الأحد 2 أكتوبر 2022
35 C
بغداد

القناع في القصيدة السرديّة التعبيريّة

قراءة في قصيدة الشاعرة : سلوى علي – العراق ( بلقيسٌ أنا ) .
تبقى القصيدة هي المرآة التي من خلالها نتمكن من رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة , وتبقى القصيدة التي تكتبها الأنثى قصيدة مشفّرة , تحمل رموزًا قد لا تستطيع الشاعرة أن تبوح بمكنونات ذاتها علنّا , لذا تلجأُ الى تشفيرها , وصياغتها بما يتناسب مع رؤياها وأفكارها وتطلّعاتها , فتحاول أن تجتاز الحواجز التي وضعتها البيئة والمجتمع في طريقها , وقد تلجأ الذات الشاعرة الى استخدام القناع وتوظيفه بما يتلاءم مع ما تريد التصريح به , كي تتمكن من التعبير عما تريد قولهُ , وإيصال صوتها الى المتلقي , صوتًا عذبًا واضحًا غير مشروخ , لتجعل المتلقي يتشوّق , وتمحنه فسحة ليحلل ويؤّل ما تحمله القصيدة من دلالات ورؤى وافكار . كثيرًا ما نجد الذات الشاعرة تتقمص شخصية معينة تستلهما من التراث , وتحاول ان تتكلّم على لسانها , وتتخفّى ذاتها الشاعرة وراء هذه الشخصية , وتبوح وتصرّح بما تريد التصريح به , ونرى من خلال نسيجها الشعري طغيان وحضور هذه الشخصية , واستمرارها على مساحة كبيرة من هذا النسيج , وهذا ما لمسناه في قصيدة الشاعرة : سلوى علي – بلقيسٌ أنا , فلقد استحضرت شخصية ( بلقيس ) من التراث وعادة بالمتلقي الى الماضي , في هذه القصيدة نجد انصهار الذات الشاعرة مع الذات الاخرى ( بلقيس ) , منذ عنوان القصيدة , فهنا ارتبطت الذات الشاعرة / أنا / مع شخصية الذات الاخرى / بلقيس / , وانسحبت الذات الاخرى / بلقيس / لتشمل كلّ أجواء نسيجها الشعري , وهذا ما يمكن أن يُطلق عليه بالقناع , فعادت بنا الذات الشاعرة الى الماضي , وقامت ببناء هيكلها الشعري مستمدّة قوّة هذه الشخصية , ومدى تأثيرها في نفس المتلقي , لقد استطاعت أن تخلق لنا شخصية قريبة من ذاتها , تستطيع عن طريقها ان تعبّر وتكشف عمّا تريد قولهُ بحرّية , وهذا ما يشدّ المتلقي الى هكذا قصائد مقنّعة , تتكلّم بصوت الذات الاخرى , وتطرح أفكارها عن طريقها , متماهيًة معها , متخفية وراءها , رغم ان شبح / بلقيس / يبقى حاضرًا وبقوّة .

وبالعودة الى قصيدة الشاعرة : سلوى علي – بلقيسٌ أنا , نجد قوّة الشخصية المتماسكة والواعية والشجاعة والمؤمنة والمحبّة والحالمة بالسلام والطمأنينة , تبدأ الشاعرة قصيدتها السرديّة التعبيريّة هذه وهي تحلّق بعيدا في سماوات الجمال واللغة العظيمة , في سردٍ يبتعد كثيرا عن مفهوم السرد الحكائي المتعارف عليه , سرد تتجلّى فيه طاقات اللغة , المشحونة بالإيحاء والرمز , والابهار وتجلّي واضح لعوالم الشعور والاحساس , فها هي تقول / أتيتُ مِن مدن الشمس احملُ بينَ كفيَّ عناقيدًا مثقلة بقُبَلِ الفجر , أمام بواباتٍ تذرت رُطبها للحظاتِ المبتورة في أتون الأعماق / , / الوّحُ بقرنفلات الطُهر خارج امتداد مواسم الفقد المصلوبة على فصاحة الحكمة , وارغفتي كغابات التفاح فوق شِفاهِ الجمر , تعصرُ اوزار ألف حكايةٍ مبلّلة بالأرق فوقَ شِفاهِ حقول التمرّد / .. نلاحظ هنا كيف قامت الشاعرة بتعظيم طاقات اللغة , وتكثيفها وانزياحاتها العظيمة المبهرة , وتعود تحلّق بعيدًا في سماوات الابداع وهي تصوغ قناديلا مضيئة من كلماتها ../ لأدغدغُ صدر السنين بخطوات سرمديّة كدرويش مطعون يعزفُ عند أقاصي الوجد بين ربوتين بفيض الرغبة وسط عواء اودية نهر باكٍ / , هنا تجعل الشاعرة من مفرداتها تدغدغ روح المتلقي وتُيرهُ شغفه لمتابعة قصيدتها , ومعرفة مكنونات الذات الشاعرة البعيدة , وتعبّر عن هواجس النفس الدفينة , ولكن عن طريق الذات الاخرى / بلقيس / , وتبقى الروح الشاعرة ../ تنتظرُ هدهداً يُهدهدُ نوافير الكلمات كلّما صرخت زنابق حضارة البحر , مَنْ يأتيني بهِ , ليبعث رعشة مِن كاهل اليقين لخواء يئنُ بين ذاك الترف الملكي لمواسم مفجوعة الامنيات , علّها تغرز بذور التمنّي بين أراجيح أدغال الانتظار / , فتستمر الذات الشاعرة ومن وراء / القناع – بلقيس – الذات الاخرى بسرد همومها ولواعجها وتطلّعاتها , وعمّا يدور في اعماقها , وما يستغور بعيدًا في عوالم ذاتها الابداعية الخلاّبة , فنرى من خلالها مقاطعها النصّية المتخمة بالمفردات الموحية بالكثير العوالم الداخلية لها , وهذا ما نطلق عليه التعبيريّة في القصيدة السرديّة , أنّ قصيدة الشاعرة جاءت على شكل كتلة مترابطة ومتآصرة مِنَ الفقرات النصّية المتخمة بالإيحاء , وطغيان الخيال الخصب , فكلّ مقطع نصّي نجدهُ يتكون من مفردات تحمل الكثير من الايحاء والمشاعر والاحاسيس , كتلة متوهّجة قامت بصياغتها الشاعرة عن طريق مفردات موحية مُثقلة , بدون تشطير او ترك فراغات بين هذه الفقرات النصّية , ولا حتى ترك نقاط متعددة بين الكلمات , جاءت بطريقة سرديّة بعيدة جدا عن السرد المتعارف عليه , فالشعر ينبعث من خلال النثر , النثر الذي لا يعني الحكاية ولا القصّة , لقد جاءت قصيدتها على شكل كتلة نثرية واحدة متماسكة , وهذا ما ندعوه بالقصيدة السرديّة التعبيريّة .

أنّ شخصية الذات الاخرى / القناع – بلقيس / كانت حاضرة منذ البداية , فعنوان القصيدة ابتدأ بـ / بلقيس / شخصية القناع الذي تخفّت وراءه الذات الشاعرة , في قدّمت شخصية / القناع – بلقيس / على ذاتها حين تكلّمت قائلة / بلقيس / ثم اكملت عنوانها بذاتها هي / أنا / , واستمرت الأنا المقنّعة والمتمثّلة بشخصية / بلقيس / تروي لنا هواجسها وأحلامها وتطلّعاتها ومعاناتها , ولقد كانت / بلقيس – القناع / حاذرة عن طريق الافعال المضارعة التي بدأت بها مقاطعها النصيّة / أتيتُ – بلقيس / الوّحُ – بلقيس / أدغدغُ – بلقيس / تنتظرُ – بلقيس / , لهذا فأنّ شخصية / القناع / تحقق وجودها على طول نسيج الشاعرة الشعري . لقد نجحت الشاعرة ومن خلال قصيدتها السرديّة التعبيريّة هذه أن تستخدم / القناع / وتنطق بدلًا عن شخصية القناع – بلقيس وتحلّق عالياً في سماوات بعيدة من الابداع الفذّ .

القصيدة :

بلقيسٌ أنا..

أتيتُ مِنْ مدنِ الشمس أحملُ بينَ كفيَّ عناقيد مثقلة بقُبلِ الفجر، أمام بوابات نذرت رُطبها للحظات المبتورة في أتون الأعماق . ألوّحُ بقرنفلات الطُهر خارج امتداد مواسم الفقدِ المصلوبة على فصاحة الحكمة ، و أرغفتي كغابات التفاح فوقَ شِفاه الجمر ، تعصرُ أوزار الف حكاية مبلّلة بالأرق فوق شِفاه حقول التمرد . أدغدغُ صدرَ السنين بخطواتٍ سرمديّةٍ كدرويشٍ مطعونٍ يعزفُ عندَ أقاصي الوجد بين ربوتين بفيضِ الرغبة وسط عواء أودية نهرٍ باكٍ . تنتظرُ هدهدًا يُهدهدُ نوافيرَ الكلمات كلّما صرختْ زنابق حضارة البحر ، مَنْ يأتيني بهِ ، ليبعثَ رعشة مِن كاهل اليقين لخواء يئنًّ بين ذاك الترف الملكيّ لمواسم مفجوعة الأمنيات ، علّها تغرزُ بذورَ التمنّي بين أراجيح أدغال الانتظار.

…………

سلوى علي /العراق – السليمانية.

مُرفقان (2)

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
876متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ذاكرة بصراوي/ سائر الليل.. وثائر التحرير..

التنومة او منطقة شط العرب، محصورة بين الشط والحدود الايرانية. كانت في السبعبنات من اهم مناطق البصرة. كان فيها جامعة البصرة، وقد اقامت نشاطات...

“التهاوش” على ذكرى انتفاضة تشرين

الصدريون والرومانسيون الوطنيون والباحثون عن التوظيف عند أحزاب العملية السياسية أو الذين يحاولون بشق الأنفس اللحاق بالطريق الى العملية السياسية، يتعاركون من أجل الحصول...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رحل ولم يسترد حقه

عندما كان الرجل المتقاعد (ٍس . ق) الذي يعيش في اقليم كردستان العراق يحتضر وهو على فراش الموت نادى عياله ليصغوا إلى وصيته .. قال...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق: مأزق تشكيل الحكومة

بعد ايام يكون قد مر عاما كاملا على الانتخابات العراقية، التي قيل عنها؛ من انها انتخابات مبكرة، اي انتخابات مبكرة جزئية؛ لم تستطع القوى...

المنظور الثقافي الاجتماعي للمرض والصحة

ما هو المرض؟ قد لا نجد صعوبة في وصف إصابة شخص ما بالحادث الوعائي الدماغي او(السكتة الدماغية) ، أو شخص يعاني من ضيق شديد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نهار / محاولة للتفسير

قصة قصيرة نهار غريب.. صحيت أنا م النوم لقيته واقف فى البلكونة على السور بيضحك.. مرات قليلة قوى، يمكن مرتين أو ثلاثة إللى قابلت فيها...