الأربعاء 29 يونيو 2022
43 C
بغداد

عن السياب، والخصيبيين الجدد

نشر الشاعر الكبير طالب عبد العزيز في جريد الصباح ليوم أمس الخميس، قراءته “الخصيبية” لأنشودة المطر، وكأنه يوحي بأنه هو أيضا خصيبي كالسياب، فلم هذا الإهتمام الكبير به وحده، فيقول إنه “لا يرى في جملته الهادئة . . . أكثر من شاعر يتأمل المطر بتجرد من التأويلات . . . وبلا محمولات أخرى.” ومن هنا يبدأ التسطيح عند الشاعر طالب عبد العزيز، فيحاول في كل مرة أن يجرد القصيدة من كنوزها المثقلة بالمعاني الإنسانية العميقة. وهذا ليس جديداً، فبعد نشر “أنشودة المطر” في مجلة الآداب البيروتية في حزيران 1954، كتب الناقد الأدبي المعروف عبد اللطيف شرارة يقول: في هذه القصيدة كغيرها من قصائد الشعراء المحدثين في العراق يتحلل ناظمها من قيود المدرسة العربية، ولكنه يعجز عن أن يهز قرارة الوجدان! هكذا!

ثم يقول طالب إن السياب كان متردداً بارسال القصيدة إلى الآداب، كما أنه لم يمنحها الكثير من الإهتمام. وهذا كلام مناف للحقيقة التأريخية، فقد كان السياب قلقاً جداً من هذه التجربة الجديدة على الشعر العربي كله، ولم يكن يعرف أن قصيدته هذه ستكسر عمود الشعر العربي القائم منذ آلاف السنين، وتحطمه إلى الأبد. ولا يخفى أن الشاعر قصيدة. أليوت في أرضه الخراب، ورامبو في مركبه السكران، والسياب في أنشودته.
.
لقد تحدث الكثيرون عن تأثر السياب بكتاب السير جيمس فريزر، “الغصن الذهبي”، لكن دعونا الآن نحتكم إلى قراءتنا لهذا الكتاب، وننظر بتجرد، فلا نجد بينه وبين قصيدة السياب غير قاسم مشترك واحد، ضعيف جداً، وهو صورة الرحى التي لها عند السياب وظيفة سلبية، بينما وظيفتها عن فريزر إيجابية، فهل يعقل أن الشاعر يتأثر بشئ ويقلبه رأساً على عقب؟ هذا أمر مناف للعقل. ثم ما الذي يدعو السياب إلى اللجوء إلى اليونانيين والرومان في الحديث عن الموت والميلاد؟ وما معلقة لبيد غير حديث عن الموت والميلاد، وما الشعر كله من الملحمة البابلية وحتى اليوم غير حديث عن هذين المتقابلين. وما دام هذان موجودين، فالشعر قائم وموجود.

ثم يمضي الشاعر طالب عبد العزيز في تخريجاته، فيقول بأن السياب في استخدامه كلمة “المهاجرين”، كان يتحدث في القصيدة عن “الكعيبرية” المتسللين إلى الكويت، ولا علاقة لهذا بالمهاجرين المسلمين الأوائل. حسن، لكن المهاجرين هؤلاء في القصيدة هم الصوت الثالث فيها بعد صوت الراوي، وصوت الشاعر، وهم ثابتون، ومظلومون، ينشدون للجوع. وما كانت رسالة المهاجرين الأوائل بقيادة جعفر بن إبي طالب أمام النجاشي الحبشي؟ قالوا: لقد جعنا! جعنا، يا صاحب العدل! بالإضافة إلى ذلك، فإن كلمة “المهاجر” مفردة لم تكن محلية معروفة في الخمسينيات حينما كتب السياب قصيدته، و لم تكن مفردة عمومية، فمن أين أتى بها الشاعر؟ لا بد من تفسير.

ثم يقول الشاعر طالب عن الغربان في القصيدة بأنها ليست طيور الشؤم التي نعرفها، بل هي “البعيجي”، وهي طيور صغيرة مهاجرة تأتي إلى البصرة في زمن معين ، وتنظف النخل وتهيئه للموسم القادم . . . . شر البلية ما يضحك! فالسياب جاهل بالطير! ولا ينتبه الشاعر طالب من أن “الغربان” تأتي في قصيدة السياب مقرونة مباشرة بالجراد . . والشوان . . والحجر، فعن أي بعيعي نتحدث! ما الغرض من هذا التسطيح!
.
تنتهي قصيدة السياب بعبارة: “ويهطل المطر”، أي ويستمر الجوع.
أفلا ترون بأن الأفاعي مازالت قائمة في بلادنا، تسرق رحيقنا.

لم يكتف السياب بالبحث عن الذهب، بل نقّاه، وغسله، وعرضه علينا تحت الشمس. وهبنا السياب الجمال، فشكراً له.

 

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةأمثال أفريقية مترجمة عن الروسية (4)
المقالة القادمةشر العمل!!

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
865متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البعض وحرفة الكتابة

في الاساس كانت الكلمة، ومن خلالها تشكلت العلاقات على مختلف مستوياتها، وقد تطور استخدام الكلمة مع الزمن ليتم استخدامها في العملية الكتابية، ولعبت الكتابة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الناتو العربي الجديد …. العراق بين مفرقين معسكر الحق ومعسكر الباطل ؟

ان فكرة انشاء هذا التحالف المشؤوم (ناتو شرق اوسطي ) هو ليس وليد هذه الساعة او هذه المرحلة وانما منذ ان تعثرت فيه المفاوضات...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العالم قبل الحرب الروسية الأوكرانية ليس كالعالم بعدها

قبل 125 يوماً بالتحديد كانت هناك دولة جميلة في أوروبا ينعم مواطنيها بالأمان والاستقرار ولها من العلوم التطبيقية والصناعات المتقدمة ما جعلها قبلة لبعض...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مشروع داري مماطلة في تنفيذه

يتساءل المواطنون عما حل بمشروع " داري " السكني الذي اعلنت عنه الحكومة ومتى تفي بوعودها وتوزع سندات التمليك عليهم , اكثر من نصف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

زيف تعاطي الغرب مع موسكو في الحرب !

امسى بائناً أنّ واشنطن ولندن " قبل غيرهم من دول اوربا " بأنّهما اكثر حماساً من اوكرانيا او زيلينسكي في مقاتلة القوات الروسيّة ,...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

خالد العبيدي

ـ كان طفلاً اعتيادياً.. خجولاً.. هادئاً.. ثم تطورت شخصيته عندما كبرً فأصبح.. صريحا.. ذكيا.. شجاعاً.. جريئاً.. لا يخشى في قول الحق لومة لائم     ـ مواقفه...