوي المستمر الا انه وصل الى محافظة البصرة التي نام فيها ليلته الاولى ومنذ الصباح الباكر سأل اين يجد منطقة تجمع الشهداء فابلغوه في مركز تسليم الشهداء الكائن في منطقة الدريهمية التابع لقضاء الزبير في محافظة البصرة توجه الى هناك مستنجدا بالناس لمساعدته والوصول الى جثة اخيه وعند وصوله المنطقة المذكورة وصل الى المركز واعطاهم شهادة الوفاة وبعد ان دققوها قام احد من منتسبي المركز وقال له اتبعني وكان يتصور ان يجد جثة اخاه الشهيد في احد الثلاجات المخصصة لحفظ الجثث ولكنه تفاجأ بوجود بيدر من الجثث تركت كلها في العراء داخل صناديق فقام بالبحث عن جثة اخيه
وهو يرتعش كل جسمه لهول الموقف وما اثار غرابته وجود كلاب سائبه هناك وكأنها تنتظر الفرصة للانقضاض على هذه الجثث الطاهرة. وبقى يردد وبصوت خافت مع نفسه. الا لعنة الله على الحروب ومن يصنعها وفي هذه الاثناء من البحث وجد جثة اخيه وكانت متفسخة جدا ولكنه عرفها من ملامحها والعلامات الدالة فيها والبدلة العسكرية التي كان يلبسها كونه معتز بها جداً ولم يفارق الحياة ويذهب في درب الشهداء الا وهو يرتديها. جاء المنتسبين في المركز بعلم عراقي وتم وضعه على الصندوق فقام السيد يونس بالذهاب خارج المركز وجلب عطور فوضعها على الجثة ليعطرها بها… فابلغه الحراس بان يذهب لجلب سيارة ينقل فيها جثة اخيه وهنا اصبحت تواجهه مشكلة اخرى.. فقام وعاد الى مدينة البصرة وكان ينظر الى ارتال الجيش المسحوب من الكويت وبينما هو في الطريق وهو يرى الموقف وكانه من اهوال يوم القيامة وتارة يصعد سيارة وتارة يمشي على الاقدام وفي احد المناطق السكنية تسمى منطقة الحيانية حدثت مناوشات بين جماعات مسلحة و افراد الجيش المسحوب وهو ينظر على الشارع يعاين هذا المشهد ويسمع صراخ المدنيين والنساء والجميع تجدهم يركضون ليجدوا لهم ملجأ آمن فيلوذون في احد الحياطين للبيوت. وهنا تدخل الارادة الربانية وان الله يقف دوما مع الانسان المؤمن في محنته ففي هذه الاثناء الصعبة توقفت قربه سيارة تحمل رقم نينوى من نوع ميستوبيشي ومن دون شعور وفي لحظة عفوية تقدم الى صاحب السيارة وقال لهم رقم سيارتك نينوى فأجابه نعم فسأله اين يسكن في مدينة الموصل وجاءه الجواب انا من قضاء الشيخان وبما ان اغلب اقارب الاستاذ يونس يسكنون في القرى التابعة لهذا القضاء سأله هل انت من عشيرة الحديديين فأجابه نعم ولكن كيف عرفت…

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةإنتخبوا فرسان الصحافة
المقالة القادمةحكومات مشعولي الصفحة!!

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الجواز الدبلوماسي…هدايا بابا نؤيل للفانشيستات

حاولت عقولنا البسيطة أن تستوعب العلاقة بين منح جوازات دبلوماسية لِعارضات أزياء ونجمات تيك توك وفانشيستات، أو على الأقل تفهّم العلاقة بين الواقعين دون...

الى وزيري الخارجية و الداخلية ومحمد شياع السوداني فيما يتعلق بجوازات العراقيين المغتربين

تعتبر القنصليات الدولية للدول واجهات حضارية خاصة فيما يتعلق بتسهيل مهمات مواطني تلك الدول في الخارج بما يحفظ كرامتهم وانسانيتهم ويحتضنهم وبالخصوص الكفاءات منهم....
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بداياتهم .. ابراهيم البهرزي

ربما يعد ابراهيم بهرزي من شعراء العراق المعاصرين الذين نضجت تجربتهم واكتملت ادواتهم وقد يكونون قلائل قياسا لهذا الطوفان الشعري الذي يحيط بالحياة الثقافية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

انبوب النفط بين البصرة والعقبة تأخر انشاؤه

من سنوات تتكرر الدعوات والمباحثات وتوضع الخطط بين العراق والاردن لمد انبوب للنفط لنقل الخام العراقي الا انه سرعان ما تجمد وتبقى تراوح مكانها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قانون حرية الصحافة يتحول الى دكتاتورية ويحمي الفاسدين

" تنص المادة 19 من العهد الدولي: «لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة وأنه لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رأيٌ وتعبيرٌ عن قانون حرية الرأي والتعبير

الأغرب من غرابة هذا القانون , هو تسرّع الحكومة في تشريعه وسنّه , وهي حكومة فتيّة لم يمضِ على تشكيلها شهر ونيفٍ صغيرٍ او...