الثلاثاء 6 ديسمبر 2022
20 C
بغداد

الإعلام والفضائيات.. ومخاطر فقدان المصداقية!!

لم يحافظ الإعلام على سياقاته وهدفه المعلن وهو الإعلام ، أي إخبار الجمهور والمجتمع عموما بالحقائق واطلاع الرأي العام على مجريات الأحداث ، وهو ما أفسد تلك القيمة الاعتبارية التي كانت أبرز سماتها المصداقية ، التي بقي يحافظ عليها لعقود طويلة ، لكنه قبل سنوات خرج عن كثير من سياقاته وقيمه الإعتبارية التي ينبغي أن يحافظ عليها!!

لقد راحت كثير من الفضائيات والمواقع الاخبارية وكثير ممن دخلوا الى الساحة الإعلامية يصولون ويجولون ، وفقا لمشيئة قوى وتوجهات سياسية أو دينية ، لتنتقل به من المصداقية في الرؤية والتوجهات الى دس الافتراءات والأكاذيب والتلوين للمادة الخبرية أو المعلومة الصحفية، والترويج لأجندة وتوجهات ليست وطنية، فأصابها بحالات من التشويه المتعمد ، وهو ما أدى الى المس بسمعة الصحافة والاعلام عموما ، نتيجة تلك التدخلات غير المسؤولة ، والتي إستغلها البعض من الإعلاميين والسياسيين ورجال الدين لأغراضهم المشبوهة وأجندتهم غير الوطنية ، وعرض سمعة الاعلام وبخاصة الفضائيات والمواقع الاخبارية الالكترونية الى مخاطر كبيرة ، إنقلبت عليه رأسا على عقب ، حتى صحت المقولة التي يطلقها البعض من العامة على الاعلام وهو (كلام جرايد) ، وهي التهمة الخطيرة التي أزالت تلك الهالة من القدسية التي انتقلت بالاعلام من نقل الحقائق للجمهور الى مهام أخرى كالتضليل والخداع والتشوية والافتراء والفبركة والاختلاق والتأويل السلبي، ما أفقد الاعلام المصداقية ، التي هي سمة أساسية من سمات مهامه التي كان يفترض بمن يدخل ساحة الاعلام أن يحافظ عليها!!

لقد كان دخول وسائل التواصل الاجتماعي بعد انتشار الانترنيت واتساع نطاق الفضائيات والفيسبوك والانستغرام وكل وسائل التواصل الاخرى، الى ان يدخل عالم وسائل التواصل الإجتماعي الكثير من تلك الحالات السلبية التي سبق ان أشرنا اليها قبل قليل، والتي تعتمد على نشر تلفيقات وأكاذيب واخبار سريعة خلت من أي مضمون قيمي أو أخلاقي ، وراحت تبحث عن سرعة إنتشار مضامينها غير الاعلامية والتي هدفها الاثارة بأي شكل من الأشكال في المقام الاول ، على حساب السياسات والمضمون والاهداف القيمية ، وراحت وسائل انتشارها تغطي على الصحافة والاعلام ، وأسهمت في تشويه سمعتها وتمزيق تلك الهالة التي كان الجمهور ينظر اليها على أن الاعلام هو وسيلة لنقل الحقائق ، وانتقل به الى حالة فوضى وفلتان رهيبة، لتقتل روح الخبر والمعلومة وتمعن في تشويه مضامينها قدر المستطاع!!

والأخطر من هذا أن كثيرا من الفضائيات وتحت وسائل الاثارة التي إستخدمتها وسائل التواصل الاجتماعي ، وبخاصة ما ينشر من أهوال الفبركة والإختلاق في الفيس بوك، لينتقل بها، لتكون مادة أساسية في أخبار الفضائيات تتناقلها على أنها حقائق، دون ان تدرك انها ليست من مهامها ، وبخاصة ما ينقل الان عن بعض ما يجري من ممارسات بسيطة في المدارس والجامعات وبعض دوائر الدولة والحياة عموما من أحداث تبدو تافهة ، واذا بالاعلام يحولها الى مادة أساسية في نشراته الاخبارية ، ويعرضها للرأي العام ، بالرغم من أن تلك القضايا الصغيرة ليست مهمة ، في بلد ينزلق الى الفوضى والفلتان والتمزق الاجتماعي والقيمي وانهيار المؤسسات المالية والاقتصادية، وهو يقحم نفسه في تناقل اخبار ثانوية وليست لها أهمية ، ويروح يستضيف من يدخل ضمن قائمتها ليحولها الى خبر رئيسي في نشرات الفضائيات الاخبارية ، في حين تغص أحداث البلد بالكثير مما يفترض أن يتم تناقله من مخلفات السياسيين ، وما تؤدي أزماتهم الى انحدارات وكوارث كبيرة وكثيرة تضر بمستقبل البلد، واذا بالفضائيات تتحول الى وسط ناقل لأخبار الفيسبوك ، وهو ما حول مهام الاعلام من الأساسيات الى فرعيات ثانونية لاتليق بمهمته ، وقدمتها كثير من الفضائيات التي تدعي انتشارها الواسع الى مادة ترويج دعائي ، ليس لها هدف سوى الإثارة ، أما الرأي العام والمحافظة على كثير من أسرار البلد وبعض مؤسساته فلم تعد مجالا للاهتمام، واختلط الحابل بالنابل في مؤسسات إعلامية ، هي أقرب الى وسائل إثارة وصخب وترويج دعائي سلبي ، من أن تكون وسائل إعلام يعتمد عليها!!

وما نريد أن نقوله لوسائل الاعلام والقائمين عليها أنكم بتلك المهمة ، فرطتم بمهمة الاعلام وأسئتم اليها ، ودنستم سمعتها، إن بقي اهتمامكم بما يجري من أحداث صغيرة ، وتركتم أحداث البلد الكبيرة ، وما يجري من حالات تناحر وصراع ، ولم تفضحوا من يدخل دهاليز السلطة ينهب منها ويسلب كما يشاء، دون أن تسلط عليه الأضواء ، كما أن أوضاع البلد الاقتصادية والمهنية ومتطلبات الحياة المهمة هي من تستحق الاهتمام وليس القضايا الصغيرة او التافهة ، التي هي ليست من مهامكم في كل الأحوال، وأعيدوا لنا مصداقية الكلمة التي فقد بريقها بسببكم انتم ايها الإعلاميون، الذين راح البعض منكم وللاسف الشديد ينتقل بمهنيتها وأخلاقياتها ، لينحدر بها الى حيث الدرجات الدنيا التي لاتليق بمهنة صاحبة الجلالة وأفقدتموها قدسيتها التي كنا نتفاخر بها منذ عقود طويلة، وكانت هي من نبني عليها المثل والقيم ونسير بالمجتمع الى حيث لطموحات المشروعة ، لا أن ننحدر بالمجتمع الى قاع لايليق به، وفقد المجتمع بذلك أهم ركن من أركان الإعلام وهو المصداقية!!

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةجيب ليل و… اخذ عد وفرز
المقالة القادمةالمصير المر!!!

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الامبراطورية الخائفة من أهلها

تتحدث الأنباء عن تمارين عسكرية أمريكية إسرائيلية ترجَمَها بعضُ العراقيين والعرب والإيرانيين المتفائلين بأنها استعداد لضربة عسكرية مرتقبة لإيران. ولنا أن نتساءل، إذا صحت هذه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل يتجزّأ الإقليم .؟

 العنوان اعلاه مشتق ومنبثق من الخبر الذي انتشر يوم امس وبِسُرعات لم تدنو من بلوغ سرعة النار في الهشيم , وكانت وسائلُ اعلامٍ بعينها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

قراءة في كتاب “لماذا فشلت الليبرالية”

بعد تفكك المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة عام 1990 اعتبر الغرب أن ذلك يمثل نجاحا باهرا ونهائيا للرأسمالية الليبرالية والتي يجب أن يعمم نموذجها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فشل بناء الدولة الوطنية الديموقراطية بغداد .طهران .دمشق نموذج ,الاستبداد الشرقي

التطور سنة الحياة وحياة بني البشر في تطور مستمر ودائم .تتطور قوى الانتاج وطرق المعيشة و الثقافة و القوانين والنظم وشكل الدولة وتتطور الثقافة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

وصلتني سير الدعاة

في كربلاء الحسين التقيت بالدكتور شلتاغ الذي صنع التأريخ بقلمه, وضم في موسوعته أساطين الكلمة ممن اعتلى مشانق الجهاد لترقص اجسادهم فرحين مستبشرين بمن...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المتقاعدون.. والسوداني.. ومأساة المتاجرة الدعائية برواتبهم المتدنية !!

تعد شريحة المتقاعدين ، وبخاصة ممن شملوا بقانون التقاعد قبل عام 2014 ، من أكثر شرائح المجتمع العراقي مظلومية ومعاناة معيشية ، وهم من...