الخميس 1 ديسمبر 2022
22 C
بغداد

سامراء .. لا تعترف باثارها ..!؟

في زيارة سياحية قصيرة الى مدينة سامراء ، يفترض ان تكون زيارة سعيدة الى مدينة ، وصفها الحموي وابن بطوطة وغيرهما ب ( سر من رأى ) لكني وجدتها اليوم وكأنها ” ساء من رأى” . على الاقل في جانب الاهمال المتعمد لاثارها وقصورها وكنوزها المعمارية مثل قصر العاشق ، وقصر بلكلورا ، وسور اشناس ، وتل طولكان وغيرها .
سامراء هي العاصمة الثانية للخلافة العباسية التي اسسها الخليفة المعتصم على نهر دجلة ، بجانبه الشرقي في القرن التاسع الميلادي ، وجعلها قبلة للمسلمين والزائرين والرحالة والمبهورين .
لكن للاسف .. فأن سعادتنا انقلبت الى حزن ثقيل .. ونحن نشاهد هذه القصور والقلاع العباسية العظيمة ، التي تم انشاؤها على مدى اكثر من خمسين عام على يد الخليفة العباسي المعتصم ، وولده المتوكل ، ثم الخليفة المعتمد ، وهي بحالة مزرية .. على الرغم من انها ، تمثل اجمل ما وصلت اليه العقول المعمارية العربية المبدعة في تلك المرحلة التاريخية المهمة من تاريخ العراق ، من ابتكار مدهش في مساحات الفن الهندسي المعماري الفريد ، ومن البهاء والجمال والكمال .. بعد الحضارات القديمة .. سومرية وبابلية واكدية واشورية .
لحسن الحظ .. فأن الحركة السياحية عند “مأذنة الملوية” تسير بشكل منظم وجيد .. يدخل السائح العراقي من خلال بوابة خاصة .. وببطاقة للدخول بسعر ٣٠٠٠ الف دينار ، والسائح الاجنبي يدخل ب ” ٢٥ الف دينار” كما هو الحال بمتحف الاثار في بغداد .
لكن الكارثة والفجيعة كما بينت ، بوصولنا الى القصور الكبيرة والقلاع المدهشة ، ومنها ” قصر العاشق ” الذي اسعدنا منظره الرائع والجميل من بعيد .. و عند الاقتراب منه .. وجدناه للاسف في حالة مزرية ، من الاهمال ، لا اسوار تحميه .. ولا حمايات تحيط به ، ولا احد يصله ، الا الذين يدرسون تاريخ وأثار وعظمة بلاد مابين النهرين .. التي تحولت اليوم للاسف الى ” بلاد مابين النهبين ” .. فلا وزير الثقافة والسياحة والاثار ، يسأل عن حال اثاره ، ولا الحكومة تقدر عظمة تراثها .. على الرغم ان اليونسكو ادخلت مدينة سامراء في قائمة التراث العالمي كعاصمة للحضارة الاسلامية سنة 2007 .
الجميع ساهون ، وفي التراث والمال مبددون ، لاهثون وراء المناصب ، وبالمناكب يتدافعون ، حتى ظفروا ” بالثلث المعطل” ليعطلوا الحياة ، ومصالح الناس ، ولتنتعش من جديد .. التوافقية ، والمحصاصة ، والطائفية والمذهبية
والعشائرية والمحاصصة ، وصاروا يتباهون بالهويات الفرعية و بالبيوت الطائفية .. ولا احد يسأل عن حال البيت العراقي .
دخلنا ” قصر العاشق ” من بابه الرئيس .. فوجدناه وقد تجمعت حوله الاوساخ والنفايات ، وعلى جدرانه الكتابات .
ومثل هذه القصر الرائع ، قد يدر لمدينة سامراء اموالا طائلة ، تساعد على صيانة وادامة اثارها ، وتجعلها مكانا جميلا للسياحة المحلية والعالمية .. و يتوقف كل هذا على جهد متواضع من دائرة التصاميم في محافظة سامراء لتقوم بتعبيد الشوارع و المقتربات ، وانارتها ، وزرع اشجارها .. وسوف يسجل للمحافظة ويرفع من شأنها .
المحزن ايضا.. ان اهل سامراء ، غير مبالين بهذا الوضع المأساوي لهذه الكنوز من الاثار العراقية العظيمة .
لابد من الاشارة .. ان هناك عناية خاصة لمرقد الاماميين العسكريين ، وهذا امر مفروغ منه .. لكن لماذا لا تكون بالمقابل عناية مماثلة للقصور العباسية ، ام ان هناك من يمنع لجهل جاهل ، او لاسباب لايدركها العقل ..؟
كان من الاجدر بقوات الشرطة الاتحادية ، وسرايا السلام المعنية بحفظ الامن في سامراء .. ان تقوم بواجباتها وتنتشر شرطتها لحماية القصور من العبث والتخريب الذي يطالها كل يوم .
لم يبق لي الا ان اقول ( ان الامة التي لا تهتم بتاريخها وحضارتها وثقافتها .. هي امة جاهلة بكينونة استمرارها ) .

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png
كاظم المقدادي
باحث وإعلامي

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الفن يرى ما لايراه العلم

الفن يرى ما لا يراه العلم ومن وظائف الفن التنبوء , من هزم جبروت الكنيسة في القرون الوسطى المسرح الفلاحي الساخر و قد أخذت...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قرارات جريئة – الشعب ينتظر التنفيذ

أثارت قرارات مجلس الوزراء بتقييد إنفاق المسؤولينخلال السفر والإقامة والتنقل، وإلغاء امتيازاتهم، وقرر السوداني إلغاء مخصصات مكتبه، وسحب الحماية الرئاسية لرؤساء (الجمهورية، والوزراء، والبرلمان)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كلماتٌ مُسَيّرة ” درونز ” !

A الطائرات المُسيّرة " سواء المسلّحة او لأغراض التصوير والرصد الإستخباري ليست بجديدة كما يترآى للبعض من خلال تناولها وتداولها ميدانياً وفق ماتعرضه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

احلام الطفولة الغائبة في عيده العالمي

الأطفال هم بهجة الحياة الدنيا وزينتها، وهم أساس سعادة الأسرة، واللبنة الأساسيّة لبناء الأسرة والمجتمع، وهم شباب المستقبل الذين يقع على عاتقهم بناء الأوطان،...

من ينقذ شبابنا ..؟

يوم بعد يوم يزداد الحديث عن الشباب الذين يعتبرون طاقة البلد وذخرها المستقبلي وهم الأمل والعمل والنشاط وتكوين الخلق القيم الذي تزدهر به المجتمعات...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

غريبٌ في وطنه !!!

فتَّشتُ و نقَّبتُ كثيراً في الألقابْ لم أجدِ الشَّعبَ عراقيَّ الأنسابْ فالشعب الأصليُّ الآثوريون والشعب الأصليُّ الكلدانيون و أرى الصابئةَ المندائيين بميسانْ آخرَ مَنْ ظلَّ لسومرَ مِنْ تلك الأزمان فقبائلنا...