الإثنين 23 مايو 2022
25 C
بغداد

قراءه في الفقه الدستوري… تراجع نظرية السياده المطلقه لصالح السياده النسبيه..؟

يزدحم فقه القانون الدستوري المعاصر بمنظومه من الاراء والافكار القانونيه التجديديه والجدليه والتي تعمل على تسويق طراز حديث للسياده يسمى( بالسياده النسبيه) بديلآ عن املاءات النظريه الكلاسيكيه للسياده المطلقه والتي تكرست مع تنامي حركات التحرر والاستقلال الوطني من الاستعمار.. وهذا المفهوم الحداثي بدأ بالظهور تزامنآ مع علوية وسمو قيم الدفاع عن حقوق الانسان بالعالم..أن السياده كركن أساسي من اركان الدوله كونها شخصيه أعتباريه وقانونيه معترف في صيرورتها ووجودها بالمجتمع الدولي.. أن فكرة او مبدأ (السياده المطلقه)برزت تحديدآ في القرن السادس عشر والسابع عشر وحتى بدايات القرن الثامن عشر. وأصبحت هذه النظريه (السياده المطلقه) تشكل ضروره فلسفيه متسلطه ومتسيده على أغلب نظريات القانون العام الداخلي والخارجي. لا بل كانت أحيانآ ذريعه وأداة للانظمه الشموليه للتمادي في أحتكارها للسلطه السياسيه وتقويض الحريات العامه ومصادرة الحقوق المدنيه والديمقراطيه.. وهكذا نجد ان صناعة مفهوم السياده المطلقه كان يختفي وراءه الامعان وبلا هواده في الانتهاك الجسيم لحقوق الانسان. وهكذا نجد الكثير من الدول وحتى الفتره الراهنه سارعت لتوثيق مبدأ السياده المطلقه في وثائقها الدستوريه وكانت (نظرية اعمال السياده)هي واحده من هذه العناوين المعياريه. حيث اصبحت الحكومه كونها سلطة سياسيه تتمتع بنوع من الحصانه والحمايه الدستوريه امام رقابة القضاء المختص فلم تعد في الكثير من الحالات والكثير من قراراتها وتصرفاتها لا تخضع لرقابة القضاء الدستوري او الاداري لا الغاءآ ولا تعويضآ خاصة في علاقة السلطه التنفيذيه بالدول الأخرى مثل عقد المعاهدات والاتفاقيات الدوليه او ترسيم الحدود او حتى اعلان الحرب.. لابل ان الحكومه في ظل حالة الظروف الاستثنائيه تمتلك ولايه واختصاصات قضائيه فيمكن لها منع السفر والحجز على المَتلكات الخاصه والابعاد والاقامه الجبريه دون الرجوت للقضاء..؟ كما يمكنها في حالة الظروف القاهره ان تحوز على سلطات تشريعيه واسعه وتصدر قوانين وتشريعات بمراسيم جمهوريه..؟ وهذه الافعال والتصرفات تشكل انتهاكآ لمبدأ المشروعيه وقيدآ على الحريات العامه وحقوق الانسان..؟
ومع التطور المتسارع في العلاقات الدوليه اتخذت فكرة السياده مفهومآ جديدآ حيث بدأ التخلي تدريجيآ عن نظريه السياده المطلقه لتحل محلها فلسفه دستوريه أكثر حداثة الا وهي (السياده النسبيه) في القانون الداخلي للدول وذلك في ظل تنامي وتعاظم عالمية حقوق الانسان.. حيث التزمت العديد من الدول بتضمين قانونها الداخلي ووثائقها الدستوريه منظومة مواثيق حقوق الانسان وحرياته الاساسيه التي وردت في الصكوك الدوليه الخاصه بالحقوق المدنيه والسياسيه والميثاق العالمي لحقوق الانسان. وقامت الدول بتكييف تشريعاتها الداخليه مع تعاليم واشتراطات القانون الدولي الذي اصبحت احكامه في مجال حقوق الانسان والعلاقات الدوليه بمثابة (قواعد قانونيه آمره).. هذا كله فتح الباب لصناعة فلسفه قانونيه جديده تسمى افتراضآ(بالسياده النسبيه) فاصبحت الدول تذعن للمنظور الاممي لحقوق الانسان ولا تستطيع شرعنة اي قانون داخلي يتعارض مع هذه الحقوق الانسانيه.. وهكذا أصبح القانون الدولي هو القوه الامره بالعلاقات الدوليه بحيث لا يمكن ان نجد دولآ تدعي مناهضة القانون الدولي او انها تمتلك السياده المطلقه ولها سلطة اتخاذ القرار لوحدها في العلاقات الدوليه دون رضى وموافقه الدول الأخرى والمجتمع الدولي. فنظرية السياده المطلقه لا تتفق ومتطلبات التطور الجديد للعلاقات الدوليه ولأسس خضوع الدول لسلطة الامم المتحده هذا جانب وجانب اخر قيام العديد من الدول بالتوثيق الدستوري لحقوق الانسان وحقه في الحياة والعمل والتظاهر والعقيده والتعبير عن الراي والتداول السلمي للسلطه ورفض كل اشكال التعذيب والتغييب القسري وحقه في المشاركه بادارة الدوله وغيرها.. وهذا كله عجل في التخلي الممنهج عن مفهوم السياده المطلقه وارساء نمط جديد من السياده النسبيه الذي يرتبط بالقانون الدولي وبديهيات حقوق الانسان. واخيرآ يمكننا القول ان تقييد مبدأ السياده الوطنيه لا يعني بأي حال من الاحوال هو تفكيك لمفهوم السياده الوطنيه بقدر ما يعني وضع القيود على كيفية ممارسة هذه الدوله لحقوقها السياديه بما لا يتعارض مع القانون الدولي ولمنظومة حقوق الانسان. وان لايشكل ممارسة حقوقها السياديه هذه مساسآ بسيادة الدول الاخرى……

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
860متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

القاعة الدستورية واليات حل الازمة /3

في تجارب الدول الديمقراطية شرع الدستورلتثبيت عقد اجتماعي، لادارة شوؤن الدولة، وبدون تحويل نصوصه الى تطبيقات واقعية، يبقى هذا الدستورحبرا على ورق، ورغم تشكيل لجان...

الى رسل الرحمة ..ارحموا !

سابتعد اليوم عن السياسة قليلاً ، لاوجه نداءً الى رسل الرحمة من الاطباء الكرام عسى ان يتجاوبوا معه انسجاماً مع طبيعة مهنتهم والقسم الذي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لماذا ممنوع علينا الحديث عن معاناتنا امام المجتمع الدولي؟

اعتادت الطبقة السياسية الحاكمة في العراق منذ عام 2003 على ممارسة ثقافة التخوين والتشرب في نسيجها السياسي المتهرئ بثقافة المؤامرة وهي آلية سيكولوجية لممارسة...

الشعبانية بين الجريمة والتسقيط

هيجان شعبي رافق خروج القوات العراقية, بعد دخول قوات التحالف عام 1991, إلى الكويت, تمخض عنها انتفاضة شعبية, بدأت بذرتها من البصرة, لتمتد سريعاً...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سيادة الفريق ( أذا أبتليتم فأستتروا)!

مع كل الخراب والدمار والفساد الذي ينهش بالعراق والعراقيين منذ الأحتلال الأمريكي الغاشم للعراق عام 2003 ، ذلك الأحتلال الذي حول العراق الى أرض...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أمتنا ومخاطر الوضع العالمي!!

ما سيجري في دول الأمة سيكون مروعا , فربما ستنشط الحركات المتطرفة بقوة شديدة , لأن الأقوياء سينشغلون ببعضهم , وسيجد المتطرفون فرصتهم المواتية...