الثلاثاء 16 أغسطس 2022
30 C
بغداد

قراءة دستورية للعفو الخاص في العراق

تناقلت وسائل الإعلام بشكل واسع خبر صدور مرسوم جمهوري بالعفو الخاص من قبل رئيس الجمهورية عن الضابط نجل محافظ النجف السابق ومجموعته، المدان بتهريب المخدرات والمحكوم بالسجن المؤبد، مما أدى إلى ردود أفعال ساخطة، اضطر على أثرها رئيس الجمهورية للتوجه بسحب المرسوم الجمهوري وفتح تحقيق بذلك.

ولأجل وضع القارئ على حيثيات حق استعمال العفو الخاص من قبل رئيس الدولة، من خلال الإطار التاريخي للعمل به وموقف الفقه الدستوري منه بالإيجاب والسلب وكذلك التطرق إلى بعض النظم السياسية التي تعمل به، والتوقف أمام استعمال هذا الحق في العراق وأهم المقترحات بهذا الصدد لإبعاده من أي تأثيرات سلبية، تم إعداد هذه المادة والتي هي بالأساس مقتطفات مستلة من كتاب المُعد (الموسوم (حدود السلطة التنفيذية في النظام البرلماني.
إن العفو الخاص هو من بقايا السلطات المطلقة التي كان يتمتع بها الملوك، والتي هي من شأن السلطة القضائية، وتكاد أغلبية الدساتير تتطرق إلى العفو وتحدد السلطة المختصة به، حيث العفو العام من اختصاص السلطة التشريعية، وهو يصدر بقانون، أما العفو الخاص فهو يعود للسلطة التنفيذية.
العفو الخاص: هو عمل يصدر من السلطة التنفيذية برفع العقوبة عن المحكوم عليه رفعاً كلياً أو جزئياً أو توقيع عقوبة أخف من العقوبة المجرم بها.
تعود الأصول إلى استعمال حق العفو إلى الحقب التاريخية الغابرة، فقد تم استعماله في أيام الإمبراطورية الرومانية، ثم انتقل هذا الحق إلى الملوك، وقد تم أدراجه في وثيقة الحقوق عام 1689، وتكرس هذا الحق في دساتير النظم البرلمانية وأصبح من اختصاص رئيس الدولة، ومع تقليص سلطات الملوك مع انتشار مفاهيم السيادة الشعبية والقيم الديمقراطية أصبح حق العفو الخاص سلطة فعلية للوزارة مع مشاركة شكلية لرئيس الدولة.
ولحق العفو نوعان: العفو العام والعفو الخاص.
العفو العام: وهو ما تقضي به كل الدساتير، ولا يكون إلا بقانون، والحكمة في ذلك أن العفو العام هو يمثل اعتداء على القانون نفسه، إذ يجعل القانون لا ينطبق على حوادث معينة، لذلك وجب أن تكون السلطة التشريعية هي المختصة وصاحبة الكلمة النافذة، وهو غالباً ما يستعمل في الأحوال السياسية.
إن العفو الخاص: وهو من حقوق رئيس السلطة التنفيذية التي كانت مقررة له منذ أمد بعيد أيام كان رئيس الدولة يحكم بأمره، وأيام كانت كلمته هي القانون، ويصدر بمرسوم من رئيس الدولة، وهو لا يمنح إلا بعد صدور حكم بات وقطعي وهو ذو صفة شخصية حين يصدر المرسوم بالعفو بالاسم الشخصي.
موقف الفقه من حق العفو الخاص الممنوح لرئيس الدولة.

الموقف الإيجابي:
– وسيلة حماية لتصحيح الأخطاء القضائية التي تظهر بعد مدة طويلة من صدور حكم مبرم يتعذر إصلاحها واستدراكها.
– يخفف من عدم ملائمة بعض الأحكام من الناحية السياسية والاجتماعية، وإن كانت سليمة من الناحية القانونية.
– إن استعماله باعتدال وحكمة يشجع المحكوم عليهم على تحسين سلوكهم ولاسيما في الدول التي لا تقر تشريعاتها نظام وقف الحكم النافذ.
– وقد يكون القانون شديداً لا تسمح نصوصه باستعمال الرأفة، ولا بوقف التنفيذ، لأن المشرع قصد من وراء ذلك أن يكون الحكم صارماً لتكون العقوبة رادعة.
– قد يؤدي استعمال حق العفو الخاص من قبل رئيس الدولة من إسدال الستار عن أحداث داخلية من الأفضل طيها أو إعادة مصالحة وطنية.
– أن العفو وسيلة إنسانية لها ما يبررها، وبالأخص عندما يشمل المحكوم عليهم والذين قضوا قسما من عقوبتهم مطيعين، آملين أن يشملهم العفو، ويقلل من فترة عقوبتهم.

الموقف السلبي:
– أن العقوبة يجب أن تكون مؤكدة إذا قضي بها، فيجب أن تنفذ وحين يتدخل رئيس الدولة في أمرها ويسقطها أو يسقط جزءا منها، يكون تدخله إضعافاً لهذا المبدأ.
– أن مساوئ العفو الخاص تفوق محاسنه، وقد تمت إساءة استعماله من قبل الملوك، وأن هذه الإساءة تحدث آثاراً سيئة في النفوس، من خلال تدخل الأهواء والمصالح.
– أن مبدأ حق العفو الخاص يتناقض مع مبدأ الفصل بين السلطات، وأنه بمثابة تجاوز على صلاحيات السلطة القضائية.
العفو الخاص في النظم المقارنة

بريطانيا:
إن حق العفو الخاص في بريطانيا هو من صلاحية التاج التي تمتد إلى الأمور القضائية حيث تشمل حق العفو عن العقوبة المقضي بها قضائياً، بالإضافة إلى حقه في الترخيص بمباشرة الاستئناف أمام اللجنة القضائية للمجلس الخاص وأن حق العفو الخاص معترف به لرئيس الدولة يمارسه بناءً على مشورة وزير الداخلية عندما توجد أسباب موجبة لعدم تنفيذ العقوبة، وفي بريطانيا تشمل اختصاصات الملك القضائية حقه في العفو عن العقوبة من جانب، وحقه أيضاً في الترخيص مباشرة الاستئناف أمام اللجنة القضائية للمجلس الخاص، حيث يتضمن المجلس الخاص؛ لجنة قضائية أنشأت سنة 1834، وتشكلت هذه اللجنة من عدد من القضاة وتعد بمثابة محكمة استئناف عليا.
رغم ما يبدو على حق العفو من أنه ذو صفة قضائية إلا أنه يعتبر في بريطانيا عملاً تنفيذياً لا علاقة له بالسلطة القضائية ويمارس بصفة خاصة في أحكام الإعدام، وتتم الإجراءات الخاصة بطلب العفو الخاص من خلال تقديم أحد المحكومين بطلب إلى وزير الداخلية، والذي بدوره يحيله إلى محكمة الاستئناف لإصدار قرار بشأنه، ومن الممكن أن يطلب الوزير رأي المحكمة في مسألة قانونية تختص بأحد القضايا دون أن يحيل القضية كلها إليها.
إن للتاج بناءً على مشورة وزير الداخلية أن يعفو من العقوبة كل من خالف القانون، وهو لا يتقيد في استعمال هذا الحق بوقت معين فله أن يعفو قبل الإدانة أو بعد الإدانة، مما يتنافى مع مبادئ القانون الحديث التي تتطلب صدور حكم بالعقوبة حتى يمكن اتخاذ الإجراءات الخاصة بالعفو الخاص ، ولكن لا سلطة لرئيس الدولة في القضاء المدني أي : يمكن التقدم بطلب العفو خلال فترة الاتهام أو بعد صدور الحكم، إلا إذا كان الاتهام أمام مجلس العموم، وهنا لا يعود لرئيس الدولة حق التدخل بإصدار عفو خاص عن أحد المحكومين، ويجب أن يوقع رئيس الدولة على مراسيم العفو الخاص وتختم بالختم الكبير، وهنا يتحمل مسؤوليته وزير الداخلية، وحامل أختام الملك.

فرنسا:
لقد منح الدستور الفرنسي رئيس الجمهورية الحق بالعفو الخاص، حيث نص على أنه (لرئيس الجمهورية حق العفو الخاص بصفة فردية) وامتدادا لعرف ساد في الجمهورية الرابعة (1946- 1958) واستمر في الجمهورية الخامسة (1958- حتى الوقت الحاضر)، أن مراسيم العفو الخاص الصادرة من رئيس الجمهورية يجب ان تُوقع من قبل رئيس الوزراء ومن قبل وزير العدل.
إن إجراءات العفو عمل يتعلق بتنفيذ العقوبات ويدخل في مباشرة الوظيفة القضائية وأن الدستور منح رئيس الدولة حق العفو بصفته حارساً لاستقلال المحاكم، ويباشر رئيس الدولة هذا الحق بناء على طلب يقدم من المحكوم عليه أو وكيله أو من له مصلحة مادية أو أدبية في العفو الخاص عن المحكوم عليه.
ويراعى عند التعامل مع الطلب صحة المحكوم عليه أو سنه أو عدالة الحكم أو إي سبب أخر يقتنع به أصحاب الاختصاص.

مصر:
عهد الدستور المصري لسنة 2014 النافذ للسلطة التنفيذية إضافة إلى مهامها في مجال التشريع والتنفيذ سلطة إصدار العفو الخاص وهي سلطة ذات طابع قضائي، فقد نصت المادة 155 ( لرئيس الجمهورية بعد أخذ رأي مجلس الوزراء العفو عن العقوبة أو تخفيفها ولا يكون العفو الشامل الا بقانون، يقر بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب)، في الدساتير المصرية السابقة كان اختصاص إصدار العفو الخاص، سلطة منفردة لرئيس الجمهورية لكن هذه المرة تم إشراك مجلس الوزراء بها، حيث اوجب المشرع الدستوري على أخذ رأي مجلس الوزراء، وليس رئيس مجلس الوزراء فقط، وهذا تطور باتجاه تعزيز مبدأ ثنائية السلطة التنفيذية أي مشاركة رئيس الدولة والوزارة، وكذلك اتساع نطاق المشاركة في استصدار قرار العفو الخاص.

العفو الخاص في العراق
تضمن الدستور العراقي لسنة 1925 في الفقرة (9) من المادة السادسة والعشرون: لا ينفذ حكم الإعدام إلا بتصديق الملك، وللملك أن يخفف العقوبات، أو يرفعها بعفو خاص، وبموافقة المجلسين يعلن العفو العام.
إي أن للمك وحده دون مشاركة مع أحد، الحق باتخاذ قرار العفو الخاص، ودون توصية من رئيس مجلس الوزراء أو الوزارة.
إما الدساتير في الحقبة الجمهورية ، في دستور عام 1958 الذي صدر بعد قيام ثورة 14 تموز لم يتطرق إلى مسألة العفو الخاص، لكن دستور سنة 1964 المؤقت فقد حصر العفو الخاص بصلاحيات رئيس الجمهورية دون مشاركة إي من السلطات الأخرى، فنصت المادة 52: أنه لا ينفذ حكم الإعدام إلا بعد تصديق رئيس الجمهورية وله حق تخفيض أية عقوبة جزائية أو رفعها بعفو خاص أما العفو العام فلا يكون إلا بقانون، وبقي نفس هذا النص في دستور 1968 في المادة(51) ، إما دستور سنة 1970 المؤقت فقد حصر العفو الخاص برئيس الجمهورية أيضا، فقد نصت (الفقرة ي، من المادة 58) والخاصة بصلاحيات رئيس الجمهورية على الأتي: المصادقة على أحكام الإعدام وإصدار العفو الخاص.

دستور 2005
نصت الفقرة أولاً من المادة (73) من الدستور العراقي النافذ الأتي: إصدار العفو الخاص بتوصية من رئيس مجلس الوزراء، باستثناء ما يتعلق بالحق الخاص، والمحكومين بارتكاب الجرائم الدولية والإرهاب والفساد المالي والإداري.
ومن هذا النص يتضح أن المعني بإصدار العفو الخاص هو رئيس مجلس الوزراء حصرا، حيث هو صاحب سلطة إصدار التوصية دون مشاركة مجلس الوزراء، وهذا خلل يُحسب على المشرع الدستوري وكان من الأجدى مشاركة بقية أعضاء مجلس الوزراء أو مشاركة وزيري الداخلية والعدل على الأقل إضافة إلى توقيع رئيس مجلس الوزراء، تعزيزا لمبدأ توسيع المشاركة، وهذا ينسجم مع طبيعة النظام البرلماني الذي تتكون سلطته التنفيذية من رئيس الدولة والوزارة.
ولهذا نوصي لجنة تعديل الدستور ان تعيد النظر بالفقرة أولا من المادة (73) لتصبح وفق الآتي: يتولى رئيس الجمهورية الصلاحيات الآتية:
أولا- إصدار العفو الخاص بتوصية من مجلس الوزراء. وذلك لضمان المشاركة والشفافية للحد من استعمال هذا الحق للأغراض الحزبية الضيقة وإبعاده عن المصالح الشخصية.

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةزرازير الأجر والثواب
المقالة القادمةالرعيس!!

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
867متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المؤرخون الإسلاميون والباحثة بثينة بن حسين

شخصيا أثمّن الجهّد المبذول من قبل الباحثة التونسية في كتابها الموسوعي (الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية) وهو من الكتب الضرورية ويستحق...

لماذا لم يكتب الشيعة تاريخهم بايديهم

عندما تبحث عن أي حدثٍ ما في تأريخ الشيعة سياسياً أو عقائدياً أو اقتصاديا ،أو كل ما يهم هذه الطائفة من أسباب الوجود والبقاء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محاولة اغتيال سلمان رشدي: جدلية التطرف في الفكر وممارسة العمل الإرهابي؟

في نهاية القرن العشرين واجه العالم عملية إحياء للأصولية الدينية إذ شكل الدافع الديني أهم سمة مميزة للإرهاب في الظروف المعاصرة، بعد أن أصبح...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لقد ابكيتنا يا رأفت الهجان…

اليوم وانا اعيد مشاهدة المسلسل المصري القديم رأفت الهجان من خلال شاشة الموبايل وبالتحديد لقطات لقاء بطل الشخصية مع عائلته في مصر بعد عودته...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أموال ( النازحين ) تحولت إلى خزائن اللصوص ؟!

معظم النازحين في العراق وإنا واحد منهم سجل أسمه في قوائم وزارة الهجرة وتم توزيع تلك القوائم إلى منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى والأطراف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الإنسداد السياسي في العراق… ومتاهات الفراعنة

يبدو المشهد السياسي في العراق مثل متاهات الفراعنة أو دهاليزهم السِريّة كمن يحاول الخروج من غرفة مظلمة عِبرَ باب دوار حتى يجد نفسه قد...