الجمعة 21 يناير 2022
9 C
بغداد

البرجوازي الصغير تشيخوف

كان هذا الحديث عن تشيخوف ممتعا جدا بالنسبة لي , ولا أدري اذا سيكون ممتعا ايضا للقراء , الذين يتابعون الادب الروسي و ( درابينه !) وانعكاساتهفي الوعي الاجتماعي العراقي بشكل خاص , والعربي عموما , ولكني أظن ( وبعض الظن اثم ) , ان هذا الحديث ربما سيكون طريفا لبعض القراء ( خصوصا لهؤلاء الذين عاصروا عدة مراحل زمنية متنوعة جذريّا في مسيرة العراق الفكرية منذ اواسط القرن العشرين) , ولهم بالذات  قررت كتابة خلاصة لهذا الحديث , الخلاصة ليس الا , دون تكرار , او حتى الاشارة البسيطة الى الشعارات و ( الهتافات !!!) التي رافقت هذا الحديث (  الادبي البحت !!!) عن تشيخوف , والذي استمر في حدود نصف ساعة لا أكثر , ولكن هذه (النصف ساعة !) كانت مليئة بالافكار الغريبة جدا و العجيبة فعلا , والتي من الصعب بالنسبة للاكثرية حتى التفكير بامكانية الاعلان عنها بهذه الصيغة والتحدّث حولها, ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين .

سألني ( بطل الحديث !!) بحدّة وقوة ما هو موقف تشيخوف من الطبقة العاملة ؟ لم اكن اتوقع بتاتا هذا السؤال عن تشيخوف , وبالتالي لم استطع الاجابة رأسا , وحاولت ان اكسب وقتا اضافيا للتفكير فطرحت عليه سؤالاتفسيريا مضادا , وسألته وأنا اكرر موقف تشيخوف من الطبقة العاملة في الامبراطورية الروسية ؟ فأجابني وبنفس الحدّة والتوتر –  نعم , من الطبقة العاملة المضطهدة والمسحوقة من قبل الرأسمالية الروسية في تلك الامبراطورية الوحشية , التي كان يحكمها القياصرة الطغاة . قلت له مبتسما, وانا احاول تهدئة الاجواء المتوترة , ان تشيخوف كان متعاطفا مع الشعب الروسي باكمله ,ولكنه لم يركّز اهتمامه على طبقة معينة بالذات , ولم يكن ضد اي طبقة من طبقاته , بل وكان تشيخوف متعاطفا اصلا مع كل انسان بشكل عام ,فضحك (بطلنا!) من جوابي باستهزاء , وقال , طبعا , لا يمكنك ان تجيب بشكل دقيق وحاسم عن سؤالي المحدد , وتحاول ان تتهرب من الموضوع الواضح للعيان بالنسبة لكل شخص يمتلك رؤية ثورية حقيقية واصيلة تجاه ظواهر الفن عموما , والادب خصوصا , هذه الظواهر التي يجب ان تخدم الشعب وطبقته العاملة قبل كل شئ , وأضاف بعد ان صمت قليلا , لقد طرحت عليك سؤالا محددا , وهو بالنسبة لنا , نحن الذين درسنا واستوعبنا النظرية الثورية الحقيقية , مثل الترمومتر لقياس حرارة الجسم , اذ ان الموقف من الطبقة العاملة يحدد بشكل واضح وصريح كل شئ في ابداع اي كاتب في العالم , والنموذج الذي نعرفه في الادب الروسي هو مكسيم غوركي وروايته ( الام ) , والتي أعطت للادب الروسي ( والعالمي ايضا ) بداية مفهوم الواقعية الاشتراكية , وتشيخوف الذي عاصر غوركي لم يلاحظ حتى بدايات ذلك الاتجاه الادبي والفني العظيم , واستمر بكتابة قصص عن ( عطسة موظف ) او ( عضة كلب ) او ( سيدة ذات كلب صغير ) , او مسرحية ( الدب ) وما شاكل ذلكمن تلك المواضيع الساذجة وغير المهمة بتاتا للناس , لأن تشيخوف برجوازي صغير ليس الا , والبرجوازية الصغيرة في كل المجتمعات لا يمكن لها ان تستوعب ابدا طبيعة المشاكل الاجتماعية الكبرى والاساسية في المجتمع , ولا يمكن لهذه البرجوازية الصغيرة ان تجد حلّا لتلك المشاكل التي تعاني منها الطبقات المسحوقة في تلك المجتمعات . حاولت اثناء حديثه المتشعب هذا ان اتدخل بالكلام , وان اقول له في الاقل , ان فلسفة تشيخوف كانت تكمن في ان الادب يطرح المشكلة فقط , أما ( حلّها ) , فان ذلك ليست مهمته , ولكنه لم يسمح لي بذلك بتاتا , وعندما توقف بعد هذا ( الخطاب !) الحماسي , قلت له بهدوء –  يجب عليك يا صاحبي – دراسة الادب الروسي خارج هذه النظرة السياسية المحدودة , والتي كانت موجودة بشكل او بآخر زمن جدانوف وغيره  من ( موظفي !) تلك الاجهزة التي تم رفضها والتخلص من بقاياها وآثارها منذ أكثر من نصف قرن في الاتحاد السوفيتي نفسه , واصبحت الان نسيا منسيا , فالواقعية الاشتراكية مثلا – لم تعد موجودة منذ سبعينيات القرن العشرينحتى في النقد الادبي السوفيتي , والنتاجات الادبية التي أشرت اليها لتشيخوف وأسميتها ( ساذجة !) اصبحت الآن في الواقع قمما في الادب الروسي والادب العالمي ايضا , قمما دخلت في أعماق الآداب القومية لكثير من الثقافات وأخذت تتعايش معها , بما فيها ثقافتنا العربية , ولم استطع الاستطراد , كي أحكي له , كيف كان طلبتي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد يمثّلون على مسارحهم الطلابية الجميلة مسرحيات تشيخوف بكل حب وحماس .

اغتاظ صاحبي من هذا الجواب وامتعض كثيرا , وقال لي بعصبية , انه مستعد ان يثبت للجميع صحة موقفه هذا , وان الادب الروسي سيتحرر من شوائب البرجوازيين الصغار امثال تشيخوف , عندما سينهض الشعب الروسي من جديد ويحقق اهداف ثورته , التي اوقفتها قوى الرأسمالية العالمية . فهمت أنا طبعا عدم جدوى النقاش معه , فقلت له دعني اذكرك فقط بجملة عن تشيخوف قالها عالم اجتماع روسي كان بروفيسورا في جامعة موسكو اسمه كوفاليفسكي , والذي كان يعرف تشيخوف حق المعرفة , والجملة هذه هي (...لم يكن تشيخوف يهتم بقضايا النظام الجمهوري او الملكي ..ولكنه كان يتمنى ان يرى روسيا حرّة ...)

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
801متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نحن والملف النووي الإيراني

 مساءَ امس صرّح وزير الخارجية الأمريكي " بلينكن " أنّ حسم مسألة ملف الإتفاق النووي مع ايران بات وشيكاً , وصباح امس اعلنَ الرئيس...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حكومة الكاظمي والتامر على موانىء البصرة ….. واحياء لموانىء العقبة ؟

للاسف الشديد فان حكومة الكاظمي المنتهية ولايتها قد ادخلت العراق بنفق مظلم وربطته باتفاقية مجحفة قد كبلت الاقتصاد العراقي ونهب لثرواته من خلال مد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الأقلية والأكثرية وأمة ضحية!!

قال لي: أن الإنكليز سبب دمارنا لأنهم ساندوا الأقليات لتحكم الأكثريات في مجتمعاتنا , وجاءوا بمن لا يعرف البلاد ليكون سلطانا عليها!! تأملت ما قاله...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التنين الصيني والقرار العراقي بالمقلوب!!

بداية الحديث سيكون عن واقع الإعلام العراقي المُتخبط والغارق في الفوضى وصراخ المسؤولين وعويلهم المتباكي بدموع التماسيح على مصالح المواطن وحقوقه وهو مايتطلب وجود...

رواية تشيخوف ” المغفلة ” — درس في التغييرالأصلاحي!؟

في رواية تشيجوف " المغفلة " واحدة من أروع الروايات القصيرة في تأريخ الأدب العالمي ، وأنطون تشيخوف من كبار الأدباء الروس على مدى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الكتلة الأكبر في العراق؟

دخل أعضاء "الإطار التنسيقي" الذي خسر الانتخابات الأخيرة الى قاعة البرلمان في جلسته الأولى التي عقدت قبل أيام وهم عازمون على انتزاع الأغلبية ليهيمنوا...