الثلاثاء 28 يونيو 2022
30 C
بغداد

قروض المصارف تحرق أسعار العقارات

من المعروف للجميع بان الأوطان تبنى بالعلم ومن خلال التخطيط والتنسيق والتنفيذ وليس من خلال الترقيع و( التلزيك ) ، ولم نسمع في عمرنا او في عمر من سبقونا بان الازمات يمكن إن تحل إلا من خلال إجراءات متكاملة ومترابطة تكفل النتائج وتصيب الهدف بالشكل الصحيح ، وأزمة السكن المزمنة في العراق التي تعني بلغة الأرقام الحاجة لملايين الوحدات السكنية للناس ، تفاقمت لأنها بقيت بدون حلول وقد تعقدت لكي تشكل كابوسا عند الكثير ممن يعانون تكاليف الإيجار او السكن المشترك او الرديء او من خلال الحواسم والتجاوزات ، ومن غرائب الأمور في العراق أنهم يصنفونه ضمن البلدان الأقل أمنا وسعادة ورفاه ورغم ذلك فان أسعار العقارات فيه تعد الأعلى من بين العديد من الدول والبلدان مع ما يتمتع به من مساحات شاسعة تكفي لسكن مرموق لإضعاف عدد السكان ، وقد وصل سعر المتر المربع لبعض المناطق في بغداد وفي بعض المحافظات لأرقام فلكية لا يصدقها العقل ولا يقدر على مجاراتها الغالبية العظمى من العراقيين الذين يعتمدون الشرعية في توفير الأموال ، ومعظم الأرقام التي تعرض عن تلك الأسعار تثير اليأس وتبدد الأمل لإمكانية تملك وحدات سكنية لا في الحاضر القريب او المستقبل المجهول ، فابرز انجازات الدولة منذ عقود هو مجمع بسماية الذي لا يداوي معظم الجروح رغم ما يكتنفه من ملاحظات ، والمجمعات السكنية التي تنشا هنا وهناك تحتاج إلى أموال يصعب تدبيرها للكثيرين حتى وان كانت مواقعها في أطراف بغداد .
ولا نعلم هل إن بعض المصارف دخلت كشريك في حل أزمة السكن أم أنها أخضعت نفسها للمثل الشائع ( راد يكحلها عماها ) ، فقد أخذت تعلن بين الحين والحين عن منح قروض للمواطنين تتراوح بين 25 – 150 مليون دينار لترميم وتأهيل او بناء او شراء الدور السكنية ولفترة تسديد أمدها 10 سنوات وبفوائد 5% وإقساط شهرية تتراوح بين 623 ألف إلى 1,746 مليون دينار ، وهي مبادرة ايجابية من وجهة نظر المستفيدين منها وان كان عددهم قليل ، ولكنها من وجهة نظر الكثير تشكل مجازفة عند الخوض في تفاصيلها ، فالقسط الشهري إن لم يكن مستحيلا للبعض فانه يشكل عبئا ثقيلا لعدد كبير من السنوات وهناك الكثير من الرواتب الكلية للموظفين لاتصل إلى مبلغ القسط الشهري ، مما يجعل عدد المستفيدين منها محدودا سيما وان أقصى قرض والبالغ 150 مليون دينار لا يكفي لشراء وحدة سكنية خارج التجاوز والزراعي وهو ضمن شروط القروض ، والمصرف الذي يعلن عن هكذا قروض لاتهمه بعض وجهات النظر والانتقادات والتفاصيل ، كونه يفكر بمصلحته كمؤسسة مالية تجارية فهو يستقبل إيداعات الأفراد والمنظمات ويدفع عنها فوائد سنوية اقل من فائدة القرض بقليل ، بمعنى انه يسعى لتشغيل تلك الإيداعات باستثمارات تكفل له استرجاع القرض وفوائده بأمان بشكل أصولي وبموجب الشروط التي يضعها مهما بلغت من إذعان .
وبمعزل عن الحلال والحرام وعن أهداف تلك القروض وما تتخلله من ضمانات ، فمن المرجح بان تحقق هذه القروض إسهاما قليلا في معالجة حالات للبعض ولكنها لا يمكن إن تكون منفذا حيويا لحل أزمة السكن في العراق ، ونجد من المفيد دراسة وتقصي آثار تلك القروض لما تسببه من إشكالات وتداعيات ربما لم تدخل ضمن الحسابات التجارية للمانحين ، ومن تلك التداعيات هو ما تسببه من ارتفاع في أسعار العقارات والمواد الداخلة في البناء حيث يرتفع الطلب على الوحدات السكنية الصغيرة لتنتقل عدوى الأسعار على الكثير من تلك الوحدات ، ورغم علمنا إن هناك أسباب عديدة لارتفاع أسعار الأراضي والعقارات إلا إن مثل هذه القروض تهيج المشكلة وتشجع بعض ( الدلالين ) لرفع الأسعار ، كما إنها قد تتسبب بمشكلات اجتماعية بتحفيز رغبة البعض في التعجيل بتقسيم الإرث الذي تتشارك به العوائل او الضغط على الوارثين لفرز أجزاء من بيوتهم بحجة الاستفادة من هذه القروض ، وكما يعلم الجميع فان الكثير من معالم المساكن في بغداد ( مثلا ) فقدت جماليتها وشوهت معالمها بسبب التقطيع ، ناهيك عن ما سببه التقطيع من ضغط على الخدمات في الكهرباء والمجاري والماء والخدمات التي تدخل اليوم ضمن المعاناة الحقيقية للكثير لان التوسع بالسكن لا يقابله توسع في الخدمات ، وخلاصة القول إن حل أزمة السكن لا يمكن أن تأتي من الأهداف العرضية للمصارف التجارية ، التي نتمنى أن تركز على تطوير أساليبها في العمل المصرفي ، فالسكن مشكلة كبيرة تنتظر القادم من الحلول بعد أن أجلتها او أهملتها الحكومات التي أسندت جزءا منها للمصرف العقاري او مصرف الإسكان ، الذين لم يسكبوا سوى مقدار أقداح في بحر هذه الأزمة التي تتفاقم شكلا ومضمونا يوما بعد يوم .

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
865متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فلسطين …والمطبعون العرب

فلسطين التي اغتصبها الصهاينة, وساعدهم في ذلك الانجليز عبر وعد بلفور المشؤوم ,أنشات الجامعة العربية هيئة مستقلة لمتابعة الشركات التي تتعامل مع كيان العدو...

تحليق عابر لطيور الذاكرة 8: أصوات حنين وقلق

كان يعمل بقربي على مسطح العشب الأخضر الصغير، يدفع آلة جزّ العشب الذي استطال أكثر من اللازم، مسطحات العشب الأخضر يكمن جمالها في ترتيبها،...

تأسيس قناة تلفزيونية لكل محافظة عراقية

تأثير القنوات التلفزيونية في العراق ما زال قويا ، حيث لها دور في كشف ملفات الفساد و الفشل الاداري ومتابعة المشاريع المتلكئة وطرح قضايا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

راضعين ويه بليس هؤلاء الوزراء !

ساعه تطفى الكهرباء..وساعه توصلنا بعناء ونهرول على البدلاء .. وساعه نركض ورا الحصه..وساعه نركض عالدواء..اتكالبت كلها علينه..تحزمت تسفك دماء...لا وزير يحل قضيه..ولامدير ايحن عليه..امنين...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الإنتحار العقلي!!

العقل إنتصر على العقل , والعقل يقتل المعقول , والعقل داء ودواء , وعلة ومعلول , ومَن نظر للعقل وإتخذه سبيلا بلا ضوابط قيمية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تعلموا من درس الصالات يا اتحاداتنا

لو عرف السبب بطل العجب. طالما تحدثنا بان مشكلة الرياضة في العراق تكمن في التخطيط والتنظيم وهذا ما اثبتته التجربة الأخيرة في كرة الصالات...