السبت 8 أكتوبر 2022
26 C
بغداد

طائفية مذكرات الباجه جي

( عدنان الباجه جي ) – السياسي السني المخضرم الذي عمل في كل العهود الحكومية خلال قرنين وعضو مجلس الحكم السابق الذي جاء به الأمريكان – في مذكراته التي تنشرها شبكة ( روداوو ) الكردية أظهر ( السياسيين الشيعة ) الذين رافقوه في العملية السياسية على انهم انصاف شياطين , وانهم كانوا متوحشين اذلاء امام الغرب وامام ( صدام ) . كما ادعى ان النخب الشيعية منذ بدء الدولة العراقية كانوا طائفيين , وبسبب طائفيتهم لم يحظ ( عبد الرحمن النقيب ) بمنصب ملك العراق , لانهم كانوا يكرهونه بسبب نسبه الذي ينتهي الى ( عبد القادر الجيلاني ) .

فيما حاول ( الباجه جي ) اظهار ( السياسيين السنة ) منذ بدء الدولة العراقية على انهم حكماء وطنيون , يضحون بسفرهم بالطائرة من دولة الى دولة للعمل كسفراء للعراق , ويعيشون قصص الحب بكل إنسانية .

وكذلك جعل صورة ( السياسيين الكرد السنة ) لامعة مشرقة وطنية , وانهم كانوا حريصين على سلامة ووحدة العراق , وانهم كانوا نظاميين اكثر من غيرهم , وسبّاقين لعمل الخير . ولعل هذا ما دفع اهم الشبكات الإعلامية الكردية الممولة لنشر تلك المذكرات .

وبالتأكيد لم يذكر ( الباجه جي ) في مذكراته تلك – فيما قرأت الى الان – السرقات التي قام بها ( العثمانيون الاتراك ) حين كانوا يحكمون العراق بواسطة ( القبائل والامارات الكردية ) وبعض ( العشائر السنية ) على ممتلكات وثروات ( الشيعة ). ولم يشر – فيما هو منشور الى يوم كتابة المقال – الى الاستغلال البريطاني للعثمانيين وحلفائهم السابقين من الاكراد والعرب السنة – من أمثال ( النقيب ) – لتفكيك التحالفات القبلية القديمة التي كانت تحمي وتدافع عن العراق من أمثال تحالف ( بني لام ) وتحالف ( بني كعب ) وتحالف ( المنتفك ) . ولم يعترف بحقيقة ان المقاومة الوحيدة للاحتلال البريطاني للعراق كانت من خلال ( الشيعة ) بقيادة ( السيد الحبوبي ) في 1914م , وبقيادة ( بني مالك ) في 1919م , وبقيادة احد عشر قبيلة شيعية و ( المرجع الشيرازي ) في العام 1920م , وهي الثورة التي بسببها وافقت بريطانيا على انشاء الدولة العراقية الحديثة وسلّمتها للضباط والوجوه السنة – ومن ضمنهم ( مزاحم الباجه جي ) والد ( عدنان ) – الذين خانوا الدولة العثمانية وتخلوا عنها طمعاً في المناصب وميلاً نحو الطرف القوي , كما خان ( عدنان الباجه جي ) الملكية وعمل في الحكومات التي انقلبت عليها رغم انه وعائلته واصهارهم كانوا من اشهر عوائل الحكم الملكي , فيما ظل الشيعة وحدهم يدافعون عن العثمانيين في ( الكوت ) وفي ( النجف ) رغم انهم ذاقوا الامرّين من القوى العثمانية السنية التي كانت تكفّرهم رسمياً وتسرق أراضيهم وتمنحها للإمارات الكردية والقبائل السنية الأعرابية القادمة من صحراء ( نجد ) , وهذه القبائل الأخيرة هي التي تم توطينها في العراق من خلال الحكم الملكي ثم منحها ( عبد الكريم قاسم ) – الذي انقلب على الحكم الملكي وصنع الفوضى العسكرية في العراق – قانون الإصلاح الزراعي الذي سرق معظم الأراضي المملوكة للشيعة بخدعة خسيسة تمهيداً لتوطين تلك القبائل المهاجرة فيها .

فيما تم منح الميزات التجارية لبقايا ( المماليك ) و ( الشركس ) و ( الالبان ) الذين تم اعتبارهم عراقيين بإرادة طائفية , رغم انهم تسببوا بتخريب أربعة قرون من تاريخ العراق وابادة معظم نخبه وقواه . فكان معظم سنة العراق اليوم – ومنهم عائلة الباجه جي – هم تجمعات من بقايا القوى العسكرية العثمانية والقبائل الأعرابية المهاجرة من صحراء ( نجد ) , الذين صار من هاجر منهم الى سوريا جنداً للفرنسيين , ومن هاجر منهم الى العراق حليفاً للبريطانيين , ومن بقي منهم في صحراء ( نجد ) سلفياً يكفّر معظم المسلمين رغم شراكته للبريطانيين .

وصوّر ( الباجه جي ) جرائم الأنظمة الطائفية السنية التي مرت على حكم العراق على انها ” أخطاء ” . وهي الجرائم التي اعتبرها ويعتبرها المجتمع الدولي ( جرائم ضد الإنسانية ) و ( حروب إبادة ) . ولم يشر ( الباجه جي ) الى الأراضي التي استحوذ عليها ( الاكراد السنة ) من خلال ( الفرمانات ) العثمانية لانهم يشاركون في إبادة الشيعة في الجنوب وقمع ثوراتهم الحقوقية . وبالتأكيد هو لن يشير الى المشاركة الفعالة للإمارات الكردية السنية في إبادة ( الآشوريين ) نصرة للعثمانيين وطمعاً في أراضيهم الاصيلة . ولم يذكر ان ( أربيل ) كانت ملاذاً للضباط البريطانيين في بداية القرن الماضي كما هي اليوم ملاذ للأجانب المحتلين وللصهاينة . وان اهل شمال العراق يعيشون الفقر المدقع بسبب ديكتاتورية ( الحكم القبلي العائلي ) في ( أربيل ) و ( السليمانية ) , وان مشكلة العراقيين على الحدود ( البيلاروسية – البولندية ) قضية كردية لا عراقية عامة , لأناس يعانون من اضطهاد الديكتاتورية في أربيل .

وتناسى ان ما يأكله السنة الاكراد والعرب هي ثروات البصرة وجنوب العراق , وهي المدن التي يلحقها الخراب والتلوث , وينعم غيرها بدفء نفطها . فيما كان رد الجميل رعاية أربيل للمتطرفين و ( البعثيين ) وممولي الإرهاب والمحرضين على الفتنة في فنادقها , وحضانة المناطق العربية السنية للدواعش الذين يفجرون أطفال الشيعة في الشوارع . بينما لم يعبأ رجال الشيعة الذين حرروا المناطق السنية لهذه الجرائم الاجتماعية والسياسية وتركوا الأرض بمجرد تحريرها لمن يسكنها , ولو ملكها غيرهم ما تركها كما نعلم ويعلم ( الباجه جي ) .

ومن ثم لا نتوقع ان يشير في مذكراته تلك الى ان ( مسعود بارزاني ) اتى كل الموبقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية , من إيواء الإرهابيين , والتعاون مع المحتلين , والتحالف مع الصهاينة , ومد اليد الى ( الاتراك ) الذين جففوا انهار العراق , وتهريب النفط العراقي بواسطتهم , وقمع الشعب الكردي , والاستيلاء على ثروات شمال العراق من خلال الحكم العائلي الصريح , والمشاركة في اثارة الفوضى في دول الجوار التي تعادي ( إسرائيل ) .

الا اننا ندرك ان ما يكتبه أمثال ( عدنان الباجه جي ) جزء من عملية تزوير تاريخ العراق , التي يحذفون فيها اسم ( الشيعة ) ليستولوا على بلادهم وصورتها في العالم , كما حدث في الكتابات والمؤتمرات التي تحدثت عن تحرير ( الإيزيديات ) , وكما جرى تصويره في فيلم ( الموصل ) من انكار دور ( الحشد الشعبي ) الشيعي .

بل هل كان يتذكر ( الباچه چي ) يوماً وصل فيه ( أهل السنة ) في ( العراق ) إلى السلطة والحكم بدون مساعدة قوات الاحتلال الأجنبي ، أو بلا انقلاب عسكري يشرف عليه أجنبي ، أم هل يعرف حاكماً كان منتخباً في العراق قبل 2003م غير ( علي بن ابي طالب ) .

ووصف ( الباچه چي ) لشيعة العراق وأهله يذكّرني بما وصفهم ( معاوية بن ابي سفيان ) حين لم ينزلوا الى مستواه . فقد كان ( الوليد بن جابر بن ظالم الطائي ) ممن وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم ، ثم صحب ( علياً ) عليه السلام وشهد معه ( صفّين ) وكان من رجاله المشهورين . ثم وفد على ( معاوية ) بعد استشهاد ( علي بن ابي طالب ) , وكان ( معاوية ) لا يثبته ، معرفة بعينه ، فدخل عليه في جملة الناس ، فلما انتهى إليه استنسبه ، فانتسب له ،

فقال ( معاوية ) : أنت صاحب ليلة ( الهرير ) ؟

قال : نعم

قال : والله ما تخلو مسامعي من رجزك تلك الليلة ، وقد علا صوتك أصوات الناس ، وأنت تقول: شدّوا فداء لكم أمي وأب * فإنما الامر غدا لمن غلب , هذا ابن عم المصطفى والمنتجب * تنمه للعلياء سادات العرب , ليس بموصوم إذا نص النسب * أول من صلى وصام واقترب
قال: نعم، أنا قائلها

قال : فلماذا قلتها ؟

قال لأنا كنا مع رجل لا نعلم خصلة توجب الخلافة ، ولا فضيلة تصير إلى التقدمة ، إلا وهي مجموعه له ، كان أول الناس سلما وأكثرهم علما ، وأرجحهم حلما ، فأت الجياد فلا يشق غباره ، يستولي على الأمد فلا يخاف عثاره ، وأوضح منهج الهدى فلا يبيد مناره ، وسلك القصد فلا تدرس آثاره . فلما ابتلانا الله تعالى بافتقاده ، وحوّل الامر إلى من يشاء من عباده ، دخلنا في جمله المسلمين , فلم ننزع يدا عن طاعة ، ولم نصدع صفاة جماعة ، على أن لك منا ما ظهر، وقلوبنا بيد الله وهو أملك بها منك ، فاقبل صفونا ، وأعرض عن كدرنا ، ولا تثر كوامن الأحقاد ، فإن النار تقدح بالزناد .

قال معاوية : وإنك لتهددني يا أخا ( طي ) بأوباش العراق أهل النفاق ، ومعدن الشقاق!

فقال: يا معاوية هم الذين أشرقوك بالريق وحبسوك في المضيق ، وذادوك عن سنن الطريق ، حتى لذت منهم بالمصاحف ، ودعوت إليها من صدق بها وكذبت ، وآمن بمنزلها وكفرت ، وعرف من تأويلها ما أنكرت.

فغضب ( معاوية ) وأدار طرفه فيمن حوله , فإذا جلّهم من ( مضر ) , ونفر قليل من ( اليمن ) ، فقال أيها الشقي الخائن ، أنى لأخال أن هذا آخر كلام تفوه به .

وكان ( عفير بن سيف بن ذي يزن ) بباب ( معاوية ) حينئذ , فعرف موقف ( الطائي ) ومراد ( معاوية ) ، فخافه عليه ، فهجم عليهم الدار ، وأقبل على ( اليمانية ) ، فقال : شاهت الوجوه ذلّاً وقلّاً وجدعاً وفلّاً ، كشم الله هذه الانف كشماً مرعبا.

ثم التفت إلى ( معاوية ) فقال: إني والله يا معاوية ما أقول قولي هذا حباً لأهل العراق ، ولا جنوحاً إليهم ، ولكن الحفيظة تذهب الغضب , لقد رأيتك بالأمس خاطبتَ أخا ( ربيعة ) يعنى – ( صعصعة بن صوحان ) وهو أعظم جرماً عندك من هذا ، وأنكأ لقلبك ، وأقدح في صفاتك ، وأجدّ في عداوتك ، وأشدّ انتصارا في حربك ، ثم أثبته وسرّحته ، وأنت الان مجمع على قتل هذا – زعمتَ – استصغاراً لجماعتنا! فإنا لا نمر ولا نحلي , ولعمري لو وكلتك أبناء ( قحطان ) إلى قومك لكان جدّك العاثر ، وذِكرك الداثر , وحدّك المفلول ، وعرشك المثلول ، فأربع على ظلعك ، واطونا على بلالتنا ، ليسهل لك حزننا ، ويتطامن لك شاردنا ، فإنّا لا نرأم بوقع الضيم ، ولا نتلمظ جرع الخسف ، ولا نغمز بغماز الفتن ، ولا نذر على الغضب .

فقال معاوية : الغضب شيطان ، فأربع نفسك أيها الانسان ، فإنّا لم نأت إلى صاحبك مكروها ، ولم نرتكب منه مغضبا ، ولم ننتهك منه محرما ، فدونكه فإنه لم يضق عنه حلمنا ويسع غيره ، فأخذ ( عفير ) بيد ( الوليد ) ، وخرج به إلى منزله , وقال له : والله لتؤوبن بأكثر مما آب به ( مَعدي ) من ( معاوية ) .

وجمع مَن بدمشق من ( اليمانية ) ، وفرض على كل رجل دينارين في عطائه ، فبلغت أربعين ألفاً , فتعجّلها من بيت المال ، ودفعها إلى ( الوليد ) ، وردّه إلى العراق .

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
878متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

حوار الفرقاء .. ومستقبل العملية السياسية .. قراءة وتحليل – الحلقة الثانية

مما لاشك فيه ان الخلاف الحاصل بين طرفي النزاع التيار والاطار هو ليس اختلاف في وجهات نظر او بالرؤى البنيوية في كيفية ادارة الحكم...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قراءة هادئة في إحاطة ساخنة

أحدثتْ إحاطة ممثلة الامم المتحدة في العراق، جينين بلاسخارت، هِزّة وضجّة إعلامية ، وفضيحة سياسية، للعملية السياسية في العراق، وإنتزعت شرعيتها الدستورية والدولية ،جاء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سجون العراق والأمم المتّحدة والعنف والديمقراطية!

استحدِثت السجون من قبل الدول الظالمة والعادلة منذ مئات السنوات لتكون المكان الحاجِز والحاجِر والمُصْلِح لكلّ مَنْ لا يَستقيم سلوكه الإنسانيّ مع سلامة المجتمع...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل تلدغ روسيا من ذات الجحر مرة ثانية ؟

لطالما سمعنا وحفظنا هذه المقولة ، ونقصد بها " اكذب أكذب حتى يصدقك الناس " ، وبالطبع فإن أكثر من عمل بهذه المقولة ونفذها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الهندسة المستدامة تحتضنها الجامعة التقنية الوسطى في مؤتمرها الدولي

الهندسة المستدامة sustainable engineering ) ) هيعملية تصميم نظم التشغيل واستخدام الطاقة والمواردعلى نحو مستدام ، أي بالمعدل الذي لا يضر البيئةالطبيعية وبقدرة الأجيال...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سيادة العراق —- ذهب مع الريح

تكررت خلال الفترة الماضية، الهجمات الإيرانية والتركية ضد مناطق في إقليم كوردستان، بداعي محاربة "التنظيمات الارهابية" التي تتواجد في تلك المناطق، وسط مخاوف من...