الجمعة 2 ديسمبر 2022
13 C
بغداد

السيدة (ميركل) ، وسياسيونا ، وعفطة العنز !

كنت أتابع أخبار إنتهاء ولاية المستشارة الألمانية (أنجيلا ميركل) ، أول إمرأة شغلت هذا المنصب في ألمانيا بعد أربع ولايات متتالية ، واحدة من أطول مدة شغلها مستشار ألماني ، لقيادة واحدة من أعظم البلاد في العالم إن لم تكن على الإطلاق ، تأملتُ ملامح وجه هذه السيدة السّتينية ، الخالي من أي مكياج ، بملابسها البسيطة ، فلديها بضعة بدلات ترتديها بصورة دورية ، تتزين عادة بعقدٍ بسيط خالٍ تماما من الذهب والأحجار الكريمة ، تصفيفة واحدة وبسيطة للشعر ، تعطينا درسا في التقشف وهي قائدة لأغنى بلد في العالم ، وأتأمل بأزدراء ، وجوه سياسيينا ، بأبتساماتهم الصفراء وهم يزفون الينا خبر هزيمة الأرهاب منذ 18 عاما ، بل وكأنهم شامتون من أنهار الدم اليومي في مسلخ اسمه العراق ، قادتُنا أفقروا بلدا غنيا صار مثيرا للشفقة أمام العالم ، بنوا وأغتصبوا قصورا بل أحياءً فاخرةً بأكملها ، ذات بذخٍ جنوني ينافس قصر (فرساي) إلا أنه يفتقر للذوق ! ، وبالمقابل هذه السيدة التي رفضت سكنا وظيفيا راقيا مخصصا من المستشارية ، وآثرت السكن في شقتها المتواضعة مع زوجها في آخر طابق لمبنىً من 4 طوابق عمره أكثر من 100 عام ، جلّ سكانه من كبار السن ، يقف على بابه شرطي واحد ، على شارع خالٍ تماما من أي أسوار أو حواجز ، بينما يكمن سياسيونا دخل أسوار هائلة تناطح السماء ، تحرسها حواجز تفتيش لا تُعَد ولا تُحصى ، يختبئ خلفها قادةً لأكثر دولة ضربت الأمثال العالمية في الفساد والتخلف والفشل في العالم .

وقد حُسِبَ عليهم (حسب المدرسة التي يدّعون الإنتماء لها) أن يعيشوا في زهدٍ وتقشف ! ، يتباهون بملابسهم وأكسسواراتهم الفاخرة رجال ونساء مثقلات بالذهب وفساتين باذخة مثل (قارون) ، تتراكض جيوش حماياتهم أمامهم ، لقد ملّت صالات عمليات التجميل من وجوههم ، لكنها لم تنجح في إخفاء قبحهم ، جميعهم على الأطلاق ، وكأن الزمن الأغبر قد عاد بهم الى الوراء ، أقارن بين صورهم بالأمس ووجوههم الأن ، وكأنهم عادوا شبابا ، منهم مَنْ صبغ شعره ، بل منهم مَنْ أختفى (الصلع) من رأسه ، زالت التغضنات من سحناتهم ، ثم يقترن بفتاة (أوأكثر) أصغر من بناته .

وهذه السيدة بدت وكأنها أكبر من عمرها بكثير ، بل وكأن عمرها قد أزداد ثلاثون عاما منذ أن بدأت بقيادة هذا البلد العظيم ، كان بأمكان هذه المرأة أن تلجأ لعمليات التجميل ، خصوصا وانها قائدة لألمانيا ، أكثر بلد متطور في جميع الأصعدة ، أقتصاديا وصناعيا وطبيا ، فجميعنا يفخر أن لديه سلعة ما ، تحمل دمغة Made in Germany)) ، هذه السلعة ، كبرت أم صغرت ، مضرب مثل في كل العالم في جودة وعبقرية الصناعة الراقية ، المقترنة بالدقة والأخلاص والتفاني والنزاهة ، بحيث تعود معظم الأختراعات في العالم الى علماء ألمان ، يكفي ان أحدهم (البرت اينشتاين) .

هذه السيدة تعطي إنطباعا بميلها للعملانية الصارمة ، حاملة شهادة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة (لايبزغ) شرق ألمانيا ، وجُلّ سياسيونا من أصحاب الشهادات المزورة ، حتى وصل عددها إلى 27 ألف شهادة مزورة ، في فضيحة طالت كبار السياسيين ، لكن الفضائح الكبرى كمثيلتها من الجرائم الكبرى ، تبرد مع الأيام وتكون نسيا منسيا ! .

أنا أعلم ان النوم يجافي هذه السيدة ، لأنها تحس بثقل الأمانة الملقاة على عاتقها ، كونها تقود ارقى بلد في العالم ، وتعازينا الحارة لكم ايها العراقيين فأنا أعلم ، ان سياسيينا ينامون ملء الجفون ، على جثث من الأبرياء وقد فرمتها ماكنة الأرهاب والحرمان والفقر بسبب تقصيرهم ، وأنهماكهم في السرقة والتخلف والأرهاب والتآمر ، وتركوا الهرم والشيخوخة تأكل شبابنا العاطل عن العمل ، والمسحوق والمُحبط ، وصاروا أهدافا سائغة لماكنة الأرهاب والفساد ، أو تبتلعهم مياه الغربة في محاولات مريرة وأسطورية للهرب خارج أسوار الوطن .

ميركل الإنسان ، هي الوحيدة من بين كل زعماء أوربا ، قد خفضت جناح الرحمة للمهاجرين من بلاد نتنة ومتخلفة بسبب حكامها الفاسدون والإنتهازيون والخونة والسراق ، حتى أسموها تحببا (العمّة ميركل) ، بينما أقفلت الأبواب الحديدية على أسوار الدول “الإسلامية” العربية الغنية بوجه موجات المهاجرين المحرومين ، وفُتحت على مصاريعها للصهاينة ! .

مكتب هذه السيدة من زجاج في مبنى المستشارية لأنها أمِنَت أحجار الرجم ، يحاكي التجسيد الحي للشفافية ، يمكن لأي مواطن ألماني رؤيتها من بعيد داخل هذا المبنى ، وبإمكانه رؤية كل نشاطاتها ، على عكسنا ، فدهاليز المنطقة الخضراء ، ومنازلهم خارجها ، هي غرف مظلمة بحق ، وتمرر خلالها كل صفقات التآمر والسرقة .

لستة عشر عاما ، قادت هذه السيدة البلد في أكثر الفترات إضطرابا ، من الكساد الإقتصادي والاوبئة ومشاكل الهجرة والحروب ، قادت بلادها بمنتهى المهارة والتوازن ، ولم تكن السيدة ميركل لتنجح لوحدها في إدارة دفة بلادها لوحدها ، فهي تقود شعبا واعيا ، بضمائر لا يمكن شرائها بأموال الدنيا كلها ، لا يوجد من يتزلّف لها أو يتملّقها ، فبالتأكيد هي ستحتقر أي سياسي من هذا الطراز ولن تأخذ برأيه وهم كُثرٌ لدينا ، والمكافأت وصعود السّلم من نصيب هكذا إمّعات ، الألمان لا يصدحون بالقول والقصيد بحب وطنهم فقد جسّدوه عمليا وواقعا ، لكن حبنا للوطن لم نفهمه غير مجرد كلمات صدحت بها حناجرنا ، فالفرق بيننا وبينهم ، أن في ألمانيا مليون نموذج من (ميركل) بعد مغادرتها لسدة الحكم يطمئن له الشعب ، لكن بلدنا قد خلا تماما من نموذج واحد من هذا الطراز ! ، الديمقراطية لديهم أمرٌ مفروغ منه وليس فيه جدال شأنه شأن كل البلدان الأوربية ، بلدهم في المحافل أسمه (جمهورية ألمانيا الإتحادية ) ولم يضيفوا له كلمة (ديمقراطية) ، لأن المفارقة أن كل حزب أو دولة ، عربية أم أجنبية إلا ما ندر ، إن أضافت كلمة (ديمقراطية) على تسميتها ، فأعلم أنها بعيدة كل البُعد عن الديمقراطية ! .

عليّ إبن أبي طالب ، بمدرسته الراقية في مباديء الحكم والسياسة ، فضلا عن شخصيته الباذخة المفرطة كما وصفه يوما الدكتور عدنان إبراهيم ، وهو ليس بمبالغ في هذا الوصف على الإطلاق ، يقول في حقه أحمد بن حنبل (كل مَن جلس على كرسي الخلافة ، زانتهُ الخلافة ، إلّا علي ، فقد زان الخلافة) ، كان ينظر إلى الخلافة على أنه حمل ثقيل ، ورغم ذلك فقد كان مستخفا بها ، والدليل وصفه إياها على أنها (عفطة عنز) ، بل أن نعاله (أحب إليه من الإمارة) ، الوحيد الذي حملته إلى الخلافة ، إنتخابات عفوية جماهيرية إلى درجة الفوضوية ، فقال وهو يصف فوضى دخول الجماهير لبيته لحمله على الخلافة (حتى إنشقّ عطفاي ،ووطيء الحسنان) ، وليس بقرارٍ من غرفة مجلس الشورى ، هو نفسه مَن قال (الإنسان إذا مَلَكَ ، إستأثرْ) ، وعلى طيلة تاريخ السياسة العربية ، كان عليّا هو الإستثناء الوحيد لهذه القاعدة ولحدّ الآن ! ، بل إن أبشع مثالٍ على الإستئثار بالمنصب ، مَن وصفوا أنفسهم بأنهم من مريديه ! ، بل منهم مَن وصف بعضا ، بأنه كعلي إبن أبي طالب ، حاشاه ! ، وسيستأثر بالكرسي ولو إحترق البلد بأكمله ، وهو يعلم أن هذا الكرسي ما هو إلا (عفطة عنز) ! ، فمتى يفهم السياسي بأن لا يمنّ علينا بدينه فهو شأنه مع الله ، وإن كان زائفا وتجارةً ، بل نريد آثارا في هذه الدنيا ، لا نطمح أن تكون كآثار السيدة (ميركل) .

تُرى ماذا سيكون موقف هذه السيدة إن خسرت أحدى الإنتخابات ؟ ، بالتأكيد ستحترم قرار إستبعادها وستنصاع بروح عالية لإرادة الشعب ، وستلملم أشياءها من مكتبها وستغادره عن طيب خاطر وبأريحية ، بلا ضجيج ، بلا ماكنة إعلامية فهي لا تمتلكها ، لا توجد في بلدها “غرف مظلمة” تلجأ إليها للإلتفاف والتآمر على قرار الشعب بمعية بضعة أوغاد فهي تحتقرهم ، لكن التاريخ سيذكرها بحروف من نور ، وسترتاح في أيامها الباقية وهي في حلّ من (عفطة العنز) ! .

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

السوداني في طهران، متى يكون في أنقرة..!!

تشكّل زيارة محمد شياع السوداني لطهران،فرصة لنزع فتيل أزمة مفتعلة،أرادت طهران بها تصديرأزمتها الداخلية الى الخارج،فكانت تهديدات قائد الحرس الثوري بإجتياح شمال العراق في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لافروف: أصعب فترة في تاريخ العالم قد جاءت !

 المؤتمر الصحفي الكبير الذي يضم جميع الصحفيين المحللين الروس ، والمراسلين الأجانب المعتمدين في وزارة الخارجية والذين يبلغ عددهم باكثر من 500 شخصية إعلامية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ "مثلث رعب" يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التسوية مع المتهم !

واجب القضاء التطبيق السليم للقانون، وهو ما نتوسمه في قضائنا، ولا سيما في القوانين الإجرائية التي تعدّ عماد الدعوى وأساسها الكفيل بحسن توجيهها، ولهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايها الشهيد نم قرير العين

ضمناسبة يوم الشهيد العراقي في الأول من كانون الأول. قال تعالى في سورة آل عمران169ـ 170((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظام الابتذال العالمي

كتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن نظام التفاهة، المسيطِر على العالم، غير إنّ هذا النظام في الحالة العربية، والعراقية، يؤسس لانهيار أعظم. بَلْ قلْ إنّ...