الثلاثاء 9 أغسطس 2022
31 C
بغداد

مطاردة الثلوج في عصر التغير المناخي

عدتُ يوم أمس من سفرة إلى شمال العراق ، أقصد كردستان العراق (حتى لا يزعل إخواننا الأكراد) ، رغم معارضة معارفي وأصدقائي لثنيي عن السفر، متعللين ببرودة الجو وما يصاحبها من أمراض البرد ، وعدم صلاحية سيارتي القديمة لسلوك طرق متعرجة طويلة منحدرة ، وطيلة مدة السفر ، لم يكف رنين هاتفي للإطمئنان علي من فيضان آخر شهدته أطراف أربيل منذ أيام بعد الفيضان الأول منذ أكثر من شهر ، لم تشهد أربيل ، تلك المنطقة المتموجة والجبلية والصخرية مثل هكذا أحداث ، بسبب ضعف الدراسات البيئية أزاء جشع المستثمرين والذي أدى إلى تغيير بعض التضاريس وإن كانت صغيرة ، وبالتالي إختفاء الكثير من الوديان الطبيعية الصغيرة بسبب ردمها ، وهي مجارٍ طبيعية نحتتها مياه الأمطار منذ آلاف السنين .

أردتُ رؤية الثلج أولا ، ولإعتقادي أن السفر مغامرة ، وأن البلد أولى من بقية البلدان في السياحة ، يتحدّث الكثيرون عن البلدان المجاورة للعراق وما بها من أماكن سياحية ساحرة لا تنقصنا على الإطلاق ، والسبب الآخر هو أن السائح لن يضطر إلى رصد ميزانية كبيرة في مغامرته السياحية ، رغم ان كاتب هذه السطور ، لم يغادر حدود العراق لسنتمتر واحد ! ، أردت الهروب مؤقتا من الجو الرتيب ، والمغبر الملوث ، والطرق الوعرة التي كانت تُسمى شوارعا ، وتصرفات اصحاب (التكاتك) النزقة ، إلى حيث الهواء النقي والشوارع المعبّدة بعناية ولو كانت في أقصى المناطق النائية ، فهناك لم أسمع صوت نفير (هورن) واحد ! .

الجميع يتحدّث العربية في (شقلاوة) ، ربما بسبب طبيعتها السياحية ، وهي المكان المفضّل لديّ لطيبة أهلها ولتنوع سكانها وبيئاتها وطبيعتها الجميلة وقربها من الكثير من الأماكن السياحية الأخرى في محافظة أربيل ، ولكن كلما إبتعدتَ عنها تضعف تلك اللغة إلى درجة التلاشي تقريبا ، وتصبح الأمور اكثر صعوبة في التفاهم ، خصوصا في (حاج عمران) ، فحتى قائمة الطعام (Menu) لديهم مكتوبة بلغتين ، كردي وفارسي فقط لقربها من الحدود الإيرانية ، ولكن للأسف لم أستطع الدخول للمنتجع ، لأن طرقه طينية وشديدة الإنحدار لا يمكن تسلقه إلا بسيارات الدفع الرباعي ، فكيف بسيارتي القديمة ذات الدفع الخلفي ؟! ، لكن الطريق من شقلاوة إلى هذا المنتجع ، إستغرق ساعتين ، كان جمال الطبيعة وسحرها ، بأنهارها وصخورها وجبالها بل وبسمائها يستحق كل دقيقة ، كانت البلدة الوحيدة التي أتحفت عيوننا بجبال مكسوة بأكملها بالثلج ، لكنه للأسف كان صعب المنال .

حدّثني الكثير من أهل شقلاوة وقد صاروا أصدقاءً لي ، أن هذه المدينة ومنذ 5 سنوات خَلَتْ ، كانت تشهد سقوطا كثيفا للثلوج ، بحيث يعزلها عن مناطق باقي مناطق الإقليم ، ومنذ ذلك الحين ، لم تشهد هذه البلدة ، سقوط ولو شذرة واحدة من الثلج ! ، وهذا مثال صارخ على التغيّر المناخي ، وفي العام الماضي ، شددتُ رحالي إلى شقلاوة في تشرين الثاني /نوفمبر 2020، وفي نيّتي رؤية ثلوج جبل (كورك) قرب (راوندوز) الجميلة ، عن طريق (التلي فريك) رغم كلفته العالية (10 آلاف دينار للشخص الواحد) ، وقد نعمنا بساعات من ثلوج كثيفة غطّت قمة هذا الجبل ، والذي يسمونه (جبل الرادار أو المرصد الفلكي) ، وأعدت الزيارة إلى هذا الجبل منذ ثلاثة أيام متيقنا أن الثلج سيصل للخاصرة ، خصوصا في كانون الأول/ديسمبر ، أي بعد شهر من زيارتي إياه في العام الماضي ، وعند وصولي إلى منطقة صعود (التلي فريك) ، شعرت بمرارة ، فقد كانت خالية تماما من السياح ، سألتُ الرجل المسؤول عن جباية (التلي فريك) عن حال الثلوج هناك ، فأجابني (هل تريد أن أكذب عليك ؟ ليس هناك ذرة من الثلج على جبل كورك ، متأسف جدا)! ، مثال صارخ آخر عن التغير المناخي .

إستبشرتُ خيرا وانا أشاهد بلحظات فرح نادرة سقوط الثلج على بغداد في 11 شباط/فبراير من عام 2020 ، ما يقارب الساعة السادسة صباحا ، إحتدمت كل المشاعر في رأسي وأنا أشاهد رقائق الثلج تأتي من السماء ، من فرح وتفاؤل وإعجاب ولا أدري لماذا قد حشر الحزن نفسه وسط هذه الإنفعالات ، ورأيت الأرض تكتسي بطبقة من السجاد الأبيض الجميل المرهف والنادر ، حبّات من الماس الأبيض تُنثَرُ بحنوٍ على الرؤوس ، كأن يدأ سماويةً تُرَبّتُ بلطفٍ عليها ، لكن سرعان ما توقف هطول الثلج هذا ، مذكرا إياي أن لحظات الفرح نادرة وهذا قدرنا ، وإن كان ثلجا ينهمر وقد إعتادت عليه الكثير من شعوب الأرض ، فهو وإن كان مجرد ثلج ، إلّا أنه أكثر “دفئاً” بكثير من هراء الإنتخابات وما يسمونها العملية السياسية التي آلت إلى “إنسداد” ، لا يأتي بعده ، إلا الطوفان ! .

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
870متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سخونة المشهد العراقي خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية .!

عادَ وتجددَ التحدي مرّة اخرى بين المالكي والصدر , مرّة اخرى , بطروحاتٍ حادّة , يصعب معها التنبؤ الى اين يسير العراق والكيفية التي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نجم الجبوري مازال الرهان بيننا

لا اخفي سراً اذا اقول لكم انني كنت قلقاً جداً على مستقبل محافظة نينوى ومدينة الموصل بالتحديد عندما استلم السيد نجم الجبوري منصب محافظ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تغريدات من العراق الديمقراطي الجديد/20

صرخات الجريح تكون على قدر جرحه وألمه، ونفس الأمر ينطبق على الشعوب التي تعاني من أمراض سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية ودينية، بسبب الفساد الحكومي،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الانسداد السياســـــــــــــــــي في العــــــــراق الى متى؟

اعلنت قوى عراقية مدنية واحتجاجية العمل على معالجة الازمة السياسية الراهنة والعمـــــــل على رفض المحاصصة الطائفية المقتية والوصول الى مؤتمر وطني للتغيير.وضـم الاجتماع الاحزاب المدنية الديمقراطية...

التغييرات الحقيقية لبناء العملية السياسة

لعل اغلب من قرأ مقالنا ليوم امس والذي كان بعنوان ( من يفوز بالانتخابات المبكرة ؟ومن يشكل الحكومة القادمة ؟) توجه لنا بالسؤال الاتي ماهي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

يوم الأيام ،، الإنتصار المرّ

كان صدّام مولعا بالتسميات الضخمة لمعاركه وحروبه سواء التي انتصر فيها او التي خسر ، ولكن مصادفة -ربما- كانت اغلب تسمياته تصدق او تطابق...