الخميس 29 سبتمبر 2022
28 C
بغداد

عن أوكرانيا والمواجهة الأمريكية الروسية: لا حُبًّا بِسياسة “بوتِن” وإنَّما بُغْضًا بِسياسة “بايدِن”

الحلقة الثانية: البداية الحقيقية لأزمة أوكرانيا
هل بدأت الأزمة الأوكرانية الحقيقية بالحشود العسكرية الروسية، كما تزعم أمريكا وأتباعها، ومتى بدأت المعضلة حول أوكرانيا على وجه التحديد، ومَن المسؤول عن الكارثة الإنسانية؟
الحربُ قتلٌ وجرحٌ وإبادة وخراب وتعطيل لتقدم الإنسان وتحضُّره. ولكن مَن وماذا الذي ٱستفزّ روسيا إلى درجة قصوى بحيث تلجأ إلى الحرب في أوكرانيا؟

عندما ٱنهارت وتفكّكت الدولة العظمى المُسمّاة الٱتحاد السوفيتي ومعها حلف “وارسو” رسميًا في 26 كانون الأول/ديسمبر سنة 1991، كان المفروض عمليًا أن تنتهي معها سياسة “الحرب الباردة” والتحالفات العسكرية والٱقتصادية القوية التي هدّدت الأمن والسلم العالمي على مدى أكثر من نصف قرن، وتحديدًا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 (المصدر 1). وكان المفروض أيضًا أن تبادر الحكومة الأمريكية السابقة برئاسة “جورج بوش الأب” بِحَلِّ حلف “الناتو” لٱنتفاء الحاجة إليه. فهو منظمة عسكرية عدوانية منذ تأسيسها بمشيئة الولايات المتحدة الأمريكية وتوقيع المعاهدة في 4 نيسان/أبريل سنة 1949 في واشنطن. وكان الهدف الحقيقي من إنشاء “حلف الناتو” هو لإرهاب العالم والوقوف بوجه حركات التحرر وضد الٱتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الٱشتراكية وفرض الحصار الٱقتصادي عليها. وذلك على عكس ما يدّعيه قادة أمريكا وأتباعها في “حلف الناتو” والإعلام الغربي بأن تأسيسه جاء للدفاع ضد المدّ السوفيتي الشيوعي ولحماية حقوق الإنسان والحريات. والمعروف تاريخيًا أن “حلف وارسو” تأسس سنة 1956 لمواجهة العدوان الأمريكي والغربي والحصار الٱقتصادي ضد الدول الٱشتراكية.

في الواقع، لا يوجد دليل على عدوانية الولايات المتحدة الأمريكية أقوى وأصدق من إصرارها على إبقاء حلف “الناتو” بعد ٱنهيار الٱتحاد السوفيتي سنة 1991.

تاريخ أمريكا في نقض الٱتفاقات
يقول الروس دائمًا، إن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، على لسان “جيمس بيكر” وزير خارجية “جورج بوش الأب” خلال زيارته موسكو بشهر شباط/فبراير عام 1990، لمناقشة إعادة توحيد ألمانيا بعد سقوط “جدار برلين”، قدَّمت لروسيا وتحديدًا للزعيم “ميخائيل غورباتشوف” وعدًا قاطعًا بعدم توسع “الناتو” في أوروبا الشرقية ودول الٱتحاد السوفيتي السابقة. ووفقًا لمسؤولين روس، فإنه من المفترض أن يكون “بيكر” قد تعهد للرئيس “غورباتشوف”، بأنه “لن يكون هناك تمدد لقوات الناتو بوصة واحدة إلى الشرق”. ويقول الروس، إن هذا الوعد كان الضمانة الرئيسة التي أدت إلى أن تسحب حكومة “غورباتشوف” معارضتها للوحدة الألمانية. لا يَنكر الأميركيون أن “جيمس بيكر” تحدّث بذلك مع “غورباتشوف”، ولكنهم يجادلون بأن ما قاله “بيكر” لم يكن سياسة مُلزِمة للحكومة الأميركية، لا لحكومة “بوش الأب” ولا الحكومات اللاحقة (المصدر 2، 3).

وفي هذا السياق كتب الرئيس الروسي السابق “بوريس يلتسين” رسالة إلى الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون” في أيلول/سبتمبر 1993، معربًا عن مخاوفه قائلًا، “نحن نفهم بالطبع أن أي ٱنضمام محتمل لدول أوروبا الشرقية إلى الناتو لن يؤدي تلقائيًا إلى تحول التحالف بطريقة ما ضد روسيا، ولكن من المهم مراعاة الكيفية التي قد يتفاعل بها الرأي العام لدينا مع هذه الخطوة”.
ولمعالجة هذه المخاوف، تم التوقيع على “القانون التأسيسي” لحلف الناتو وروسيا في عام 1997، وهو ٱتفاق سياسي ينص صراحة على أن “الناتو وروسيا لا يَعتَبِران بعضهما البعض خصمَين”.
وتبع ذلك تشكيل “مجلس الناتو وروسيا” في عام 2002.
لكن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” ٱِنزعج لاحقًا من التوسّع التدريجي لحلف الناتو شرقًا، حيث ٱنضمَّت دول تشيكيا والمجر (هنغاريا) وبولندا في عام 1999، وتلتها بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا في 2004.
وفسَّر “بوتين” ٱنضمام هذه الدول إلى “الناتو” على أنه “نقض لوعد” الولايات المتحدة المشار إليه آنفًا.
وقال “بوتين” في مؤتمر “ميونيخ” للأمن عام 2007: “من الواضح أن توسع الناتو ليس له أية علاقة بتحديث الحلف نفسه أو بضمان الأمن في أوروبا. بل على العكس، فإنه يمثل ٱستفزازًا خطيرًا يقلِّل من مستوى الثقة المتبادلة”.
وبعد ذلك، قال أثناء حضوره قمة “الناتو” في “بوخارست”: “لا يمكن لأي زعيم روسي أن يقف مكتوف الأيدي في مواجهة الخطوات نحو عضوية أوكرانيا في الناتو. سيكون ذلك عملًا عدائيًا تجاه روسيا” (المصدر 3).

“فلاديمير بوتين”: “ليس لدى روسيا مكان آخر تتراجع إليه”
حَذَّر “بوتين” الغرب عدة مرات من تجاوز “الخطوط الحمراء” لروسيا بشأن أوكرانيا. ولكن ما هي تلك الخطوط؟ أهمُّها هو وقف توسع “الناتو” إلى الشرق ونشر أسلحة في الدول المجاورة التي تُهدِّد روسيا. وهناك رفض لنشر أوكرانيا طائرات مُسيَّرة تركية بشكل خاص لمواجهة القوات المدعومة من روسيا في شرق أوكرانيا، وكذلك رفض للتدريبات العسكرية الغربية في البحر الأسود.
وهَدَّدَ الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” بٱتِّخاذ “الإجراءات العسكرية والتقنية المضادة المناسبة في حال ٱستمرار الغرب في ٱتِّباع نهج عدائي ضد روسيا”.
وقال نائب وزير الخارجية الروسي “سيرغي ريابكوف” متحدثًا عن “لحظة الحقيقة” في إعادة صياغة علاقة روسيا مع “الناتو”، “بالنسبة لنا، من الضروري جدًّا ضمان ألّا تصبح أوكرانيا عضوًا في الناتو نهائيًا”.
وتَتَّهم موسكو دول “الناتو” بتزويد أوكرانيا بالسلاح والولايات المتحدة بتأجيج التوتر في المنطقة.
وقال “فلاديمير بوتين”، “ليس لدى روسيا مكان آخر تتراجع إليه، هل يعتقدون أننا سنبقى مكتوفي الأيدي؟” (المصدر 4).

الإمبراطورية الأمريكية هي العقبة الحقيقية ضد السلام في العالم
إنّ العقلية الإمبراطورية الأمريكية العدوانية المهيمِنة على النخبة الحاكمة في “واشنطن” تجسّدت بزعامة “جورج بوش الأب” بٱغتنام الفرصة التاريخية “لإرساء قواعد النظام العالمي الجديد”، وذلك بتوسيع هيمنتها العالمية بحجة حقوق الإنسان ونشر الأنظمة الديمقراطية في الدول الٱشتراكية سابقًا. فقامت الحكومات الأمريكية المتعاقبة بتشجيع دول أوروبا الشرقية المتحوّلة إلى “الديمقراطية” حديثًا على الٱنضمام إلى حلف “الناتو” والٱتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية المشتركة مقابل بعض المساعدات المالية والعسكرية التي تعزّز سلطات الحكّام الفاسدين الجدد وتجعلهم تابعين لأمريكا. وقامت أمريكا بتأسيس قواعد عسكرية وجاسوسية متقدمة جدًّا ونشرت صواريخ دفاعية وهجومية في كل دول أوروبا الشرقية المُنْضَمَّة حديثًا إلى حلف “الناتو”. كما باعت أمريكا كميات خرافية من أسلحتها العتيقة الرديئة إلى هذه الدول المنكودة. فمنذ سنة 1997، وفي عهد الرئيس الأمريكي “بيل كلنتون” ٱِتَّبعتْ أمريكا سياسة “القضم المستمر”، مُستخدِمةً حلف “الناتو” كذراع ضارب، وتوسّعت بٱتجاه الشرق وٱحتلت 14 دولة أوروبية شرقية بدون حروب معلَنة لِتُهدّد حدود روسيا الٱتحادية مباشرة. ونلاحظ في الخريطة أدناه (منقولة عن المصدر 4) أنه بٱستثناء دولة بيلاروسيا المتحالفة مع روسيا فإن أوكرانيا هي الدولة الوحيدة المتبقية المجاورة التي تمثل منطقة عازلة بين روسيا الٱتحادية وبين أمريكا وأتباعها من حلف “الناتو”.

(الخريطة منقولة عن المصدر 4).

الشعوب في وادٍ والقادة في وادٍ آخر
إنّ بلدان المعسكر الٱشتراكي والبلدان التي ٱنفصلت عن الٱتحاد السوفيتي في سنة 1991، عندما ٱنْضَمَّت إلى “الناتو” لم يكن حسب رغبة الشعوب وإنما تبعًا لرغبة الحكّام الفاسدين الجدد الذين ظهروا فجأة بصبغة مسيحية وقومية وعنصرية، وأنّهم أساس “العنصر القوقازي النقي”، وزيّفوا الٱنتخابات وأخضعوا شعوبهم لتضليل الإعلام الأمريكي والغربي بحجة أن هذه الدول تريد الدفاع عن الحقوق الإنسانية والحريات والديمقراطية الناشئة في تلك البلدان، وتدافع عنها ضد الطموحات الروسية، وأنها تريد إرساء دعائم الٱقتصاد الحرّ. ولكن كعادة أمريكا والدول الغربية فقد أدخلوا نظام الديمقراطية المزيَّفة وٱقتصاد العوائل الحاكمة إلى الدول الٱشتراكية طالما أنها بقيت تابعة لهم. كما وعدتْهم “بالمَنِّ والسَّلوى” عند ٱنضمامهم إلى الٱتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية، في حين أن النخبة الحاكمة هي التي حصلت على الفوائد والأرباح وأثْرَت ثراءً فاحشًا، بينما بقيت شرائح كثيرة من الشعوب فقيرة ومضطربة تعيش على مزابل مطاعم “ماكدونالدز” الأمريكية.
أي أن دول أوروبا الشرقية ما كادت تخرج من هيمنة الٱتحاد السوفيتي حتى خضعت لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية. وٱنتقلت القيادات الفاسدة فجأة من حالة الشيوعية والٱشتراكية والتعايش السلمي بين القوميات إلى حالة الرأسمالية والقومية والعنصرية والمسيحية المتطرفة. ولم يكن لشعوب أوروبا الشرقية أي خيار حقيقي في هذا الٱنتقال الحاد، وإنما كانوا أدوات في الٱنتخابات والٱستفتاءات المزيَّفة الجديدة.

ومع ذلك كله، لو تُرِكت أزمة أوكرانيا للدول الأوروبية فقط لٱستطاعوا حلّها بطريقة سلمية، ولكن أمريكا تدفعهم بسرعة نحو حافة الهوية من خلال الرفض والعناد والتصعيد ومواجهة روسيا بمختلف الذرائع.

المصادر:
1. تفكك الاتحاد السوفيتي
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%83_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%AA%D9%8A
Accessed: Monday, February 28, 2022

2. حافة الصدام: مناورة روسيا الخطرة في أوكرانيا
2 شباط/فبراير 2022
https://studies.aljazeera.net/ar/article/5270
Accessed: Monday, February 28, 2022

3. لماذا تريد روسيا منع أوكرانيا من الانضمام إلى الناتو؟
الحرة/ترجمات، دبي
11 شباط/فبراير 2022
https://www.alhurra.com/arabic-and-international/2022/02/11/%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D9%86%D8%B9-%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B6%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%88%D8%9F
Accessed: Monday, February 28, 2022

4. روسيا وأوكرانيا: لماذا دخلت القوات الروسية إلى أراضي جارتها الأوكرانية، وماذا يريد بوتين؟
بول كيربي
بي بي سي نيوز
8 كانون الأول/ديسمبر 2021
جُدِّد في 26 شباط/فبراير 2022
https://www.bbc.com/arabic/world-59450489
Accessed: Monday, February 28, 2022

 

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
875متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

المشهد في العراق .. الشعب يحاصر الحكومة .. ام الحكومة تحاصر الشعب ؟

لايزال العراق يرزح تحت حكم الجبابرة .. فقد مر ربع قرن وشعب العراق يدفع اثمان باهضة جراء حقبة زمنية تمثلت بنظام البعث الممقبور . جر...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الأثر والتأويل في خطاب “شلال عنوز” الشعري

- شاعر وجداني يحرك المشاعر ويتناغم مع المفهوم الإنساني - جمله الشعرية توحي بدقة البناء وفنية الصورة والتماسك اللفظي تشكل قصائد "شلال عنوز" الخطاب الذي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رائحة بولندية أمريكية تفوح من تخريب” ستريم 2″

ليست  مصادفة ، كلمات الشكر التي اطلقها عضو البرلمان الأوروبي من بولندا ، ووزير الخارجية البولندي السابق رادوسلاف سيكورسكي للولايات المتحدة ، عن "...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الإستقالة التي تخرج من الباب وتدخل من الشُباك

إستقالة محمد الحلبوسي رئيس البرلمان العراقي مِن رئاسة مجلس النواب، هل هي مُناورة سياسية، ذر الرماد في العيون، أم إرضاءً للسيد مقتدى الصدر؟. كُلّ تلك...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التظاهرات والبرلمان والجسر .!

جسر الجمهورية وقبل ان يغدو دراما العرض ليوم امس الأربعاء , فسنبتدئُ الكلِم عنه من زاويةٍ جانبيةٍ وبعيدةٍ عن فحوى الموضوع او العنوان ,...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رئيس وزراء عادل و منصف ونزيه

نتج عنه اتفاق ينص على تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة وإقامة حوار وطني شامل لحل الأزمة السياسية الراهنة. فيما أعلنت العديد من دول العالم...