الأربعاء 18 مايو 2022
31 C
بغداد

في رحيل عاشق فلسطين سماح إدريس

غادر عالمنا في الخامس والعشرين من شهر تشرين ثاني الماضي، الأديب والناشر والمترجم والمثقف اللبناني الاستثنائي المشتبك، عاشق فلسطين ونصيرها، سماح إدريس، نجل مؤسس دار ومجلة الآداب الأديب القومي العروبي التنويري سهيل إدريس، والكاتبة والمترجمة اللبنانية عايدة مطرجي، والعضو المؤسس في حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان منذ العام 2002، والناشط في مجال دعم القضية الفلسطينية، الذي وافته المنية بعد معاناة وصراع شرس مع السرطان في أيامه الأخيرة، الذي قاومه ببسالة، تاركًا وراءه إرثًا ثقافيًا وأدبيًا ومعرفيًا، وسيرة نضالية طيبة زاخرة بالمواقف الجذرية الوطنية والقومية والثورية والكفاحية المشرفة.

لقد جسد سماح إدريس بفكره وتفكيره ومعتقداته وممارساته ونشاطه الفكري والثقافي المعرفي، كلّ النقاء الفكري والثقافي المشحون بحبه لفلسطين وقضيته الوطنية التحررية، وقضايا الأمة العربية المصيرية، مجبولًا بالتوجه الاشتراكي، والقومي العربي، وحدد لنفسه هدفًا من معمار النضال الضخم الهائل، حتى لا تتحول جهوده لنزيف مشتت، ودأب على نشر الفكر العلماني، وتجديد المقاربة القومية العربية.

وأشتهر سماح بمواقفه وتأييده للقضية الفلسطينية، ونذر نفسه للدفاع عنها بكل ما يملك من إحساس وقوة وفكر، مهاجمًا ومقاومًا المطبعين ودعاة التطبيع، وكانت وصيته الأخيرة: ” إذا تخلينا عن فلسطين تخلينا عن أنفسنا”.

ترأس سماح إدريس تحرير مجلة “الآداب” التي لعبت دورًا رياديًا وطليعيًا وثقافيًا في نشر الثقافة العربية التقدمية العلمانية والإنسانية، ثم أصبح رئيسًا لتحريرها بعد أن تحولت لمجلة الكترونية، وتمسك برسالة الثقافة والكتابة والنشر، رغم كل الأزمات المختلفة في لبنان والوطن العربي، وكان قد كتب في افتتاحية العدد الأخير من مجلة “الآداب” الورقية تحت عنوان “ترف الإنتاج الثقافي المستقل”، قائلًا: “فنحن لا نملك مهنية غير الكتابة والنشر المستقلين، وسنواصل هذه المهنة مهما صعبت الظروف، ومهما تعثرنا أو تأخرنا أو كبوْنا، وسنكون إلى جانب كل من يعمل بكدّ وتفانٍ وحبّ، على الخلاص من سارقي أحلام شعبنا في الحياة الحّرة الكريمة”.

ولسماح إدريس العديد من المقالات والمؤلفات والدراسات والأبحاث والمنجزات الفكرية والنقدية، أهمها: “المثقف العربي والسلطة: بحث في التجربة الناصرية، صناعة الهولوكست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية، الماركسية والدين والاستشراق (ترجمة)، إسرائيل، فلسطين، لبنان: رحلة أمريكي يهودي بحثًا عن الحقيقة والعدالة، رئيف خوري وتراث العرب”.

أما في مجال السرد، فله: “فلافل النازحين، خلف الأبواب المقفلة، قصة الكوسى، الشباك، عالم يسع الجميع، الكل مشغول، الموزة، أم جديدة، البنت الشقراء، طابتي الذكية، وقصتي” وغيرها.

سماح إدريس لم يتوانَ يومًا عن البحث عن هوية المعرفة الفكرية، فكان حفّارًا فكريًا من الطراز المبدع، ورأى أن الصواب الفكري هو من الإصابة بمنهج وفكر، والتمسك برؤية عقلانية في قراءة الواقع. وبفضل مساهماته ومجايليه من المثقفين التنويريين الجدد، الذين حملوا راية الثقافة التنويرية المضيئة، تبلور السبب العميق، الذي كان وما زال واقفًا وراء هذا الشرخ في الوعي التاريخي الوطني، في لبنان، أو داخل الوعي العربي المشوه.

وعلى كل حال، يبقى إرث سماح إدريس الفكري والمعرفي والثقافي، أعماله الأدبية والنقدية والفكرية، شاهدًا كبيرًا على دوره وإسهامه ومساهماته في رفد وإثراء حياتنا الثقافية والفكر العربي، وتحديث ثقافة العرب السياسية والنقدية.

هذا هو سماح إدريس، اللبناني الجذور والمولد، الفلسطيني هوية والتزامًا وانتماء، المناهض للتطبيع وثقافة الاستجداء والاستسلام والانبطاح والهرولة، الملتزم بقضايا الإنسان وفكر المقاومة، الذي ارتحل عن الدنيا، مثخنًا بالجراح، بعد رحلة حياة شاقة وطويلة مع الحرف والموقف والالتزام، وإن رحل جسدًا فسيبقى بروحه وأفكاره وإرثه وميراثه ومواقفه الشامخة شموخ الأرز اللبناني، الثابتة كثبات جبل صنين.

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةمدينة الضباب
المقالة القادمةحكومة عراقية بعد مؤتمر فيينا..!!!

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
856متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

القاعة الدستورية واليات حل الازمة/ 2

الحاكم والمحكوم هما طرفا معادلة السياسة، وهذان الطرفان هما الاحزاب والشعب، وبترجمة هذا الواقع على تجربتنا الديمقراطية، نجد مسلسل خسائر طالت الطرف الثاني جراء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

خطابُ الصدر..إنسدادٌ أم إنفراجٌ…!!

فاجأ السيد مقتدى الصدر، العراقيين والرأي العام، بخطاب، أقل مايقال عنه أنه ،هجوم غير مسبوق على الإطار التنسيقي، الذي وصف عناده وتصرفه (بالوقاحة)،بعد أن...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الانسداد بين الطريق الى ليلة السكاكين الطويلة وتوازن الرعب

(( .ذالك الذي يقتل الملك وذالك الذي يموت من اجلة كلاهما عابد أصنام ))برناردشو 0(( .الحرية تعني المسؤولية وهذا هو علة الخوف الذي يبدية معظم...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قوانين السياسة كقوانين الحياة لا يتنبأ بها احد إلا بالتجربة!

عندما اضطرت روسيا لغزو اوكرانيا , كانت دول الناتو بقيادة واشنطن قبل ذلك تبحث عن اراذل ومناكيد واصاغر ليكونوا بدائل لسياسيين اوكرانيين لتصنع منهم...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الانسداد السياسي وتضوع المواطن

ضياع فرصة ببناء دولة كان هو الثابت الوحيد في سلوك السياسيين في العراق منذ سقوط نظام البعث في عام 2003 ذلك النظام الدكتاتوري الاستبدادي، ولا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

تصحر العقول وغبار المسؤول

يقول المثل الشعبي ( ناس تأكل دجاج وناس تتلكًه العجاج)، ويضرب للإختلاف بين الناس، ومنهم من يعيش الرفاهية على حساب شقاء الآخر، وأحياناً يُقال...